تحقيق : قضية اغتيال الطالب ممدو جوب بين العدالة والتهميش

0
778


تحقيق : محمد الأمين غي ” ابن الزهراء “

في مثل هذا اليوم من عام 2012  شارك الطالب السنغالي ممدو جوب في مظاهرات حاشدة ، نظمته المعارضة السنغالية وشرائح من جمعيات المجتمع المدني في ساحة لوبليسك بدكار تعبيرا عن رفضهم  لترشح الرئيس الأسبق السيد عبد الله واد للمأمورية الثالثة رغم قبولها من قبل المحكمة  الدستورية ،  وذلك قبل شهر من الخوض في رئاسيات 2012 ،  وفي مساء هذا اليوم ،  نشرت السلطات السنغالية عناصر كبيرة من الشرطة والدرك لمواجهة المحتجين تجنبا لأعمال الشغب والعنف.
توقفت حركة المرور  في محيط كولوبان لساعات كثيرة ، بعد أن استخدمت الشرطة السيارة الشهيرة “التنين” التي تطلق الماء الساخن  ، إلى جانب الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين وتهدئة الأجواء .
وبعد ساعات من المواجهة العنيفة بين الشرطة والمتظاهرين  داست  السيارة المذكورة في طريقها لتفريق المحتجين الطالب ممدو جوب،  وسقط الأخير متأثرا بجروح بالغة الخطورة قبل نقله إلى المستشفى حيث توفي فور وصوله تقريبا .

🔸وقفات على حياة الطالب ممدو جوب :

على الرغم،  من التصعيد الوطني في قضية اغتيال الطالب ممدو جوب الذي كان معروفا لدى الحرم  الجامعي بالمسلم الملتزم، والمريد الصادق فإن قضيته قد رُميَت عرض الحائط ، ولم تعرها  العدالة أهمية تذكر .
ممدو جوب  واسمه الحقيقي (شيخ محمد جوب ) ولد عام 1980  في امبور من أسرة متديّنة  ، وهو لابن الأصغر من بين أبناء أمه، لكن رغم صغرسنه  كان معينا قويا لوالديه في جميع الأحوال .
أمضى مسيرته العلمية والدراسة في امبور إلى حين التحاقه بجامعة الشيخ أنت جوب بدكار ، بعد حصوله على الشهادة الثانوية ،  واستمر في دراسته  بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ، متخصصا في الأدب الحديث ، كما كان مدرسا في إعداديّة ٱدم جالو ببكين (الضاحية)  بعد تخرجه في فاستيف ” المدرسة العليا لتكوين الأساتذة “
وإلى جانب حياته الاجتماعية والدينية، إنضم  المرحوم إلى  دائرة “حزب الله لخدمة الخديم” بقيادة  سرج سيدي مختار امباكي (حفيد مام شيخ أنت امباكي غاوان ومام مور جارا شقيقا الشيخ أحمد بامب امباكي مؤسس الطريقة المريدية ) وهي دائرة  تجمع كوادر الجامعيين والدكاترة والشخصيات الكبيرة  في الدولة لتعليمهم وتربيتهم التربية الإسلامية وبتعاليم المريدية.
كما كان المرحوم مؤذّنا لصلوات الجمعة في كثير من المساجد والمناسبات الدينية ،  لاسيما  في جمعة تلك المسيرة الاحتجاجية  الشهيرة التي نظمته كتلة 23 يونيو بقيادة السيد علي تين ، حيث دارت فعاليات هذه المسيرة السلمية صبيحة يوم الجمعة 27 يناير 2012 .
وفي اتصال هاتفي أجريناه مع الدبلوماسي السابق شريف أبو جعفر امبالو ، أخبرنا أنه شخصيا من قام باقتراح لإقامة  صلاة الجمعة في ذلك اليوم ،  مستدلاّ بوجود أكثر من 12 شخصا في ساحة لوبليسك.
ووفقا له،  فإن الطالب ممدو جوب هو من أدّى الأذان على مسامع الجماهير الحاشدة في ساحة لوبليسك ، ثم أقيمت صلاة الجمعة وتواصلت المسيرة السلمية بحضور كافة السياسيين المعارضين والناشطين في المجتمع المدني… 
والجدير بالذكر،  أن المرحوم ممدو جوب كان متزوجا وله كريمتان صغيرتان  ، ولقي مصرعه أثناء استعداده لإتمام مناقشته  لبحثه في  المستر 2 في جامعة شيخ أنت جوب دكار عن عمر ناهز 32 عاما

🔸العودة إلى سلسلة الأحداث :
في فترة ما قبل الحملة الإنتخابية يجب تعليق جميع الأنشطة السياسية ،وهنا قامت  حركة #23_يونيو بحشد عدد كبير من أعضاء المعارضة ومنسوبي منظمات المجتمع المدني في ساحة لوبليسك بدكار للمرة الأخيرة لسحب ترشح  الرئيس واد.
وهكذا تم اغتيال الطالب ممدو جوب الذي شارك في هذا الكفاح من أجل الدفاع عن حقوق الشعب  واحترام الدستور ، في 31 يناير 2012، حيث دهسته سيارة “التنين الأسود” وهي دبابة كبيرة الحجم  تابعة للشرطة ، حسب الفيديوهات الملتقطة في مكان الحدث.

تُعد وفاة الطالب ممدو جوب واحدة من سلسلة طويلة من الوفيات المرتبطة بمسألة الترشح لولاية ثالثة من قبل عبد الله  واد  في عام 2012. في تلك الأحداث ،فقدت السنغال ما لا يقل عن عشرة أشخاص قُتلوا خلال الاحتجاجات المناهضة للنظام الليبرالي الذي أتهم  بالتلاعب بالدستور السنغالي  للترشح لإعادة انتخابه بعد أن  أغلق القانون الأساسي الباب أمامه ، ولكن  لم يتوقف الرئيس المنتهية ولايته على الرغم من الأجواء المتوترة جدا  قبل الانتخابات، 
ورغم التعبئة الشعبية في 23  يونيو2011 حقق رغبته في الترشح لولاية ثالثة،  بل استمر في موقفه حتى قُبِلت بطاقة ترشحه رسميا،  وخاض الانتخابات أمام 13 مترشحا في الدور الأول ،  خرج منهم الرئيس الحالي ماكي صال فائزا في الجولة الثانية بأغلبية ساحقة من أصوات السنغاليين .
وهكذا جاء هذا الرئيس الشاب الذي وُلد بعد الاستقلال بوعود كبيرة،  منها تسليط الضوء على  ملف المرحوم ممدو جوب على الصعيد القضائي،  لاكن سُرعان ماتغيرت وجهة نظره،  وأصبحت وعوده مواعد عرقوب ،  لم يقم بأي جهد لملاحقة  المتورطين في هذه الجريمة  وإدانتهم أو تغريمهم ، مساندة لأسرة الضحية ، وتكريما لروح هذه الشخصية الضحية .

🔸القضية بين العدالة والتهميش :

فتحت العدالة السنغالية منذ الوهلة الأولى جلسة المحاكمة في هذه القضية ،  وتم الإستماع  إلى عناصر من الأمن الذين حضروا في واقعة الحدث،  لكن لم تتوصل التحقيقات إلا بتوجيه أصبع التهم إلى  عنصرين من الشرطة بتنفيذ عملية دهس السيارة لمحمد جوب ،  في حين رفعت التهم الموجهة إلى  وزير الداخلية وقت الأحداث  عثمان انغوم، ومفوض الشرطة هارون سه .
وأقرّت العدالة أن مسؤولية اغتيال الطالب ممدو جوب  هي على عاتق عنصرين من الشرطة هما تمسير عثمان اتيام سائق “التنين الأسود” ، وزميله وَغَانْ سُوَارِ المتهم بعدم مساعدة شخص معرض للخطر .
وحُكم على الشرطي الأول بالسجن عامين وغرامة 200 ألف فرنك سيفا.
أما زميله الآخر ، فقد استفاد بالافراج عنه  بعد أن حُكم عليه بالسجن لمدة 3 أشهر فقط ،  وأسرة الضحية بدورها تتلقى ب20 مليون فرنك سيفا من الحكومة السنغالية لاعترافها بمسؤولية مدنية عن وفاة الطالب الذي لقي مصرعه خلال مظاهرات 31 يناير 2012.

إعتمادا على نتائج التحقيقات والأحكام التي صدرت على عاتق المتهمين،  فإنها تعتبر خفيفة جدا،  وتظهر  جانب التهميش للقضية وعدم ملاحقة المسؤولين الكبار،  أمثال الوزير الداخلي عثمان انغوم والمفوض السابق للشرطة هارون سه .

على الرغم، من اهتمام الرئيس ماكي صال بمتابعة وملاحقة خصومه من النظام الليبرالي  السابق قانونيا ،  لم يمكث السيد عثمان انغوم الذي يعد أحد المذكورين  في قائمة الدائرة لمراجعة الحسابات وتحقيق الثرايا غير الشرعية “CREI” التابعة للعدالة السنغالية من الضغوطات والتقصير ،  بل خرج من هذه الورطة حرا طليقا ورافق رئيس الدولة في جولة ديبلوماسية ، في وقت مُنع له فيه حق الخروج من أرض الوطن…
وهكذا  استفاد المفوض السابق للشرطة هارون سه برتبة كبيرة في البلاد ، حيث عينه الرئيس صال في  المجلس الوزاري الذي عقد في 18 مارس 2020 مديرا للتفتيش على الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية .

كل هذه الامتيازات لكبار المسؤولين المتورطين في قضية اغتيال الطالب ممدو جوب تشير إلى تسييس القضية وتغييب الرأي العام الوطني، وتهميش أسرة الضحية لعدم إيثار أي جدل ، أو المطالبة بحقوق هذا المواطن السنغالي.

إذا كانت العدالة تميل إلى الفئة الحاكمة لغرض الجاه والمناصب،  فكيف يحصل المطالبون من القضاة والمحاماة بالحرية والاستقلال التام ..
وإذا كان الرئيس الذي يعد ولا يفي بوعوده  يضغط على من هم رجال الحق (القضاة)  سعيا لتبرئة المتورطين في قضايا فساد واغتيال ضد المواطنين الأحرار،  فكيف نعيش في جو هادئ تسوده الديموقراطية والعدالة والمساواة.. ؟

ختاما : في ضوء ماسبق ؛ يمكن إعتبار قضية اغتيال الطالب ممدو جوب إحدى السيناريوهات الكارثية على مستوى العدالة والسلطة الحاكمة ،  لم يستفد منها إلا المتورطون فيها ، والضحايا هم أقرباؤه وأعوانه.
رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه مع النبيين  والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici