بقلم / بقلم شيخ سيس الطوبوي
“إن أكثر علماء السنغال، أو طلبة العلم النشطين فيها، قد قصروا جهودهم على شرح المتون القديمة، وتحقيق الكتب التراثية، أو طبع رسائلهم التخرجية، دون أن يقدموا للمجتمع ابداعا جديدا في مكتبة الإنسانية”
هكذا عبر بعضُهم رؤيتَه تجاه السنغال المعاصر في ساحة الإنتاج والمساهمة في الحقل المعرفي، وأمعنتُ النظر في القول - نظرة موضوعية – فوجدته حقيقة جانبا ما، رغم أني لا أوافقُ على أنها حقيقة شاملة، ولكنه يتضمن في طياته حقائق لا يمكن إغفالها أو تهميشها جانبا.
وإننا إذا رجعنا البصر كرتين في طبقات العلماء الماضيين، بالمقارنة مع طبقة العلماء المعاصرين نجدُ بونا شاسعا بينهما، من حيث الهمة والعزم والجدية نحو التأليف والكتابة، إذ لا يرفض من عنده أدنى علم من تاريخ هؤلاء الجهابذة -بمن فيهم علماء السنغال- أن منهم من قدم للمكتبة البشرية علوما شتى، بمختلف التخصصات – كما نسميها في عصرنا – وهم في مقتبل العمر وريحان الشباب، وألفو الكثير الكثير في مختلف الفنون والمجالات العلمية.
في المقابل، نجد في عصرنا الراهن علماء الفسابكة -عفوا- العلماء المعاصرين قد ضيعوا هذه الوراثة، فاقتصر بعضهم
بتقديم “رسالاتهم التخرجية”، ومقالات اجتماعية، وإن كانت تنضوي في دفتيها، فوائد كثيرة على أغلب الأحيان، إلا أنها لاتزال تمثل التقصير والتقلل مقابلة مايجب أن يكون.
فاليوم قلَّما نرى صاحب علم وهمة ك محمد بن جرير الذي مكث أربعين سنةً يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.
وعالما بحجم أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي والذي قال عنه الإمام الذهبي -رحمهما الله- ما علمت أن أحداً من العلماء ، صنف ما صنف هذا الرجل. وأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الذي قال عنه ابن رجب : وأما تصانيفه فهي أشهر من أن تذكر ، وأعرف من أن تنكر ، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار ، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها ولا ذكرها.(1) أ
إننا نفتقد ذلك الشغف المعرفي الذي جعل عالما ك “سبويه” أو ابن “جني” أوابن القاسم أو جلال الدين السيوطي يسهر الليالى للتأليف من تخصُّصاته، أو يشرح المتون المفيدة لتقريب معانيها إلى أذهان الطلبة في ثوب الإبداع كالشيخ أحمد بمب وحبيبه الحاج مالك سي- رحمهم الله- وإنما يسهر الليالي للرد على مقالة كتِبتْ في حقّه أو في مذهبه، أو يقوم بكتابة ردود لا تتوقف ولا تنتهي عبر الوسائل التواصلية، ما لو استغله في التصنيف لأخرج لنا كتبا ضخمة نستفيد منها، وتنتفع بها الأجيال القادمة.
ويجب التنبه على أننا في هذا المقام لم نغفل عن المحاولات التي بذلها زمرة من العلماء والطلبة العلم في الشرح بعض الكتب القديمة بغية تجديد وتقريب التراث ؛ لينطبق مع المستجدات، ولكننا نتربص بإضافيات علمية قيمة وجديدة، تتولد من تجربتهم المعرفية ومن وقائع اﻷحداث اﻹجتماعية بجميع أشكالها لتواكب العصر ولتكون المنطلق نحو الإبداع والإبتكار.
وخلاصة القول: أننا كطلبة العلم و المشتغلين بالحقل المعرفي، نستشعر غبطة ممزوجة بالاستغرب تجاه أحوال بعض العلماء المعاصرين، من قلة اﻹهتمام بالتأليف والكتابة، حيث ترى عالم يتطلع سن التقاعد، ولم يكتب إلا كتابين أو مايقاربه، بل ضيع كل فرص متاحة في شبابه بما ذكرناه ولم يستغل هذه المرحلة الذهبية، والتي وصفها العلامة أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله – بقوله: وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس. وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره؛ وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة؛ لأنه لا يعلم الغيب. فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين. (2)
وترى آخر لم يكتب إلا مقالات وكتيب، وآخر مهد فراشه بعد تفرغه من طبع رسالته، وهذا لم يكتب شيئا بعد مااستلم على شهادته العلمية،
وإن شرح وكتابة المقلات، وطبع رسالات الموصية بطبعها وغير ذلك من إسهامات علمية، ممانقدره ونستحسنه غاية اﻹستحسان، ولكن العمل المنتظر منهم أكثر وأوسع من ذلك، وما يحتاجه إليه المجال العلمي أكبر وأهم بكثير..
(1)ذيل طبقات الحنابلة ( 4/332رقم495 )
(2)صيد الخاطر(182)
سبق نشر المقالة في مجلة المنتقى#العدد الأول في جامعة شيخ أحمد الخديم بطوبي #UCAK