التصوف بين صفاء التزكية وانزلاقات التوسع الوظيفي: قراءة تحليلية في الدور الأصلي للسلوك الروحي
كتب- عبد العزيز اغراز
يُعدّ التصوف في حقيقته أحد الأبعاد العميقة في البناء الحضاري الإسلامي، إذ لا يختزل في كونه مجرد ممارسات شعائرية أو طقوس روحية منعزلة، بل يتجاوز ذلك ليشكّل مشروعًا متكاملًا يهدف إلى تربية الإنسان، وتهذيب النفس، وتطهير القلب من علله الخفية. غير أن من أبرز الإشكالات التي تثار اليوم ما تشهده بعض الممارسات الصوفية من انحراف عن وظيفتها الأصلية، من خلال إدخال برامج وأنشطة لا تنتمي إلى مجاله، كالتدبير الاقتصادي أو التسيير المجتمعي، أو استحضار تكوينات في التنمية الذاتية ذات مرجعيات غير إسلامية، بما قد يزاحم دور الشيخ المربي. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الدور الصوفي، ومآلات هذا التحول على مستوى القيم والسلوك.
إن المتأمل في النصوص الشرعية، قرآنًا وسنة، يدرك أن محور الرسالة الإسلامية هو تزكية الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]، حيث جعلت التزكية غاية من غايات البعثة النبوية. ويؤكد هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، فربط الفلاح بتطهير النفس. ومن ثم، فإن التصوف ليس طارئًا على الدين، بل هو تعبير عن هذا البعد التزكوي، وسعي لتحقيق مقام الإحسان الذي عرّفه النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وقد أجمع كبار أئمة التصوف على أن أساس الطريق هو إصلاح الباطن قبل الانشغال بظواهر الأعمال أو شؤون الدنيا. يقول الإمام الجنيد: «طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»، في إشارة إلى أن التصوف الحق ليس انفصالًا عن الشريعة، بل تعميق لها من الداخل. كما يؤكد أبو حامد الغزالي أن تزكية النفس وتطهيرها من الرذائل وتحليتها بالفضائل هي لبّ الدين وروحه، ولذلك أفرد في إحياء علوم الدين فصولًا مطولة لأمراض القلوب كالحسد والكبر والرياء وطرق علاجها.
ولا تقتصر أمراض القلوب، كالحقد والحسد والبغضاء، على كونها انفعالات عابرة، بل هي علل روحية تهدم كيان الإنسان وتنعكس سلبًا على تماسك المجتمع. وقد حذر منها النبي ﷺ بقوله: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». ومن هنا تتجلى وظيفة التصوف في معالجة هذه الآفات عبر الذكر، والمجاهدة، والصحبة الصالحة، ومراحل التحلية والتخلية، حتى يبلغ القلب مقام السلامة، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89].
غير أن ثمار هذا العمل الروحي لا تبقى حبيسة الزوايا أو المجالس، بل تنعكس بوضوح في سلوك أصحابها داخل المجتمع. فالصوفي الحق ليس من يعتزل الناس، بل من يخالطهم بأخلاق حسنة، ويؤدي أدواره بإتقان وإخلاص. ويتجلى هذا المعنى في قوله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، حيث تُناط بكل فرد مسؤولية أخلاقية في موقعه، سواء كان معلّمًا أو طبيبًا أو تاجرًا أو عاملًا. فالتصوف لا يلغي التخصصات، بل يزكّيها ويضفي عليها بُعدًا أخلاقيًا يجعل من العمل عبادة.
والمجتمع الذي يتشبع أفراده بقيم التصوف هو مجتمع تسوده الرحمة والتعاون والإحسان، حيث يتحول كل فرد إلى قدوة في مجاله، جامعًا بين الكفاءة المهنية والنزاهة الأخلاقية. وقد عبّر بعض العارفين عن هذا المعنى بقولهم: «كن مع الله كأن لا خلق، ومع الخلق كأن لا نفس»، أي مخلصًا في باطنك، نافعًا في ظاهرك.
غير أن الإشكال يبرز حين يحدث خلط في الأدوار، فيستدعي بعض أهل التصوف تخصصات اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية إلى فضاءات الزوايا، وينشغلون بتفاصيل مهنية وتقنية ليست من اختصاصهم، على حساب وظيفتهم الأصلية في التزكية. وقد يؤدي هذا التحول إلى نتائج عكسية، إذ يفقد التصوف روحه، ويتحول إلى إطار تنظيمي أو اجتماعي خالٍ من العمق الروحي.
إن التخصص سنة كونية وشرعية، أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]، حيث دعا إلى توزيع الأدوار وفق الكفاءات. كما أن النبي ﷺ كان يكلّف أصحابه بما يحسنونه، فكان لكل واحد منهم مجال يتقنه. ومن ثم، فإن التزام التصوف بدوره في تربية النفوس يساهم، بشكل غير مباشر، في إصلاح باقي المجالات عبر تخريج أفراد صالحين يحملون القيم إلى مواقعهم المختلفة.
أما إذا انشغل أهل التصوف بغير اختصاصهم وتركوا مهمة التزكية، فإنهم يخاطرون بفقدان هويتهم، دون تحقيق نجاح يُذكر في المجالات الأخرى التي تتطلب تكوينًا علميًا وتقنيًا وتفرغًا زمنيًا. وهنا نكون أمام خسارتين: فقدان البعد الروحي، وضعف الكفاءة في المجالات الدنيوية.
وخلاصة القول، إن التصوف في حقيقته ليس مؤسسة بديلة عن مؤسسات المجتمع، ولا إطارًا لتدريس العلوم الإنسانية أو الاقتصادية أو التدبيرية؛ فهذه مجالات لها أهلها ومساراتها التكوينية المتخصصة. وإنما تتمثل وظيفته الأصيلة في تربية الإنسان على معرفة الله، وغرس الخشية في قلبه، وتطهير باطنه من أمراض القلوب، حتى يتحقق بمقام الإحسان الذي هو لبّ الدين وروحه.
فالغاية ليست تخريج خبراء في كل المجالات، بل تخريج إنسان صالح، سليم القلب، يراقب الله في سره وعلانيته، ويستحضر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]. فإذا تحقق هذا المقام، أثمر مراقبة دائمة لله، وانعكس ذلك على سلوكه في مختلف مجالات الحياة؛ فيكون الطبيب أمينًا، والتاجر صادقًا، والمسؤول عادلًا، والعامل متقنًا، لأن الدافع لم يعد مجرد مصلحة دنيوية، بل ابتغاء رضوان الله.
وعليه، فإن المجتمعات لا تحتاج من التصوف أن يزاحم التخصصات الأخرى، بقدر ما تحتاج منه أن يمدّها برجال ونساء عرفوا الله فسعوا إلى رضاه، وبذلوا الغالي والنفيس في خدمة أوطانهم، وتحلّوا بالأمانة والإخلاص في أداء واجباتهم. ذلك أن من أعظم ثمار معرفة الله الصدق في التوجه إليه، والعمل ابتغاء مرضاته، وهو ما يشكّل الأساس الحقيقي لأي نهضة أخلاقية أو حضارية منشودة.