﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
يحكى أنّ أعرابيًا سمع رجلاً يقرأ: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فسجد، وقال: سجدت لفصاحته، وسمع آخر رجلاً يقرأ: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام”.
وإن كان للقرآن سلطةً ذوقيّة تسحق ألباب البلغاء والفصحاء وتجعلهم بُلهًا صغارًا أمام معجزة سبكه ونسج حروفه وكلماته، فإنّ ثمّة جهة أخرى للقرآن فيها سلطةً تفوق سلطة الحرف والكلم، وهي هداية النّفوس وتطهير القلوب وتصفية السلوكات وشفاء العلل الروحيّة،
إنّ القرآن عظيم في كلّ مظاهره مُعجز في كلّ جوانبه، لكنّه لم ينزل فحسب لكون مُعجزًا يخرس أفواه الكفرة الفجرة وكلّ من نالت منه نزوة الضلال ما نالت فراح ينسج من نسيجه ويُحاكي لغته،
نزل القرآن والنفوس واهية في مهاوي الإفك والفجور، نزل القرآن والقلوب مريضة والعقائد فاسدة والأرواح محشورة في مدائن الشيطان، نزل القرآن والهداية غريبة والضلال مألوف،
ولمّا كان كلّ هذا الكمّ الهائل من الطيش والتمرّد، وكلّ هذه الكآبات والمصائب التي يُنتجها الجهل والترف، كان لا بدّ للقرآن أن يتجلّى في أهمّ مظاهره التي هي جوهر نزوله وعاقبة مراميه، وحين يتعيّن الداء وتُميّز النّجاسة يُداوى الدّاءُ ويُغسل محلّ النّجاسة، وكانت النّفس البشريّة هي محلّ الدّاهية قد غمرها الدّاء وعمّت بها النّجاسة، وما كان الحلّ سوى هذه الرسالة الربّانيّة وهذا القرآن العجب الذي سمعه نفرٌ من الجنّ فآمنَ النّفرُ لتوّه، وبه نهتْ بعضُ رؤوس الكفر في مكّة السماع له وأمرتْ بإحداث ضجيج حين يُتلى؛ لأنّه لا يكاد يقع في نفس سامعه إلاّ ويُحدث فيه الخير والرّشد إن كان الله يريد بصاحبها الخيرَ والرّشدَ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26]. وخرج من أجله أبو حفصة يقصد تاليَه ليقتله فآب ظافرًا بالإيمان وقد بلغ في نفسه مبلغًا عظيمًا،
والقرآن هو القرآن، كلام ربّ العالمين، مصدر الشفاء والطمأنينة والهداية والصلاح والرّاحة والأمان، إنّه منهج الحياة ومعدن الخير، وإنّه بعد كلّ هذا، طبّ القلوب ودواء النّفوس المرهقة.