
بقلم / الباحث محمد الخليفة اتيام
في دياجير الزمان، تبرز أرواحٌ نادرةٌ، كالنجوم في سماءٍ صافية، تضيء دروب العباد وتُنير قلوبهم بنور التقوى والإخلاص. ومن بين تلك الأنفس المصطفاة، يتربع الحاج عمر تيام، جوهرةٌ نفيسةٌ في عقد الطريقة التجانية الشريفة، ورجلٌ قد صقلته يد الرحمن حتى صار مرآةً تعكس جمال الأسرار الإلهية.
ولد هذا الوليُّ الكريم سنة 1918م في قرية كوسي الآمنة بأرض كاولاك، من صلب التفسير محمد ساني -رحمه الله- وزوجته الصالحة السيدة آداما ديان. ولم تكد الطفولة تُزهر في قلبه حتى انتزع الموتُ أباه الغالي، فذاق مرارة اليتم مبكراً، لكنه لم يذق فيها إلا حلاوة التوكل على الرحمن الرحيم. ففي سن السابعة، حمل حقيبة الغربة بقلبٍ مطمئن، وسار في طلب العلم الشريف، يحمل القرآن في صدره كمصباحٍ لا ينطفئ.
في ثييكيت سالوم، وتحت ظلال أحد خلفاء مام خليفة نياس، أكمل حفظ كتاب الله وتلقّى أسراره، فصار القرآنُ رفيقَ دربه، ونوره الذي يهدي خطاه في ليل الدنيا الطويل. ومنذُ ذلك الحين، أدرك بعين البصيرة أن أسمى غنىً هو القرب من الحقّ، وأن أجلّ سعادةٍ هي أن يسكن القلبُ بين يدي الخالق جلّ وعلا.
ثم جاء اللقاءُ الأعظم، لقاءُ الروح بالروح، حين قصد كاولاك ليُلقي بنفسه بين يدي مام خليفة نياس -نور الأعيان وسراج الطريقة-. فكان ذلك اللقاءُ بمثابة ولادةٍ ثانيةٍ، إذ أخذه الشيخُ تحت جناحيه، وجعله ابناً له في الحقيقة، ويداً يمنىً في خدمة الطريق. يقول الحاج عمر في كتابه الثمين: «إن لقائي بمام خليفة كان انقلابَ حياتي، أخذني تحت رعايته فصرتُ ابنه وذراعه الأمين». فكان مام خليفة له كالنبيّ لأبي بكر الصديق، نورٌ يهدي وروحٌ تُطهر وترقّي.
ولم يكتفِ هذا العاشقُ بالقرب من شيخه، بل جاب الأرض طلباً للمزيد من الأنوار. فزار العلماءَ والأولياء، من مبيني ديوما إلى ثيامين، ثم إلى تابادينغ، حتى بشرّه العارف سرين تفسير ماديغي خوما بأن الأولياء قد رضوا عنه. ثم دعاه الشيخ عمر الفوتي -رضي الله عنه- إلى الاستقرار في كافرين، ليكون فيها مشعلاً يضيء للخلق سبيل الهداية.
فاستقرّ في كافرين، وبنى مسجداً عام 1982م، وأقام داراً للعلم تخرّج منها رجالٌ حملوا لواء الدين بإخلاصٍ وإتقان. وكان في تعليمه رقةُ الأب وحكمةُ الحكيم، ينقل كتب مام خليفة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعذوبةٍ تذيب القلوب. ولم تقتصر رحمته على أرض السنغال، بل حمل مشعل الدعوة إلى بلدانٍ شتى: ساحل العاج، فرنسا، أمريكا، الغابون… ينثر بذور الإيمان في كل تربةٍ يطأها.
وحتى وافته المنية في السادس من أكتوبر 2009م، بعد صلاة العشاء، وقد ناهز الحادية والتسعين، وهو في كامل السكينة والرضا. فودّعته الخلائق بحزنٍ عميق، وحضر جنازته أعلام الحضرة النياسية، وعلى رأسهم الخليفة الراحل الحاج إبراهيم نياس وسرين هادي نياس، رحمهم الله أجمعين.
رحم الله الحاج عمر تيام، وجعله في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. إنه كان قطبَ زمانه، وسراجَ طريقه، وقلباً ينبض بحبّ الله ورسوله والطريقة المحمدية التجانية. فلله درّه من عبدٍ، ما أجمله في عين الحقّ، وما أرفعه في مقام القرب والمحبة!
ولله در الشاعر
رحلت لكن فينامنك ذاكرة
تبقى وتخلد في تاريخنا القدم
في شهر شوال إذ نادى مليك له
فاستبشر القلب في اقباله النعم
أبناؤك الوارثون النور منك هدا
عزما ومجدا وسر البيت والحكم
جعلتهم للورى فخرا ومدرسة
فيهم توارت معاني الفضل والشيم