مقالة : بين التأهيل والاعتراف: حين تتحوّل الشهادة الجامعية إلى سلعة…

0

كتب / عثمان سيك سفير الأزهر

بين التأهيل والاعتراف: حين تتحوّل الشهادة الجامعية إلى سلعة
يشهد التعليم العالي الخاص في السنغال، ولا سيما الجامعات ذات التوجّه العربي وكليات الدراسات العربية، أزمةً عميقة لا تتعلّق بندرة المؤسسات ولا بكثرة الإقبال، بقدر ما تتعلّق بغياب الشفافية العلمية والقانونية في مسألة الاعتراف بالشهادات. وتتمثّل هذه الأزمة، في أحد وجوهها الأخطر، في الخلط الشائع — بل المتعمَّد أحيانًا — بين مفهوم habilitation ومفهوم الاعتراف الرسمي بالشهادات الجامعية.
يُترجَم مصطلح habilitation إلى العربية بـ«التأهيل»، وهو في حقيقته إجراء إداري–بيداغوجي تمنحه هيئة ANAQ-SUP (Autorité nationale d’Assurance Qualité de l’Enseignement supérieur) بعد تقييم أولي لبعض الشروط الأساسية، مثل الإطار القانوني للمؤسسة، والبرامج المقترحة، والحدّ الأدنى من الموارد البشرية، والبنية الإدارية. وبذلك فإن habilitation (التأهيل) لا تعني الاعتراف النهائي بالشهادة، ولا تمنحها القيمة القانونية أو الأكاديمية الكاملة، وإنما تُعدّ مرحلة من مراحل متعددة في مسار طويل نحو الاعتماد والاعتراف.
غير أنّ الإشكال يكمن في طريقة تقديم هذا التأهيل للطلاب وللرأي العام؛ إذ تُسارع بعض الجامعات، بمجرد حصولها على habilitation من ANAQ-SUP، إلى الإعلان عن نفسها باعتبارها «جامعة معترفًا بها»، متجاهلة — أو متغافلة — الفارق الجوهري بين السماح المبدئي بالنشاط الأكاديمي وبين الاعتراف الرسمي بالشهادات. وهنا يتحوّل المصطلح التقني إلى أداة تضليل، ويغيب البيان الصادق الذي من حق الطالب أن يُصارَح به منذ اليوم الأول.
ولا تقف الأزمة عند حدود المصطلحات، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر وأفدح، حين نواجه ظاهرة التلاعب بالشهادات العلمية ومنحها في غياب لجان علمية مؤهلة، أو دون احترام المعايير الأكاديمية المتعارف عليها عالميًا. إنّ تقديم شهادات جامعية — وخاصة شهادات الماستر والدكتوراه — دون إشراف علمي رصين، ودون مناقشة أمام لجنة علمية مستقلة ومؤهلة، ليس مجرد خلل إداري، بل هو في جوهره جريمة علمية وأخلاقية تستوجب المساءلة والمحاسبة.
كم من مؤسسات جامعية تمنح رسائل دكتوراه جزافًا، لا يناقشها أستاذ جامعي معترف بكفاءته، ولا تُقوَّم وفق ضوابط البحث العلمي؟ وكم من شهادات عُليا تُسلَّم دون أن تمرّ عبر لجان علمية حقيقية، أو دون احترام شروط الإشراف والتقويم؟ إنّ هذه الممارسات لا تسيء إلى الطالب وحده، بل تضرب مصداقية التعليم العالي، وتفرغ الشهادة من معناها، وتُهدّد مستقبل البحث العلمي برمّته.
لقد تحوّلت الشهادة، في بعض السياقات، من ثمرة جهد علمي ومعرفي إلى سلعة تجارية، ومن رمز للكفاءة إلى ورقة تُشترى وتُباع. وهذه التجارة بالشهادات يجب أن تنتهي في كل مجتمع يحترم العلم والمعرفة. غير أنّ خطورتها في السنغال أشدّ، لأنها تُنتج كفاءات وهمية، وتُضعف الثقة في الجامعة، وتُسيء إلى صورة التعليم العالي وسمعته إقليميًا ودوليًا.
وفي خضمّ هذه الأزمة، يبرز دور وزارة التعليم العالي بوصفها الجهة الوصية، والمسؤولة الأولى عن حماية النظام الجامعي من الانزلاق نحو الفوضى العلمية. فما نراه اليوم من انتشار هذه الممارسات لا يمكن فصله عن ضعف الرقابة الأكاديمية الصارمة والمتواصلة، التي سمحت بظهور فئة من الأفراد حصلوا على شهاداتهم العليا من جامعات لا سند لها، ولا قيمة أكاديمية حقيقية، ثم ما لبثوا أن سعوا إلى رئاسة جامعات، أو فتح مؤسسات تعليم عالٍ خاصة مستقلة، لا بدافع خدمة المعرفة، بل لتحقيق مصالح شخصية وتجارية.
وهنا تتعمّق الأزمة، إذ يعيد النظام الجامعي إنتاج نفسه على أسس واهية: شهادات بلا وزن علمي، لجان علمية صورية، مؤسسات بلا رؤية معرفية، ومسؤوليات أكاديمية تُسنَد إلى ألقاب ورقية لا إلى كفاءات حقيقية. وهذا الواقع لا يضرّ بالجامعة وحدها، بل يمسّ مصداقية الدولة نفسها، ويهدّد مستقبل أجيال كاملة من الطلاب.
من هنا، فإنّ دور وزير التعليم العالي يجب أن يتجاوز منطق الترخيص الإداري إلى تبنّي سياسة أكاديمية صارمة وعادلة، لا تهدف إلى محاربة الجامعات الخاصة أو إقصائها، بل إلى إعادة وضعها الأكاديمي والإداري في إطاره الصحيح، ومحو التلاعب الأكاديمي والعلمي المتجذّر داخل النظام الجامعي السنغالي، ولا سيما في قطاع التعليم العالي العربي، الذي يعاني هشاشة مضاعفة بسبب ضعف التأطير وسوء الاستغلال.
إنّ الإصلاح الحقيقي يقتضي تفعيل لجان تقييم مستقلة، وربط المسؤوليات الأكاديمية بالكفاءة الفعلية لا بالألقاب، وسحب الاعتماد من كل مؤسسة تُثبت مخالفتها للمعايير العلمية، مع حماية الطلاب من الوقوع ضحية أوهام الاعتراف والشهادات الفارغة.
إنّ إصلاح التعليم العالي مسؤولية جماعية، غير أنّ الوزارة تظلّ حجر الزاوية في هذا المسار. فإمّا أن تُستعاد للجامعة مكانتها كمؤسسة لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان، أو يستمرّ النزيف العلمي الذي يهدّد حاضرنا ومستقبلنا. وفي مثل هذه القضايا المصيرية، لا يكون الصمت حيادًا، بل يتحوّل إلى مشاركة غير مباشرة في أزمة علمية تمسّ جوهر نظامنا التعليمي وكرامة شهاداتنا الأكاديمية.
عثمان سك سفير الأزهر
دكار، ٣١ من ديسمبر ٢٠٢٥م

Leave A Reply