مقال : الفتوة عند الشيخ الخديم وأنموذخ مَـامْ تيرنو إِبراهيم فَـاتِ فِي تَجسيد مفاهيمها

0

بقلم / أحمد بمبا غاي باحث ولوجيستيكي في AP-HP بباريس -فرنسا .

يطلق مصطلح الفتوة على جُملة القيم الأخلاقية الحميدة التي يرتضي بها العقل السليم ؛ من الشهامة والكرم والجود والنخوة والإيثار والسخاوة والشجاعة وغير ذلك من الكمالات الإنسانية التي دعا إليها الدين الحنيف.
فكلمة الفتى عند القوم لا تقتصر دلالالته اللفظية على المرحلة العمرية فقط، بل تتجاوزها لتشير إلى المقامات الرفيعة من الفطنة والحكمة ورجاحة العقل و الرأي والهمة والإلتزام، كما قال طرفة بن العبد في شعره:

إذا القومُ قالوا مَن فتًى خِلتُ أنَّني
عُنيــتُ فلم أكسل ولم أتَبَــــلَّدِ

وقال ابْنِ هَرْمَةَ :

قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الْفَتَى وَرِدَاؤُهُ
خَــلِـقٌ وَجَيْبُ قَمِيــصِهِ مَرْقُوعُ

والفتوة صفة ممدوحة في القرآن. ولقد وَصف الله أصحابَ الكهف بأنهم فتية : “إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ كما وُصف بها سيدنا إبراهيم عليه السلام :” قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ”.

ولقد أسس الصوفية من خلال هذه الصفات مفاهيم الفتوة ،واتخذت الكلمة طابعًا روحانيًّا وصوفيًّا بحتا، وألف فيها كتبا كثيرة ومن أقدمها كتاب الفتوة لأبي عبد الرحمان السلمي وكتاب الفتوة لابن المعمار.
ومن أبرز قولهم في الفتوة :
قول بعضهم رَأْسُ الْفُتُوَّةِ الْإِيمَانُ. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْفُتُوَّةُ بَذْلُ النَّدَى وَكَفُّ الْأَذَى وَتَرْكُ الشَّكْوَى. وعند الشيخ الأكبر بن عربي الذي يعد من أكثر منظري الفتوة في فتوحاته: “الفتى : هو الماشي في الأمور بأمر غيره لا بأمر نفسه ، وفي حق غيره لا في حق نفسه لكن بأمر ربه” ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : “خير الخصال في الفتى الشجاعة والسخاوة “. وقيل : “الفتى من يحافظ على طاعة الله ومرضاته ، ويواظب على صومه وصلاته ، يراقب الله في جميع حالاته ، وإذا خلا عفَّ عن شهواته.”
ويقول الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير يقول : “الفتوة : هي ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ترضى لأخيك ما ترضى لنفسك. وأضاف أيضا : “الفتوة : هي الشجاعة ، واللطافة ، والظرافة تنبت في بستان الهمة ، وفي بستان الهمة تكون الصلوات الطويلة والصوم والجوع وقيام الليل والصدقة الكثيرة ، وكل ما يثبت الهمة يصل إلى الفناء”
وحين سُئلَ شقيق البلخي عن الفتوّة قال : “إنْ أُعطينا شكرْنا وإنْ مُنعنْا صبرْنا” و هذا يرادف تماما معنى قول العبد الخديم :
يا رَبِّ إنْ أعطيتَني فشكرُ / وإن منعتَ فرضًى وصبرُ.
ولقد لخص الدكتور يوسف زيدان قولهم في معنى الفتوة في قوله : الفتوة اسم لمجموعة من الفضائل الواردة في الآيات القرآنية.

وفي تطور لاحق اُنتُشلت كلمة الفتوة من مضامينها الإيجابية في العصور المتأخرة لتنقل معانيها إلى السلوكيات السلبية من المَجون والطرب والغناء والصعلكة وغيرها من الإنحرافات الخلقية.

الفتوة عند الشيخ الخديم :

وإذا التفتنا إلى تراث الشيخ الخديم – رضوان الله تعالى عليه – فسنرى انه لم يقعد كلمة الفتوة كمصلح أو كمقام صوفي كما هو دأبه في منهجه، ولكن من خلال الرصد والاستقراء يتضح لنا أن مفاهيمها طاغية في كتاباته حتى ليرادف ويتداخل بعضها مع بعض مصطلحاته الخاصة كالإرادة والأدب والهمة والخدمة.
فمثلا من مفاهيم الفتوة عند القوم ” أن تتحقق النفس الإنسانية بأنها لا تملك شيئاً ولا تستحقه” وكذالك من مفاهيم الإرادة عند الشيخ الخديم “المريدُ من لَا يملِكُ شيئا ولا يملِكه شيءٌ ، تكونُ مريدًا ثم فيك إرادة فإن لَم تردْ شيئا فأنت مريدُ.”
: إذ المريد لا يريد أبدا / غير رضى الرحمان حيثُ قَصَدَا.
ومثال آخر أن من مفاهيم الفتوة عند ابن عربي رحمة الصغير وتوفير وإثار الآخر على نفسك : يقول في سياقه ” والفتى من وقر الكبير في العلم أو في السن ، والفتی من رحم الصغير في العلم أو السن ، والفتي من آثر المكافئ في السن أو في العلم. وكذالك نجد ونفس المبدأ عند الشيخ الخديم :
طريقة الأدب رحمة الصغير/ كالأب والأم وتوقيرالكبير
وجعل مثلك كنفسك سوآء لوجه خالق على العرش استوآء
ولذلك عدَّ محيي الدين بن عربي الفتوة في جملة الآداب في كتابه “آداب المريدبن” كما جعَل شيخنا أحمد بمبَ اللطافة والرزانةَ واللينَ من الآداب في كتابه” نهج قضاء الحاج” وذالك في قوله :

ومن سَعادةِ الفتى حيثُ قَصدْ/أن لاَ يَرُدَّهُ فُؤادُ ذِي الرَّشَدْ

وإذا استفرغنا الجهود في نصوص العبد الخديم فسنجد أنه أنسبَ صفة الفتوة لعدة شخصيات ورموز منهم:
1-الشخص الماسك بالقرآن عاملا به غير ملتفت به وذالك قوله في جذب القلوب :
وهو الذي من ثَبَتَا/فِيهِ ولم يَلْتَفِتَا/ذَاعَمَلٍ يَكُنْ فَتَى /عند الشَّكُورِ الأَكْرَمِ.

2- الشخص الذي يجاهد نفسه بتزكيتها بالتحلية والتخلية والتصفية. ومثال ذلك قوله في قصيدته الرائعة المطرزة بِ”إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا”

:إِذَا مَا زَكَتْ نَفْسُ_الفَتى زَالَ لَبْسُهَا
وَحَــيْثُ امَّحَتْ أَدْرانُها بَانَ عَكــسُها

ويأول بعض الصوفية قوله تعالى في إبراهيم : “قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ”
أن فتوته في كسر الأصنام أنموذج لفتوة الصوفي في كسر صنم النفس.

3- وصف بها سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب الذي شرواه نادر في الشجاعة والإقدام والصرامة في الحق وذالك قوله في رائيته البديعة :
وَيَوْمَ أَسْلَمَ جِبْرِيلُ الْأَمِينُ أَتَى / بِإِذْنِ مَنْ هُوَ فَوْقَ الْكُلِّ قَهَّارُ
مُعَلِّمًا أنَّ إِسْلاَمَ الْفَتَى عُمَرٍ / بُشْرَى لِأهْلِ السَّمَآ وَالْكُلُّ يَخْتَارُ
به تعزَّز دينُ الله مُرتفعا / له فضائلُ عنها كَلَّتَ أَفْكَارُ
4-وكذلك نعت به شاعر الرسول المخضرم صلى الله عليه وآله وسلم حسان بن ثابت الذي كان روح القدس يؤيده في شعره ومن الذين استلهم بهم الشيخ الخديم خدمته للنبي عليه وسلم بالنثر والنظم، وذلك قوله في قوله في قصيدته المبتدأة ب”فَجَأَنِي” :
لكَ أُوَجِّهُ هُنا إحْسَانَا/فَاق بدَائع الفَتَى حَسَّانَا.
ولما كان خديم الرسول صلى الله عليه وسلم آية في الأدب والفتوة والتخلق بمكارم الأخلاق – كما شهد له بذالك الداني والقاصي- مدحه في ذلك الشاعر الولي الصالح الموريتاني الشيخ سيدي بابَا واصفا جوده وكرمه وعبادته قائلا :
فَتًى يَظْهَرُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ ظُهُورِهِ
وَيَخْفَى مَنَارُ الْعُرْفِ عِنْدَ خَفَائِهِ

إِذَا مَا احْتَوَتْ يَوْمًا قَنَاطِيرَ كَفُّهُ
تَقَسَّمَهَا الْعَافُونَ وَقْتَ احْتِوَائِهِ

وَمَــــا عَيْــــبُهُ إِلَّا عِبَــادَةُ رَبِّـــهِ
وَنَفْعُ الْوَرَى فِي صُبْحِهِ وَمَسَائِهِ

كما مدحه في ذلك مريده الأريب الشيخ إبراهيم جوب المشعري :

فتى نوره قدعم شرقا ومغربا
وغيثُ نداه للْمَحَاويجِ قد وكف

فتى ذبّ عنا كل جهلٍ وباطلٍ
وعناأذى الدارين كلاّ درا وكف

فتى جوده أحيا وأنعش مرملا
ووسع للعافين صدرا له وكف

فتى وصْفه العالِى قدأعجز مفلقا
ولوْ فوق وصفِ الواصفينَ له وصَف

فتى لم يزل فى الله ربى مجاهدا
وخلْفَ صفوفِ المرسلين أتى وصَف

فتى فضله يَدريهِ كلُّ مُنبَّهٍ
سوى من به هُوجُ الشقاوة قدعصَف

فتى سَيْره لله لم ندر كُنْهَهُ
ولم ندر إلا الْبعضَ من بعدِ مااختطف

فتى فاضل ندب شريف منوّهٌ
ولاكنه أضحى لذى شرفٍ شرف

فتى زاهد فى كل فنّ وإنه
إلى غير رب العرش لم يصرِف الطرف

فتى قط لم يعص الإله ولم يزِغ
ولاكنه عند الذى حدَّ قد وقف

فتى بابه عن مُّرتجٍ غيرُ مرتجٍ
وماملكتْ يمناه للمجتدِي وقف

فتى مّالُهُ اليوْمىُّ لم ينتظرْ غدًا
وليس بخاشٍ موقنٌ خلفًا تلف

فتى عارفُ بالله عرفانَ كاملٍ
ولا كن جميعُ العارفين به عرف

فتى كفه بحر ولاكن مَوْجَهُ
دَرَاهِمُ والدّينارُ أعْيا من اغْترفْ

هو ابن حبيب الله أحمدُ سيدى
الذى بثياب المجد والسودد الْتَحف

من المعلوم أنَّ العبد الخديم – رضي الله عنه- لم يكن يولي اهتماماً كبيراً للنظريات المجردة في الاصطلاحات الصوفية، بل كانت همته مصروفة إلى توظيف تلكم المفاهيم بين أصحابه وفتيانه عبر مناهج التربية والترقية، والرياضة والخدمة.


وعلى الرغم مما صدرت مدرسته التجديدية من فطاحل وفحول، كالشيخ مبنج انجاي قُجَّ بَلَّ، والشيخ مختار بنت لوح، والشيخ ممر سَي نبراس انجامور وغيرهم؛ فإنَّ أخاه وعضده الأيمن الشيخ إبراهيم فَاتِ “بروم دار” (1866م – 1943م) يمثل النموذج الأعلى في صفة الفتوة، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
أولاً: الالتزام
يُعد الشيخ إبراهيم من أوائل فتيان الشيخ؛ إذ لازمه في بدايات دعوته وهو صغير، خادماً ومرافقا له في حله وترحاله. كانت هذه الملازمة فرصة سانحة لاقتفاء آثار الشيخ الخديم والتخلق بأخلاقه العظيمة. وفي هذا الصدد، يستحضر الذهن قصة يوشع بن نون الذي رافق موسى عليه السلام يخدمه حتى استحق صفة الفتوة في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا… فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا… ﴾.
ولقد شهد له خديم المصطفى ﷺ بهذا الامتياز الفريد بقوله: “إبراهيم الذي لم يفارقني لا في صغره ولا في كبره”، وفي موضع آخر: “إبراهيم الذي لم يخالفني أمراً قط”.
ثانياً: الاستخلاف
كما أن يوشع بن نون هو الذي استخلفه الله في بني إسرائيل بعد موسى وهارون، كذلك استخلف الشيخُ الخديمُ أخاه إبراهيم على الأهل والعيال ونظام التدريس والتربية أثناء غيبته. فتولى الأمر بأفضل تدبير، ورباهم أحسن تربية، ممتثلاً وصية الشيخ له:
أوصيك بالعلم وبالأعمال … مع التأدب على الكمال
ناديتك اليوم بإبراهيمُ … عَلِّمْ فتًى ينفعه التفهيمُ

ولقد أفلح الشيخ إبراهيم في هذه المهمة الصعبة رغم كيد الواشين وتضييق المستعمرين، وما أحسن شهادة ابن أخيه الشيخ محمد الأمين بار في حقه:

تالله لولاهُ لا نلقى ذوي أدبٍ /ولم نَكُن نحفظ القُرآن في صِغرِ

ثالثاً: الإيثار والفداء
إن أبرز صفات الفتوة هو الإيثار؛ وهو أن يُقدِّم المرءُ غيره على نفسه في النفع والدفع. وقد جسّد الشيخ إبراهيم هذه الخصلة بأبهى صورها حين انتشر طاعون فتاك وسط عيال الشيخ الخديم أثناء غيبته، وتوفي بسببه “محمد اليدالي” أكبر أبناء الشيخ وقتئذ.
فزع الشيخ إبراهيم خوفاً على ذرية الشيخ، وتضرع إلى الله مفتدياً إياهم بنفسه وأهله بل وبوالدته، ليرفع عنهم الوباء، فاستجاب الله له ر به فصرف عنهم الوباءَ بفضل تضحيته وإيثاره.
وتزخر المريدية بقصص جميلة في هذا الباب، كإيثار الشيخ إبراهيم فال لابنه البكر “الشيخ مصطفى فال (الذي توفي في فرنسا فداءً لابن الشيخ الخديم “الشيخ محمد المصطفى امباكي “للذهاب إلى الحرب العالمية الأولى، وإيثار الشيخ مبنج انجاي لأرضه لزميله الشيخ مختار بنت لوح.

أما أخلاق مـام چِرْنُ إبراهيم من ثبات وورع وعلم وحلم وحكمة وحزم وشجاعة وسخاء ، فيضيق المقام عن تفصيلها، ومن أراد الاستزادة فعليه بمرثية المؤرخ الشيخ موسى كَهْ الراقية. ولله در الشيخ إبراهيم جوب المشعري حيث قال في مدحه:

أَلاَ لُذْ بِالْمُكـرِّمِ إِبْرَ فَاطِ … تَكُن فِي سِلْكِ نَدْبٍ ذَا انخِراطِ
فَتًى لَمْ يَعْصِ أَمْرَ اللَّهِ يَوْماً … وَلَمْ يَسْلُكْ سِوَى قَصْدِ الصِّرَاطِ
أَمِينُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ مُرْتَضَاهُ … خَلِيفَتُهُ الْمُخَصَّصُ بِالْبِسَاطِ

Leave A Reply