وجبة رمضانية : الشيخ الخديم والأدب العربي

0

بقلم الکاتب /أحمد بمبا غاي

يتجلى مصطلح الأدب في الفكر الخلدوني بـ “الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب”، وبـ “حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف… من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث”.
وانطلاقاً من هذين المفهومين، يجدر بنا أن نطلق كلمة “الأديب” على الشيخ أحمد بمب ؛ لما خلفه لنا من تراث أدبي رفيع -بشقيه الشعري والنثري- يعد من أجمل التجارب الأدبية والفنية، ولِما كان يتمتع به من حفظ نصوص كثيرة في مختلف العلوم والفنون، وخاصة من الشعر. كما شهد له بذلك نجله الشيخ محمد البشير في مننه :

كَنزي الكِتابُ والحديثُ والأَدَبْ // لا جمعُ فِضةٍ ولا جَمْعُ ذَهَبْ

كان الشيخ الخديم يحب الشعر ويتذوقه، وكان يحتفي بالشعراء ويستمع إلى شعرهم ونثرهم ويعجب به ويطرب له. ومثال ذلك: أنه سمع أبياتاً للشيخ سيدي بابا حين قال في مدحه ضمن قصيدته البديعة:

يَرْضَى إِذَا جَرَتِ الْأُمُورُ مُسَلِّمًا // عِلْمًا بِأَنَّ إِلَهَهُ أَجْرَاهَا

فقال الشيخ الخديم معقباً ومعجبا به : “الآن لقد مدَحني”.

وكان “العبد الخديم” كثيراً ما يستشهد في خطاباته بأبيات شعرية في مناسبات مختلفة؛ إذ كان يوظف الأدب في مهمته الدعوية لأهداف تربوية وتثقيفية، ولتأديب الناس إلى المحامد وإلى مكارم الأخلاق.
فمثلاً، حينما كان يوصي ابنه البكر وخليفته الأول، الشيخ محمد المصطفى امباكي ، ويحرضه على بناء مسجده الكبير بطوبى -الذي كان من أهم مشاريعه وقتئذ- خاطبه بهذا البيت الحماسي لبشار بن برد:

إِذا أَيـقَـظَـتـكَ حُـروبُ الـعِـدا // فَـنَـبِّـه لَـهـا عُـمَـراً ثُـمَّ نَـم

وذات يوم أيضاً، جاءه أحد الفتيان مبشراً إياه بأنه قد اشترى داراً، فقال له الشيخ: “داراً اشتراها ميتٌ من ميت”، ثم خاطبه بهذه الأبيات الشعرية المنسوبة لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
لا تركنن إلى الدنيا وما فيها .. فالـمـوت لا شـك يفنيـنـا ويفنيـها
واعمل لـدار غداً رضوان خازنها والـجـار أحـمد والـرحـمن ناشيـها
قصورها ذهب والمسك طينتـها والزعفران حشيش نابت فيـها

هذا فضلاً عما يزخر به كتاباته الأدبية من التضمينات والمعارضات والتشطيرات .
بل، ولقد أصبحت شخصية العبد الخديم -رضي الله عنه- من أكثر مصادر الإلهام للشعراء والأدباء والناظمين، وديوان الشيخ إبراهيم جوب “المشعري” وقصائد الشناقطة والسناغلة خير دليل على ذلك.

ولعل أبلغ شهادة على علو كعبه في مجالي الأدب واللغة وجمال كرمه في الجوده و العطاء، ما جادت به قريحة الشاعر الشنقيطي محمد فاضل بن محمد في قصيدة البليغة:

النَّـحـوُ والـعـروضُ عـلـمَ الـعَـرَبِ والـجـودُ والـسَّـخـاء عـنـد الـكَـرَبِ
شـيـمـتُـهـم فـجـاءهـم ذُو الـرتـبِ // أحـمـد بـمـبَ مَـن عَـلا بـالـرُتـبِ
نـجـلُ حـبـيـب الله ذو الـتـأدُّبِ // فَـسَـلَـبَ الـجـمـيـعَ أيَّ سَـلْـبِ
مـنـهُـم فـصـارُوا مـعـه كـالـخـشـبِ // إلا عـشـيـرة الـنَّـبـي الأقـرَبِ
أحـمـدُ بَـمـبَ يـا أخـا الـتـقـرُّبِ // أفيحلُّ لـك ظُـلـمُ الـعَـرَبِ؟
بـأخـذ نـحـوِهِـم وأخـذ الأدبِ // وأخـذ جـودهِـم بـغَـيـرِ وَدَبِ
يـا عَـجَـبًـا مـن صـالـحٍ مـهـذَّبِ // يـظـلـمُ أهـلَ الـدِّيـن أهـلَ الـنَّـسَـبِ
ومـع ظُـلـمِـهِ لـبـعـض الـعَـرَبِ // نـالَ مـن الـنَّـبـي كـلَّ أَرَبِ
صَـلَّـى عَـلَـيـهِ اللهُ مُـبـدي الـعَـجَـبِ // مـن عَـجَـمـيٍ عـربـي الـحَـسَـبِ

من خديميات المهجر 3
باريس 20/02/2026

Leave A Reply