يوم من رمضان في طوبى

0

كتب / الدكتور شعيب كبه

رمضان في طوبى ليس مجرد زمنٍ تعبّدي عابر، بل هو حالة روحية شاملة، تتداخل فيها الأصوات والأنوار والوجوه، لتصنع مشهداً قرآنياً متجدداً، يختلط فيه السلوك الفردي بالجماعي، وتتحول المدينة كلها إلى محراب كبير. هنا، حيث أسّس الشيخ أحمد بمبا مشروعه الإصلاحي القائم على القرآن والعمل، يصبح رمضان تجسيداً حيّاً لفلسفة “العبادة العمرانية” التي لا تنفصل فيها الروح عن المجتمع.

قبيل الفجر: إيقاع الجرس وتراتيل السحر


قبل انبلاج الفجر بقليل، يسود سكون مهيب، ثم يتخلله إيقاع الجرس في المساجد إيذاناً بنداء السحور؛ صوتٌ معدنيٌّ متواتر، لكنه في الوجدان طَرْقٌ على أبواب الغفلة، يوقظ القلوب قبل الأجساد. تتردد الأصداء بين الأزقة، فتتحرك البيوت في هدوء، وتشتعل الأنوار الخافتة.
في تلك اللحظات، يرتفع الترتيل القرآني من المآذن والزوايا: آياتٌ تُتلى بخشوع، وبين الآيات، تُسمع المدائح النبوية وقصائد الشيخ الخديم، تُنشد بصوت المنشد إبراهيم كي قبيل السحور، في تدرجٍ لحنيٍّ يبدأ هادئاً ثم يتصاعد شوقاً ومحبةً لرسول الله ﷺ.
السحر في طوبى ليس وقت طعام فحسب، بل وقت حضور؛ حضور القرآن، وحضور الذكر، وحضور السلسلة الروحية التي تربط المريد بشيخه، والشيخ بالنبي ﷺ.

حركة العمل والخدمة قوية في رمضان إلى بعيد الظهر


في طوبى لا يُفهم الصيام باعتباره انقطاعاً عن الحركة، بل انتقالاً في نية الحركة. لذلك تبدو حركة العمل والخدمة قوية في رمضان إلى ما بعد الظهر، وكأن المدينة تريد أن تثبت أن الصوم لا يُضعف العمران، بل يزكيه.
منذ ساعات الصباح الأولى، تنتظم الأسواق، وتفتح الدكاكين أبوابها، ويتوجه العمال إلى مهامهم، وكلٌّ يستحضر معنى العبادة في تفاصيل يومه. الحرفيون، والسائقون، والباعة، وطلبة المعاهد القرآنية، والعاملون في مختلف قطاعات المدينة، يمارسون أعمالهم بجدٍّ ظاهر، لكن بروحٍ أهدأ وإيقاعٍ أوقر. فالصائم هنا يعمل وهو يستحضر وصية الشيخ أحمد بمبا التي جعلت من العمل قيمة روحية لا تنفصل عن الذكر.
وتبرز الخدمة الجماعية بوضوح في تجهيز موائد الإفطار داخل بيوت شيوخ وزوايا مقدمي باي فال؛ إذ ينشط المتطوعون في إعداد والتحضير ليوم حافل بالطبخ والطهي، وتنظيم الأواني، وترتيب الأماكن، منذ ساعات الضحى.
وبعد صلاة الظهر، ومع اشتداد حرارة الشمس، تعرف المدينة هدوءاً نسبياً يمتد من بعد الظهر إلى صلاة العصر؛ كأنها استراحة صائم، تتخفف فيها الحركة الخارجية ليتكثف البعد الداخلي.
لكن ما إن يقترب العصر حتى تعود الحياة بنبضٍ جديد.
مواكب الإفطار: روح البذل في شوارع المدينة

تجوب الشوارع مواكب رجال باي فال، أتباع الشيخ الشيخ إبراهيم فال، يحملون “الجوابي” المملوءة بالطعام، في نظامٍ عجيب يجمع بين البساطة والانضباط. ثيابهم الزاهية المرقعة، ووجوههم المتبسمة، وخطواتهم السريعة، تصنع مشهداً مهيباً من مشاهد التكافل.
ليست المسألة توزيع طعام فحسب، بل إعلان عمليٌّ عن فلسفة “العمل عبادة”، حيث يتحول الجهد البدني إلى ذكر، والخدمة إلى سلوكٍ صوفيٍّ خالص.

بين العصر والمغرب: جلسات السماع والذكر
في قاعات دار الخلافة العامة أمام المسجد الكبير بطوبى، وأمام سماحة الخليفة العام للمريدين الشيخ محمد المنتقى مباكي، تنعقد جلسات السماع والذكر من بعد العصر إلى ما قبل الإفطار.
الجلوس يكون في حلقٍ منتظمة، بوقارٍ ظاهر؛ تُتلى قصائد الشيخ الخديم، خاصة من “دواوين الامداح النبوية” وسواها، بصوت جماعيٍّ يتداوله فرق حزب الترقية المختلفة الجائية خصيصا لهذا الحدث من مختلف مدن البلاد، وتبدأ الأصوات الجماعية في الإنشاد في إيقاع صوتي متصاعد يتحول إلى موج صوتي متوازن يجمع بين الإيقاع والهيبة بشكل يهز القلوب، ويختم بدعاء الشيخ الذي يؤمّن عليه الجمع بصوت واحد.
وفي مدن مريدية أخرى، كـ جربل وتياس، تُقام جلسات “الفلك” وحلقات الذكر، في تجلٍّ لشبكية روحية تجعل رمضان في السنغال موسماً وطنياً للقرآن والقصيدة.

الكراسي العلمية والدروس الرمضانية


رمضان في طوبى موسم علمٍ بامتياز. في أروقة المسجد الكبير، تُعقد الكراسي العلمية: دروس في مختلف المعارف الإسلامية: الفقه المالكي، والتفسير، والسيرة، والعقيدة الأشعرية، يُلقيها العلماء والمشايخ في حلقات منتظمة.
كما تُقام دروس رمضانية يومية في مساجد عديدة في مختلف أرجاء المدينة، منها مسجد الشيخ شعيب، وهناك مساجد أخرى تخصص أيام الجمعة لدروس مكثفة؛ فتمتلئ الساحات بالناس، يجلسون في خشوع، والشيخ المحاضر على المنصة، يشرح المتون، ويربط النص بالواقع.

موائد الإفطار: الكرم المؤسسي

في المسجد الكبير بطوبى يُوزَّع الإفطار يومياً على أكثر من خمسة آلاف صائم؛ صفوف منتظمة، أطباق موحدة، وإفطار جماعي بعيد الأذان. مشهد يختصر معنى “المدينة المضيافة”.
وكذلك الحال في مسجد مسالك الجنان بدكار، الذي يفتح أبوابه لكل الأجناس للافطار والعبادة، ويجد فيه طلبة جامعة شيخ أنتا جوب ملاذاً يخفف عنهم عبء المعيشة في هذه الأيام المباركة.

ليالي رمضان: مدينة القرآن
إذا أقبل الليل، تحولت طوبى إلى بحرٍ من التلاوة. التراويح تُقام في كل بيتٍ تقريباً، وفي كل مسجد وزاوية. حتى ليخيل للمرء أن المدينة كلها محراب، وأن الهواء نفسه مشبع بالآيات.
في المسجد الكبير، يؤم الناس القارئ المجوّد الشيخ فاضل مباكي بصوته الرخيم في التراويح، فتتماوج الأصوات خلفه في خشوع. وفي مسجد مسالك الجنان، يصدح “بلبل القرآن” الشيخ أبو البركة بآيات الذكر الحكيم، متنقلاً بين المقامات، فيهز القلوب بنبراته المؤثرة.
وفي مدن مريدية اخرى كـ “دار السلام” و“دار المعطي”، ومئات المساجد والزوايا الصغيرة، يقف مئات الأئمة من الحفّاظ، في مشهد يؤكد أن طوبى – بحق – مدينة القرآن.

بعد التراويح: صلة الرحم وروح الجماعة
لا تنتهي الليلة بصلاة التراويح. تمتد السهرات في زيارات عائلية، ودعوات إفطار متبادلة بين الأصدقاء، وتبادل للأطباق والأحاديث والدعوات. يجلس الكبار يتذاكرون ويصلون الأرحام، وتستمر الحياة في دفءٍ اجتماعيٍّ خاص.

خاتمة
يوم من رمضان في طوبى ليس مجرد تتابع ساعات بين فجرٍ ومغرب، بل هو دورة روحية كاملة:
من جرس السحور إلى تراتيل الليل،
من سكينة الظهيرة إلى مواكب الإفطار،
من مجالس الذكر إلى الكراسي العلمية.
إنه تجلٍّ عمليٌّ لفكرة الشيخ الخديم أحمد بمبا أن القرآن يمكن أن يتحول إلى عمران، وأن الذكر يمكن أن يصير نظام حياة، وأن المدينة – إذا تأسست على نية صادقة – يمكن أن تصبح عبادة ممتدة في الزمن.
الشيخ احمد بامبا الذي كان يرحب بالشهر الفضيل بمثل هذه القصائد
يا خير ضيف أتى بالبشر والمـَدَدِ * أهلا وسهلا وترحيبا بلا عـَــدَدِ #
لازلتَ ضيفا كريما زائــــرا أبــــــدا * مكرَّما بقِرى الطاعات والسَّــدَدِ#
يا شهر رب كريم فيك جاد لــــنا * بليلة القـدر ذات الفضل والرغـَدِ

Leave A Reply