الشيخ أحمد مباكي: باني المساجد والمدارس وفارس الكسب الحلال

0

رحيل علمٍ من أعلام السنغال وأحد أبرز علماء الطريقة المريدية
بقلم ابن خته
د. الشيخ شعيب كيبي


طاف بمسامعنا ليلة أمس نبأٌ أثقل القلوب وأدمع العيون، ألا وهو رحيل عالم جليل، وشيخ فاضل، أفنى عمره في العبادة والخدمة والتربية والكسب الحلال، وكرس حياته لبناء دور العبادة وتعليم النشء كتاب الله تعالى، إنه فضيلة الشيخ أحمد مباكي بن الشيخ صالح مباكي، الخليفة الخامس للطريقة المريدية في السنغال. بهذه السطور المتواضعة، نقدم نبذة عن سيرته العطرة، ومسيرته العلمية والروحية، وجهوده المتميزة في خدمة الطريقة المريدية، وبناء المحاظر ودور العبادة، وتربية الأجيال على منوال والده الشيخ صالح مباكي، مربي الأجيال.
النشأة والبيئة العلمية
وُلد الشيخ أحمد مباكي، المعروف بـ”سرج شيخ مباكي”، في الخامس عشر من شهر شعبان عام 1939 ميلادي، بقرية قبان في إقليم تياس. وقد وُلد في كنف بيئة صوفية متشبعة بروح الدين ونسائم التربية المحمدية، فنشأ في حضن والده الشيخ صالح مباكي، ذلك العالم العلامة والمربي الكبير الذي كرّس حياته لنشر القرآن الكريم وتربية النشء المسلم.
وقد أنشأ الوالد شبكة واسعة من المدارس القرآنية المنتشرة في أنحاء البلاد، وكان ذلك سبب انتقاله إلى منطقة قبان بحثًا عن أماكن ملائمة لبناء المدارس وتربية الأطفال، حتى ولد فيها ابنه البكر الشيخ أحمد مباكي. ومنذ نعومة أظافره، تشرب الشيخ الصغير أجواء الورع والتقوى، وكان محاطًا بمظاهر الزهد والعلم، فانبثقت في قلبه بذور العرفان، واستعدت روحه للسلوك في مدارج الكمال، فتعلّم كتاب الله وتغرس فيه أخلاق الإسلام وآداب الطريقة.

الدراسة القرآنية
أرسله والده الشيخ صالح مباكي إلى مدرسة صديقه المقرب الشيخ مور مبي سيسي، أحد أعلام تحفيظ القرآن الكريم في منطقة جربل. وهناك انكب على حفظ كتاب الله بشغف وهمة عالية. لم تكن تلك المدرسة مجرد محل للتلقين، بل كانت محرابًا تتنزل فيه أنوار القرآن، وتُبنى فيه الأرواح على الخشية والطاعة والأدب، كما هي عادة المدارس التقليدية في السنغال ذات النفس الصوفي العريق.
وفي تلك المحضرة المباركة، حفظ الشيخ أحمد مباكي القرآن الكريم كاملاً على يدي الشيخ في سن مبكرة، وسط جو من الصبر والانضباط، حيث كانت الليالي تمر على صوت الترديد، والنهارات تمضي في مراجعة الحزب والحزبين. وقد ظهرت عليه مبكرًا علامات النبوغ وحب العلم، وبرز بين أقرانه بحدة ذاكرته وصدق توجهه.
دراسة العلوم الشرعية في مدارس جربل
بعد أن ختم القرآن الكريم وأتقن قراءته ورسومه، استقر الشيخ أحمد مباكي في مدينة جربل، تلك المدينة التي تعد إحدى منارات العلم والتربية في الطريقة المريدية، لينهل من علوم الشريعة وأسرار الحقيقة، في ربوعها العامرة بمحاضر العلماء ومجالس الفقهاء.
فكان أول من جلس إليه هناك الشيخ محمد دَمّ، أحد كبار العلماء المتفننين في علوم الشريعة، فدرس عليه مبادئ الفقه المالكي، وأصول الفقه، واللغة العربية، والمنطق، وذلك في ظروف تتسم بالزهد والجد، حيث كانت الدروس في جربل تقوم على الانضباط والسلوك، ومزج العلم بالتربية.
تميزت تلك المرحلة بقصص جميلة عن شغفه بالعلم، حيث كان يتنقل بين حلقات الشيوخ لا يطلب راحة، ولا يفتر عن السؤال. ثم انتقل بعد ذلك إلى حلقة الشيخ حبيب الله مباكي في طوبى، فنهل من بحور معارفه في مختلف المعارف الإسلامية، ووجد عنده روحًا تربوية عالية، حيث كان الشيخ حبيب الله يجمع بين التوجيه الروحي والتعليم العلمي، وهو ما ترك في نفس الشيخ أحمد أثرًا بالغًا.
في رحاب الشيخ حمزة جخاتي
وقد أرسله والده الشيخ صالح مباكي بعد ذلك إلى خاله الشيخ حمزة جخاتي طلبًا للتربية الروحية، والاستمداد الباطني، ونيل البركات الخفية، وقال له عند الوداع: “أريدك أن تكون في خدمته، كما كنت أرجو أن أكون معه لو امكنني القدر“، وهي عبارة تختزل مدى محبته للشيخ حمزة واعترافه بفضله.
كان الشيخ حمزة جخاتي من كبار أولياء الطريقة المريدية، وقد تربى على يد الشيخ الخديم رضي الله عنه، ولازمه ملازمة كاملة، فخدمه بكل تفانٍ، حتى نال منه الرضا والتولية. بل عهد إليه الشيخ الخديم بمهمة تربية أبنائه الصغار، وكان الشيخ صالح مباكي أحد أولئك الذين تلقوا تربية مباشرة على يديه.
استقبل الشيخ حمزة الفتى أحمد مباكي بترحاب خاص، واعتنى به عناية روحية عظيمة، فرآه بعين الكشف لا بعين العادة، وتوسّم فيه خيرًا. عاش الشيخ أحمد مباكي في رحاب الشيخ حمزة سنوات من التكوين الروحي الصافي، وتلقى منه أسرار الخدمة، وآداب الصحبة، وفهم معاني السير إلى الله، وتعلم كيف يُربى القلب، وكيف تُبنى النفس بالتدرج لا بالعجلة. فكان لتلك الفترة بالغ الأثر في تكوين شخصيته العرفانية لاحقًا. وقد زوجه الشيخ حمزة ابنته السيدة مام عائشة جخاتي، وهي والدة ابنه البكر وخليفته الشيخ الخديم مباكي.
وهكذا، كانت صحبته للشيخ حمزة مدرسة في العرفان، ومنجمًا للأنوار، وبداية الانطلاق نحو مقامات الإحسان.

نشاطه العلمي والتعليمي
بعد أن استكمل الشيخ أحمد مباكي تحصيله العلمي على أيدي كبار العلماء، شرع في أداء رسالته التعليمية والدعوية، حيث أسس محضرة علمية احتضنت طلبة العلم من شتى أنحاء البلاد. ولم يقتصر نشاطه على التعليم في حلقات محدودة، بل عُرف باهتمامه بتربية النشء وتكوين الأجيال، فكان يشرف بنفسه على تعليم الأطفال القرآن، ويحثهم على حفظه والتأدب بآدابه. وقد خرج من تحت يديه طلاب كثيرون صاروا بعد ذلك دعاة ومعلمين، يواصلون المسيرة العلمية والتربوية التي أسسها.
قراءاته ومطالعاته
كان الشيخ أحمد مباكي قارئًا نهمًا، لا يكاد يمر عليه يوم دون أن يطالع كتابًا أو يقلب صفحات علم أو تصوف أو أدب. وقد تنوعت قراءاته بين كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب الفقه المالكي، وأمهات كتب التصوف السني. كما كان له ولع خاص بتراث الشيخ الخديم، فطالعه بعمق وتأمل، وتدبر معانيه العرفانية والروحية، حتى صار من أعلم الناس بالتراث الخديمي.

شعره وإنتاجه العلمي
لم يكن الشيخ أحمد مباكي ممن يكتفون بالتدريس الشفوي فقط، بل سطر قلمه إنتاجًا علميًا متميزًا، يجمع بين العمق في المعنى، والسلاسة في العبارة، والروحانية في التوجه. فكتب قصائد وأشعارًا رائعة وبليغة. كان الشيخ شاعرًا ملهمًا، ينساب شعره من قلب عامر بالمعرفة، وروح مشتعلة بالمحبة الإلهية. نظم في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تمجيد الشيخ الخديم، كما نظم في بعض المناسبات الاجتماعية والدينية التي شهدها. وقد امتاز شعره بجمال السبك، وصدق المعنى، وعمق الإشارة العرفانية.

نشاطه الزراعي: الكسب الحلال ودعم المشاريع الخيرية
كان الشيخ أحمد مباكي من أكابر المنتجين الزراعيين في السنغال. حيث كان يمتلك مزارع بمئات الهكتارات في خلكوم ولكن وقبان وغيرها من المناطق. وكان ينتج آلاف الأطنان من المحاصيل الزراعية التي كان ينفقها في سبيل الله، وبناء دور العبادة، والإنفاق على الأطفال في الكتاتيب والمدارس القرآنية.
وفي كل شهر كان ينفق عليهم الملايين. وقد زرته يوما، فصادف أن كان في بداية الشهر وقت توزيع القوت الشهري على الدارات، فأعطاني الشيخ ورقة التوزيع، وقد اكتشفت بمزيد من الدهشة والإعجاب أن كميات الإنفاق لكل مادة من مواد التموين بلغت ملايين من الفرنكات الافريقية. إن هذا النشاط الزراعي المبارك جعل من الشيخ نموذجًا رائدًا في الجمع بين العبادة والعمل، والتصوف والإنتاج، والزهد والكسب الحلال. كما أوصانا بذلك جده الشيخ الخديم رضي الله عنه حيث قال:
وطلب الحلال فرض ينتمي = لكل مسلم بغير وهم
لا ينفع العلم ولا العبادة = بالأكل للحرام عند السادة

أنشطته الدعوية وعمارة بيوت الله
بنى الشيخ أحمد مباكي العديد من المدارس والمساجد في مختلف مدن السنغال، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • المسجد الكبير بمدينة مبور
  • المسجد الجامع بكورنيش سريج شيخ بطوبى
  • المسجد الجامع بمدينة قبان
    المسجد الجامع بمباكي بول
    المسجد الكبير في حي طوبى الماديس دكار
  • المسجد الجامع في حي بارسيل
  • ومساجد كثيرة في مدن وقرى عديدة
    وإلى جانب اهتمامه بعمارة بيوت الله والمساجد، كانت له عناية خاصة بالمدارس القرآنية (المحاظر). كان يتكفل بنفقات مئات التلاميذ في مختلف مدارسه، وكان يتخرج فيها مئات الحفظة لكتاب الله تعالى. وقد زرته في أحد الأيام في خلكوم، فوجدته يتفقد برنامج الأطفال الذين كانوا يتناوبون على إمامة التراويح في شهر رمضان السابق، فكان العدد كبيرًا من الحفظة من الأطفال الصغار الذين تدربوا على ذلك في ذلك الشهر.

أخلاقه وسماته
كان الشيخ أحمد مباكي مثالاً للهدوء والتحفظ ودماثة الأخلاق والدؤوب على العمل. هادئ، متحفظ، دمث الأخلاق، دؤوب على العمل. تجسدت فيه قيم المودة والبر، وكان رجلاً واعيًا صابرًا على كل لأواء، متمتعًا بمرونة في الطبع وصلابة في الشخصية لا يختل توازنها إلا لتتحرك في سبيل تحقيق النفع والصلاح للآخرين.
بوقار العارفين وصمت الذاكرين، واصل الشيخ السعي غريزيًا في دروب الخير الأخلاقية والدينية والاجتماعية، دون أن يرجو من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا. وبفضل عقيدته الراسخة ويقينه الصلب، لم يستطع أي عارض أن يثنيه أو يكسر همته.
ورغم ما من الله عيه من أبواب الرزق والبركات، فقد اختار الشيخ سلك الزهد المطلق والانقطاع التام عن كل متع الدنيا ورفاهيتها وبهرجها. فقد كان يفضل أن يجلس دوما على التراب، وكنت أزوره أحيانا فأجده في الخلوة الداخلية ممتدا على سرير خشن جدا لا يقوي أحد منا أن يمتد عليه أكثر من ساعة، واتذكر اننا وجدناه في آخر زيارتنا له في خلكوم قبل شهر ممتدا على ذلك السرير الخشبي الخشن الذي لم يضع عليه شيئا من أسباب الراحة .

استمرار الإرث وامتداد البركة
لقد مثل الشيخ بالنسبة للمريدين والأتباع أبًا رحيمًا، زاهدًا، ومتفانيًا في خدمة الدعوة الخديمية ورعاية شؤون المريدين. وبفضل هذا السير والسيرة المتميزة، استطاع أن يحمل الشعلة عالية، تلك الشعلة التي رفعها والده الراحل بكفاءة واقتدار. فقد تسلم الإرث وحافظ على الأمانة بنجاح باهر.
قبل عام 2007، عام رحيل والده، كان الشيخ قد أنجز أعمالاً ضخمة، من بينها المساحات الزراعية الشاسعة لبلدة “دار السلام مريد” في منطقة تامباكوندا، والتي تعد خير شاهد ودليل، هذا ناهيك عن مزارعه الاخرى “دار القدوس”، و”طوبى خلكوم”، و”دار السلام في خلكوم”، و”لاغان”، و”خابان” التي ورث الإشراف عليها عن والده الراحل، حيث لا تزال المحاصيل تسجل أرقامًا قياسية في الإنتاج. وبعد تولي خلافة والده ازداد اهتمام الخليفة الجديد بتثمين العمل الزراعي، فانبرى الشيخ لتوسيع وتجديد الدارات القرآنية، وضاعف أعدادها بشكل ملحوظ في جميع أنحاء البلاد. وكان الشيخ ينفق سخيًا من ماله الخاص ليوفر للمريدين وشيوخ الدارات أفضل الظروف المعيشية والتعليمية.
خاتمة: رحيل جسد وبقاء الأثر
في العقد الثامن من عمره، رحل عن دنيانا الشيخ أحمد مباكي، تاركًا خلفه إرثًا عظيمًا من المساجد والمدارس والمحاضر القرآنية، وأجيالاً من الحفظة والعلماء والدعاة. لقد كان بحق قطبًا من أقطاب العمل والإنتاج، مزارعًا حديثًا امتلك مساحات شاسعة، لكن كل ما كان يقدم إليه أو يجلب إلى ساحته كان يوجه مباشرة إلى وجه الله تعالى، ويظهر ذلك عيانًا في بناء المساجد العتيقة الشاهقة وتأسيس الدارات الوفيرة.

وكالجندي المجاهد الذي لا يضع سلاحه إلا في ساحة المعركة، أبى الشيخ أن يختم حياته إلا في ميدان الخدمة. ورغم وهن الجسد واعتلال الصحة، شدّ رحاله إلى “خلكوم” إحدى ضيعات الدارات، ليقضي آخر ثمانية أشهر من عمره مقبلاً غير مدبر، عاملاً لا مستريحاً.

وهكذا سار على درب جده الشيخ مدمب مباكي “قبان”، الذي آثر حين دنت ساعته أن ينتقل إلى الدارات، ليُقبض روحه وهو بين محراثه وكتابه، شاهداً على أن خاتمة الصادقين تكون في ميدان العطاء لا في قصور الراحة.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله ومريديه وتلاميذه الصبر والسلوان، وأن يجعل ما أسس من مدارس ومساجد في ميزان حسناته، وأن يخلفه في أهله خير خليفة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم ابن اخته
الدكتور الشيخ شعيب كبي
متخصص في الشؤون الإسلامية والتراث الصوفي السنغالي

Leave A Reply