
كتب / محمد غالاي انجاي
مدير معهد المحراب – بروكسل
منذ نعومة أظفاري، تستوقفني سمتان أساسيتان في شخصية الشيخ محمد الفاضل امباكي، وقد تركتا في نفسي أثرًا بالغًا. وعلى الرغم ممّا تزخر به سيرته الثرية من خصال ومآثر أخرى لا تقل أهمية، فإن هاتين السمتين تبدوان لي على درجة خاصة من الأهمية والدلالة، لما لهما في الحقيقة من أثر عميق يدل دلالة قاطعة على تأثيره وثراء تعليمه على صعيد المجتمع السنغالي.
السمة الأولى تتمثل في الطريقة التي علّمنا بها، من خلال تجربته الحياتية الخاصة وتعاملاته مع المُريدين وغير المُريدين على السواء، معنى كون المرء مُريدًا صادقًا. ومن أشهر أقواله في هذا السياق عبارته البليغة: “أنا السنغال”، وهي عبارة تنطوي على دلالة عميقة، إذ تُظهر أنه، على الرغم من كونه مُريدًا راسخ الانتماء إلى الطريقة الصوفية المُريدية، استطاع أن يتجاوز سياج الانقسامات الحزبية والطائفية، ليجسّد صورة الإنسان الكوني، أي رجل الأمة. إن الشيخ محمد الفاضل لم يَتَبَنَّ قط موقفا إقصائيا يقوم على مبدأ «هذا منّا وذاك ليس منّا»، بل كان يحتكم إلى منطق أشمل وأكثر احتواءً، قوامه فكرة «نحن إخوة في هذا الوطن»، وَطَنٌ تشكّلت فيه روابط الدم والإقامة المشتركة طوال قرون مديدة. وبفضل هذه الرؤية الشمولية، تمكّن الشيخ محمد الفاضل من نسج علاقات أُخُوَّةٍ وتضامنٍ مُتبادل مع شخصيات وطنية بارزة، من بينها ليوبولد سيدار سنغور، الرئيس الأسبق لجمهورية السنغال، هذا مع العلم أن هذا الأخير كان مسيحيّ الديانة. وكان الشيخ يقول في حقّه مؤيدا وناصرا له بوصفه مرشحا في السباق الرئاسي في ذلك العام: «سِنْغُورْ سِنْغْ سَكَاوْ»، أي «سنغور فوق الجميع»، وذلك رغم وجود مُرشّح منافس آخر ينتمي إلى ديانة الإسلام إضافة إلى ما عُرف عنه من تمسكه بدينه وسموّ أخلاقه.
هذا الموقف السامي يُبرز بدقّةٍ بالغة مفهوم المُريد، لا بوصفه انتماءً ضيقًا أو ولاءً حصريًا لجماعة محدودة، بل باعتباره إخلاصًا وسلامة صدر يُفضيان إلى الانفتاح على الآخر، والشعور العميق بالمسؤولية الجماعية. إن تصريح الشيخ محمد الفاضل بعبارة «أنا السنغال»، كان قد أراد به تأكيد هوية جامعة لا يخول فيها للانتماء الطُّرقي الجزئي أن يحلّ محلّ المطلب الأسمى المتمثّل في التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية. وتأسيسا عليه، فإن هذه المقولة تُعبّر عن تصوّر ناضج وعميق لمفهوم القيادة الدينية بوصفها خِدمةً تُؤدى، أي باعتبار هذا الشيخ خادمًا مخلصًا للمجتمع الإنساني في تعدّديته واتساعه، لا صاحب سلطة رمزية مغلقة ومتحجرة. ومن صعيد آخر نرتئي أن موقف “الخادمية” هذه تكشف عن فهم رفيع لمفهوم التصوّف كما علمنا إياه مؤسّس المُريدية، الشيخ أحمد بمبا، الذي كان يرى أنّ استقامة المُريد تُقاس بقدرته على تجسيد السلم الاجتماعي، والعدالة الأخلاقية، والأخوّة الطينية، والمدنية. هذا، وقد كان الشيخ أحمد بمبا نفسه يُحسن بدقّة التمييز بين مستويات الخطاب؛ فحين يتوجّه إلى المجتمع بأسره يستعمل لفظ “القوم”، بينما يستعمل مصطلح “المُريد” حين يخص الأمر بسياق التربية الروحية الصرف. ويتجلّى هذا التمييز بوضوح في دعائه:
“اجعل رجوعي إلى قومي سعادتناً ولتكفنا يوم جمع الخلق نيرانا”
وهذا البيت عبارة عن دعاء يعكس وعيًا حادًّا بتعدّد أنماط الانتماء وتكاملها في ذهنه. وبناء عليه، يظهر الشيخ محمد الفاضل لا بوصفه وريثًا أمينًا لتعاليم الشيخ أحمد بمبا فحسب، بل كذلك أنموذجًا للمُرشد الروحي الذي تتجاوز تأثيراته حدود حواجز التربوية والطُّرقية، لتترسّخ بعمق في التاريخ الفكري والأخلاقي والسياسي للسنغال الراهنة.
أمّا السمة الثانية البارزة في حياة الشيخ محمد الفاضل، فتتجلّى في قدرته الفائقة على تجسيد مبادئ المُريدية وترجمة فلسفتها الروحية، لا من خلال سلوكه العملي فحسب، بل كذلك عبر إنتاجاته الشعرية. فلم يقتصر دوره على تعليم كيفية التحقّق بصفة المُريد الصادق، بل عمد أيضًا إلى تسجيل هذا التعليم في قصيدة بالغة السموّ والجمال، تشهد أبياتها، بيتًا تلو الآخر، على صدقه العميق وشدّة تعلّقه بمرشده الروحي الشيخ أحمد بمبا، الذي في الوقت ذاته والده الذي كان سببا في وجوده.
يا أيها الشيخ النفيس المرتجي
يـا فاتحـا ما قبـل كان مرتجي
بعــــت بـنـوتـــي بـــــالإرادة
لكـم لكـي أحظـى بخرق عاده
مـن بعـد مـا اشتريتموها مني
أهديتهــا لكــــم بغيــــر مـــن
فلتقبلـوهــا يـا مـــلاذ كـرمــا
لازلتـــم بيــن البـرايـا علمــا
بجـــاه مخدومكـــم المفضــل
خيـر الأواخــر معــا والأول
صلــي عليــه ربنــا وسلمـــا
وآلــــه وصحبــــه وكـرمـــا
نُظِمَتْ هذه الأبياتُ عقبَ اجتماعٍ جمع بينه والشيخ الوالد، نعني الشيخ أحمد بمبا وأخيه الشيخ محمد المصطفى، وعمّه الشيخ مَصَمْبَ، وابن خاله الشيخ مور رقية بُوسُو. فخاطبهم بقوله:
“إنّي لستُ أبًا ولا أخًا ولا خالًا لأيٍّ منكم، وإنّما أنا عبدٌ خالصٌ لله وحده، لا شريكَ لأحدٍ في عبادتي ولا في إخلاصي التامّ له. فمن اختار منكم أن يسلك الطريق الذي رسمه الله له، فهو ابني حقًّا، وأخي صدقًا، وقريبي ومُريدي”.
وبشيء من التأمل ندرك أن هذه الأبيات المتقدمة تفيض بروح التوقير والإجلال الرُّوحيَيْنِ، وتعبّر بجلاء عن كيفية خضوع الشيخ محمد الفاضل للسلطة الروحية، وعن قدسية العلاقة التي تربط المُريد بشيخه ووسيلته، رابطةٍ قائمة على الامتثال، والمحبة، والتعلق الروحي، بوصفها أساسًا للتربية الروحية والسير في درب الكمال الإنساني.
تدعونا هذه الأبيات إلى تأمّل عميق في طبيعة العلاقة التي تربط الشيخ بمُريده، وهي علاقة ذات أفق روحي لا متناهٍ. فقد كان الشيخ محمد الفاضل على وعيٍ واقتناع تامّين بأن روابط الدم، مهما بلغت أهميتها، تظلّ خاضعة لما هو أسمى وأعمق منها، ألا هو الرابط المقدّس الذي بين الشيخ والمُريد، رابط يَسمُو به المُريد روحيا ويتصل من خلاله بربه تعالى.
وقمين بالإشارة هنا أن الشيخ أحمد بمبا كان يؤكّد، في تعاليمه وبإلحاح بالغ، أنّ النفحات الرحمانية والبركات الإلهية لا تُنال إلا من خلال التزام صادق وتربية روحية أصيلة. وكما كان يخاطب دوما بذلك تلامذته وأبناءه على السواء قائلاً إياهم كما روي عن ثقات: “لا ينال أحدٌ منكم البركات، ولا التأثيرات الإلهية، ولا النفحات الربانية التي منّ الله بها عليّ، إلا بالتربية الروحية الصادقة وبالارتباط الحقيقي بوصفه مريدًا”.
ثم أضاف: “الْوَلَدُ وَلَدَانِ: وَلَدُ الْقَلْبِ، وَوَلَدُ الصُّلْبِ؛ وَلَدُ الْقَلْبِ: يَرِثُ الْحَالَ، وَوَلَدُ الصُّلْبِ: يَرِثُ الْمَالَ”.
وقوله: “الْمُوصِلُ إِلَى اللَّهِ فَبَابٌ، وَالْمُوصِلُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ فَحِجَابٌ. الدُّنْيَا مُدْبِرَةٌ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبُهَا، وَالْآخِرَةُ مُقْبِلَةٌ لَا يَفُوتُهَا هَارِبُهَا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
ويُروى عنه كذلك، في حكمة بالغة العمق، قوله:
“اتباع حق الشيخ المربّي أعظم من حقّ الوالد؛ لأن الشيخ المربّي يرقي الروح ويرقّي الى الله، فلا بدّ له من دخول الجنّة، والوالد يربّي الجسم فقط، إمّا أن يكون من اهل الجنّة، أو أن يكون من اهل النّار، ومن مات بغير بيعة مات جاهلا، ومن مات جاهلا فالنّار أولى به، والعياذ بالله تعالى”.
ولعل هذه الرؤية المتأصلة في نفس الشيخ محمد الفاضل نبعت من التعاليم الصوفية السامقة التي غُذِي بها وفُطُم عليها فوجّهت مساره الروحي. هذا، لأنه كان مدركًا أيَّما إدراك ثقل المسؤولية التي كان والده يتحمّلها ويتجشم عناها في تربية وتهذيب نفوس المريدين روحيا بغية الارتقاء بهم إلى أسمى مقامات السالكين. وكان يعلم علما يقينيا أنّ ما يُعرف عند القوم بـ “معرفة الله”، التي تفوق روابط النسب والدم، لا تُنال إلا عبر تربية النفس وتزكيتها والعزوف بها عن زخارف الدنيا ومتعها الزائلة، وكل ذلك لا يتحقق عند أرباب التصوف إلا بالارتباط الصادق بشيخ كامل مربٍّ ومُرَقٍّ تلقي إليه زمامك، كما نص على ذلك والده في بعض كتاباته:
مَنْ طَلَبَ الوُصُولَ لِلْجَلِيل
فَلْيَعْتَصِمْ بِسُنَّةِ الرَّسُول
بِأَنْ يُلَازِمَ مُطِيعًا لَا يَمِيل
فِي ظَاهِرٍ و بَاطِنٍ عَنِ السَّبِيل
يَقُودُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَه
كَمَا يُرَبِّيهِ بِتَرْكِ الْعَادَه
فَكُلُّ مَنْ قَبْلَ وُصُولِهِ اعْتَزَلْ
وَلَمْ يُرَبِّهِ مُرَبٍّ قَدْ كَمُلْ
فَإِنَّهُ يَخُوضُ فِي بَحْرِ الرَّدَى
وَلَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ أَبَدا
لِأَنَّهُ يَقُودُهُ الشَّيْطَانُ
وَالنَّفْسُ وَالْهَوَى كَمَا أَبَانُوا
وفي كتابات والده نجد هذه المعاني تتردد بكثافة وتؤكد بقوّة ملفتة، حيث نجده يلمح في تعبير صوفي بليغ بقوله:
“فَمَن تعلّق بواصل وصل ومن تعلق بعكسه انفصل”.
وكان والده يقول أيضًا:
وَوَجَبَتْ طَاعَةُ مَنْ يَقْفُو الرَّسُول
صَلَّى عَلَيْهِ مَنْ بِهِ يَحْبو بِسُولْ
مِنْ رُؤَسَاءِ الدِّينِ ذِي الْكَمَالِ
مَنْ لَا يَرَى مِنْهُمْ سِوَى الْجَمالْ
وهكذا، استطاع الشيخ محمد الفاضل أن يوفّق بين انتمائه إلى الطريقة المريدية وانتمائه إلى جماعة أوسع، هي شعب السنغال بكل أطيافه، بل والإنسانية جمعاء. فقد كان يؤمن إيمانًا راسخًا بالتعدّدية، ويرفض كل أشكال الانغلاق والنعرات الطائفية، والتطرّف، والجمود العقدي. إنّ هذا التعدّد الواعي، وهذه السعة في الأفق، وهذه القدرة الفائقة على تجاوز الفوارق البشرية، تمثّل السمات الجوهرية للقادة الربانيين الحقيقيين عبر التاريخ؛ أولئك الذين يمتلكون القدرة على كسر الحواجز الضيّقة، وتجاوز الانقسامات المصطنعة، والارتقاء إلى رؤية إنسانية أشمل وأعمق. وانطلاقا من هذه المعاني، يمكننا دونما تعسف اعتبار الشيخ محمد الفاضل «عِصام» عصره. فاسم «عِصام» في الأدب العربي شخصية رمزية اشتهرت بقولها:
“نفسُ عِصامٍ سوّدتْ عِصامَا
وعلّمته الكرَّ والإقدامَا
وصيرته ملكا هماما”
وهو قول يجسّد فكرة جوهرية مفادها أنّ الإنسان ينبغي، إن لزم الأمر، أن يفاخر بما حقّقه بجهده وسعيه الخاص، لا بما يرثه من مجدٍ نسَبيّ أو مكانة اجتماعية موروثة. وهي الفكرة ذاتها التي جسّدها الشيخ محمد الفاضل في مسيرته، حيث لم يتكئ على إرث النسب وحده، بل رسّخ مكانته بالعمل الجاد، والحكمة، والاستقامة.
وهكذا نجد في رسالة وجهها إليه والده:
“بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ يَا بُنَيَّ قِيلُ النَّاسِ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ السِّيَادَةِ مَا اكْتَسَبْتَهَا لِنَفْسِكَ لَا مَا اكْتَسَبَهَا لَكَ آبَاءٌ وَجُدُودٌ، وَإِنَّ الْفَخْرَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ لَا فِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ، وَإِنَّ الشَّرَفَ فِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ لَا فِي الرِّمَمِ الْبَالِيَة لِأَنَّ شَرَفَ الأَعْرَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى شَرَفِ الْأَخْلَاقِ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: «لَا حَمْدَ لِمَنْ شَرُفَ نَسَبُهُ وَسَخُفَ أَدَبُهُ»، وَقَالُوا: «كُنْ عِصَامِيًّا وَلَا تَكُنْ عِظَامِيًّا»؛ فَإِنَّ عِصَامًا (…) هُوَ الْقَائِلُ:
نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا
وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالْإِقْدَامَا
وَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا
وَقَالَ آخَرُ:
فَمَا الْحَسَبُ الْمَوْرُوثُ لَا دَرَّ دَرُّهُ
يُفِيدُ الْفَتَى إِلَّا بِآخَرَ مُكْتَسَبْ
فَلَا تَتَّكِلْ إِلَّا عَلَى مَا فَعَلْتَهُ
وَلَا تَحْسِبَنَّ الْمَجْدَ يُورَثُ بِالنَّسَبْ
وَلَيْسَ يَسُودُ الْمَرْءُ إِلَّا بِنَفْسِهِ
وَإِنْ عَدَّ آبَاءً كِرَامًا ذَوِى حَسَبْ
إِذَا الْغُصْنُ لَمْ يُثْمِرْ وَإِنْ كَانَ شُعْبَةً
مِنَ الْمُثْمِرَاتِ اعْتَدَّهُ النَّاسُ فِي الْحَطَبْ
اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ فَإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.”
وإلى جانب ذلك كلّه، كان الشيخ محمد الفاضل تجسيدًا حقيقيا للحكمة السنغالية في أبهى صورها. فمن خلال سلوكه اليومي، وخطابه المتّسم بالتواضع، وروحه المرحة ذات الدعابة الرقيقة، استطاع أن ينفذ إلى قلوب الناس، سواء من المريدين أو من غيرهم. وتُروى في الذاكرة الشعبية حكاية مشهورة تعبّر عن هذه الحكمة العميقة: إذ يُقال إنّه، في أحد الأيام، كان في سيارته، فصادف مجموعة من المُريدين الذين أوقفوه وطلبوا منه أن يقلّهم معه. ولمّا وصلوا إلى وجهتهم، قال أحدهم بحماسة: «هكذا سيكون الحال يوم القيامة؛ ستجدنا على الطريق وتأخذنا معك إلى الجنّة». فابتسم الشيخ ابتسامة الحكيم وقال: «ذلك يتوقّف على أن أجدكم على الطريق». وبذلك أراد أن يرسّخ مبدأً تربويًا بالغ العمق، وهو أنّ الهداية لا تُمنح إلا لمن سلك طريق الاستقامة كما حدّدها الله، وأنّ النجاة رهينة بالعمل الصالح لا بالانتساب وحده والتمني على الله الأماني.
وقد امتدّت خلافته من 14 يوليو 1945 إلى 7 أغسطس 1968، أي ثلاثًا وعشرين سنة، وكانت مرحلة حافلة بالإنجازات الكبرى. فقد أشرف على استكمال بناء المسجد الكبير بمدينة طوبى، الذي افتُتح رسميًا سنة 1963، وفاءً لوصية والده الشيخ أحمد بمبا. كما واصل تخطيط الأراضي وتوزيعها، مساهمًا بذلك في النهضة الاقتصادية للمدينة المقدّسة المحروسة. وأطلق مشاريع بنيوية كبرى، من بينها إنشاء سوق «عكاظ»، وبناء عدد كبير من المساجد، وإدخال الكهرباء إلى مدينة طوبى.
ومن خلال إنتاجه الشعري والروحي، خلّف الشيخ محمد الفاضل إرثًا أدبيًا وفكريًا بالغ الكثافة. فقد تناولت قصائده موضوعات متنوّعة، ظلّت جميعها على صلة وثيقة بقضايا مجتمعه، سواء في شكل أدعية، أو مدائح نبوية، أو دروس روحية ثمينة موجّهة إلى تربية الإنسان وبناء وعيه الأخلاقي.
إنّ السنغال، بتعدّده الديني والروحي، لا يحتاج إلى أنموذج واحد فحسب على قامة الشيخ محمد الفاضل، بل إلى نماذج ومرجعيات روحية متعدّدة تحمل القدر نفسه من الحكمة، والانفتاح، والارتباط العميق بالحق والإخلاص والتفاني. ففي سياق تتفاقم فيه أحيانًا مظاهر التوتّر والانقسام، يبرز تعاليم الشيخ محمد الفاضل، القائمة على الأخوّة والوحدة، بوصفها، أي هذه التعاليم، ضرورة ملحّة من أجل إرساء مناخ من المصالحة والتماسك الاجتماعي على أرض سنغالنا الحبيبة.
لقد تسامى الشيخ محمد الفاضل على حدود الطائفة المُريدية ليغدو رمزًا للوحدة الوطنية، ومرشدًا روحيًا قادرًا على جمع القلوب، مهما اختلفت الانتماءات العرقية أو الدينية. وفي عالم سريع التحوّل، تتعقّد فيه العلاقات الاجتماعية، يذكّرنا نموذج هذا الشيخ بأهمية روحانية تقوم على المحبّة، والتضامن، والتسامح. ومن ثمّ، فإنّ السنغال المعاصرة في أمسّ الحاجة إلى قادة ربانيين متعدّدين، يحملون الرؤية ذاتها والروح نفسها، من أجل إحياء روح الأمة وإعادة ترسيخ السلم الاجتماعي. فهؤلاء يمكن أن يكونوا عوامل محفِّزة لمصالحة عميقة ودائمة بين مختلف مكوّنات المجتمع السنغالي، إذ إنّ القوّة الحقيقية للشعب السنغالي تكمن في قدرته على الجمع بين التعدّد والوحدة في بوتقة واحدة.
وفي هذا اليوم المبارك من «مغال كزّ رجب»، الذي يمثّل محطة روحية مميّزة لدى المُريدين وغيرهم من المسلمين عبر العالم، نرفع أكفّ الوفاء لذكرى الشيخ محمد الفاضل امباكي، ذلك النور الساطع والطود السامق في عتمة التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والروحية. ونسأل الله أن تبقى روحه مصدر إلهام للأجيال القادمة، وأن يتغمّده برحمته الواسعة وبركاته الجزيلة، “جَرَجَفْ سَرِينْ فَالُو”، قدس الله سرك.