الكاتب /أحمدُ بامبا گَايْ
السعادة من أسمى الغايات والأهداف التي يسعى الإنسان لتحقيقها في عالمه الداخلي والخارجي وفي حياته الدنيوية والأخروية ؛ مما جعل الفلاسفة وعلماء النفس والإجتماع وغيرهم يُنظِّرون إيدولوجيات وآليات من خلالها يستطيع الإنسانُ أن يجلب منها سعادته ويدفع عنها شقاوته وتعاسته.
فإن كان البعض يبحث عن السعادة في الماديات والشهوات مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ،وبعض آخر يتحرَّاها في الروحانيات والغيبيات من من الإيمان والتقوى والمعرفة والخدمة والحب والرضى، فإن هناك فلسفة ترى السعادة عديمة و مستحيلة لا وجود لها في الحقيقة (الفلسفة العدمية/شوبنهاور Schopenhauer ت 1860).

فحجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ،1111م) يقول في كتيبه “كمياء السعادة” : أن كيمياء السعادة لا تكون إلا في خزائن الله سبحانه وتعالى، ففي السماء جواهر الملائكة، وفي الأرض قلوب الأولياء العارفين (البحث عن السعادة ص 86). ويختصر الغزالي السعادة في المعارف الأربعة وهي : معرفة النفس، ومعرفة الله، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة.
ويذهب العالم الصوفي الهندي حضرتْ عنايت خان(ت1927م) في كتابه “كيمياء السعادة The Alchemy of Happiness « إلى أن سِر السعادة يكمن في التوازن بين العالم الداخلي والخارجي، وفي التصالح مع الذات، وفي الحب والموسيقى.
و يرى الفيلسوف الفرنسي لُونوَارْ(Frederic Lenoir) في كتابه “السعادة رحلة فيلسوفية” Du bonheur, un voyage philosophique » بأن سعادة الإنسان تتحقق في معرفة الذات والسيطرة عليها(la connaissance et la maîtrise de soi), وقبول الواقع (Accepter la réalité),و التمتع باللحظة الحاضرة ، (،Profite du moment présent),إيجاد علاقة طيبة مع الآخرين كالحب والصداقة (Avoir le lien avec les autre)،والحرية الداخلية (la Liberté intérieur), وإيجاد معنى للحياة(trouver un sens de la vie).
وإذا وصلنا إلى العبد الخديم الشيخ أحمد بمباا مباكي (ت 1326هـ،1927 م)، نلاحظ أن كلمة السعادة ومرادفاتها (الفوز، الرضى، طوبى) طاغية في كتاباته؛ ما يشير إلى أهمية مغزى السعادة عنده.
إن كيمياء السعادة في المنظور الخديمي يمكن حصرها على محورين أساسيين ألا وهما : العلم، والعبادة وبمعنى آخر المعرفة و الخدمة، “لأن الخدمة هي العبادة” (الكوكي: العمدة في نظرية الخدمة :ص 105). والدليل قوله في بداية قصيدته المطررة بآية : يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ( البقرة – 21):
“يَقوُل أَحْمَدُ إِلَى السَّعَادَهْ / يَدْعُو المَلاَ بِالعِلمِ والعِبادَهْ”
وقوله أيضا :
حمداً لمن بالعلمِ والعبادهْ
يَمُنُّ من يرزُقـــه السَّـــعادهْ
1- العلم/المعرفة أ: العلم أو المعرفة رکن أساسي من مشروع العبد الخديم، بل اتخذه سلاحا ناجعا في مشروعه التجديدي لتربية المريدين وتزكيتهم : “إني أُجاهِدُ بِالعُلُومِ وَبِالتُّقى /عبداً خَدِيماً والُمُهَيْمِنُ شاَهِدُ” (قصيدة : ياجُملَةً).

ولذالك دعا الشيخ الخديم الصبيان والشبان والنسوان إلى طلب العلوم : فسارعوا للعلمِ أجمعيناَ / لِوجهِ ذي الجلالِ قَاصِديناَ (مغالق النيران)،وتكفل بتأليف كتب نافعة و قصائد جليلة في مختلف العلوم والفنون لجذب الناس إلى السعادة الأبدية. فكتبه العلمية تفضي إلى السعادة وتدفع عن الشقاوة (انظر خاتمة منظومتي: تزود الصغار، وسعادة الطلاب) كما أن قصائده النفيسة سلَّما للوصول إلى السعادة السرمدية: إجعل قصائديَ سُلّما إلى / سعادة دائمة لِمَن تَلاَ. لأن قصائده ذِكرُُ (قصائدي ذِكْرٌ وَ شُكرٌ وَسداد) الذي به تطمئن القلوب: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد :28).
والعلم عند العبد الخديم لا بد أن يقترن بالعمل لتحقيق السعادة: ولتعلمنْ بأن عِلما وعمل / هما وسيلتا السعادة أجل. وبدون العمل به يمكن أن يسوق صاحبه إلى الهلاك و الردى :
فالعلم إن لم يُفْدِ شخص الهُدَى /فإِنهُ يجرهُ إِلى الرَّدي.
2.العبادة/ الخدمة: إن العبادة أو الخدمة هي المدار أو البنية التحتية التي ترتكز عليها دعوة الشيخ الإصلاحية في جميع أبعادها : دعا مِدادي وأقلامي لخدمته / قود الورى للذي قد كان لي بِهدى (ديوان سعادات المريدين)، فلا غرو إذا شرع خدمته عام جيسش 1313هـ ب”مفتاح السعادة” (مقدمة الخدمة).
والخدمة هي” كل جهد بشري خالص أريد به وجه الله تعالى؛ لأداء منفعة؛ تنفع الفرد والجماعة” (شعيب كيبي: مربي الأجيال)، أو “كل حركة فاعلة ذات قيمة معنوية، قصدية الطبيعة تؤدي في الخطاب الإنساني تجاه الكون والحياة شكرا لله في أريحية العبودة الحقة” (الكوكي: العمدة).
ويدخل في هذين ).المفهومين كل العمليات الداخلية والخارجية والأطروحات السالفة الذكر في المقال من الأغراض المسببة للسعادة: من المعرفة، والحب، والإيمان والعبادة.
ولأهمية الخدمة جعلها الشيخ الخديم شِرعةً ومنهاجاً في جميع حركاته وسكناته :
يعبدُ كلي الله ربَّ العالمين/ إن شاءهُ بِخدمةِ الهادي الأمينْ.
وأن أكونَ سعيداً عابدا أبدأ /وخادمة خدمةً ترضى وتخْتَارُ(الرائية)
ولقد ضمن العبد الخديم سعادته في فلسفة الخدمة (وسعادتي ضمن /وكان حقا) و ظفر بها بمافاق ظنه من الهبات الوافرة والمقامات الرفيعة، حتى سعد بها سعادة أبدية لا شقاوة بعدها : سعادتي بغير محوٍ كُتِبتْ / وكوني العبد الخديم قد ثبتْ
هــذا في قصيدة يــوم عرفــة بلســش، ثــم ذكــر
في شــوال “جمسش جزاءً موفورا”
سعادتي بلاانتهاء ثبتتْ
كما بساتيني مُناي اِنبتتْ
وبالخدمة أيضا ضمن سعادة كلّ مريد تعلق ولاذ به في الدنيا والآخرة :
كل مريدٍ بِي يَلوذُ يسعدُ/ وإنه من الأذي مُبعَّدُ
(وإنه لكتاب عزيز)
طوبى لعبد مُريد صادقٍ لَهُم /بِخِدمةٍ أو بِحب أو هَدِياتِ
(حق البكاء
و بعدهذا المحورين الأساسيين، فإن هناك ثالوث الإيمان، والإسلام والإحسان (التوحيد، الفقه، التصوف) لابُد للإنسان أن يَدين به لكي يفوز السعادة الأبدية التى تقود إلى الجنة (واما الذين سعدوا ففي الجنة. هود الآية 108) ويشفي من الشقاوة التي تسوق إلى النار (وأمالذين شقوا ففي النار. هود الآية 106) . وذالك في قوله :
من دان بالإيمان والإسلام /وكان بالإحسان ذا إتمامِ
شفِي من كفر ومن تَفسُّقِ/وكان عبداً للجنَان يرْتَقي
هُدَى الإِله في ذِهِ الأَشْياءِ/من حَازهم عُصِمَ مِنْ شَقَاءِ
دَوامُ ذي الثلاثةِ السّعادهْ/جامِعُها ينال خَرقَ العَادهْ (قصيدة :عام شهدنا بكرم).
ولم يتوقف العبد الخديم قط في أعماله الأدبية يدعو ربه خوفا وطمعا في أن يتحقق سعادته في الدارين (الفوزينية) :
ياذاالإراده/ياذا الإفاده/خلد سعادهُ/لي باعتناء
(مواهب النافع
واغفر لكل ذي تعلقٍ بيا/وحققن سعادتي ياربيا(تحفة المتضرعين)
وأولني سعادة لست أُرَى/شقاوة من بعدها ياذا الورى (تيسير المعسر المأمول) .
ABG
PARIS
خديميات المهجر ١
باريس