الدعاء في رمضان
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ – البقرة 186
هذا هو ربّ العالمين، مالك الدنيا والآخرة، جاعل النّاس أمامه يوم لا ريب فيه، وهو الذي بيده ملكوت كلّ شيء، يُحيى ويُميتُ، يُعزّ ويُذلّ، وهو الذي أقرب إلى العبد من نفسه، وحسبك أن تُدرك ذلك أنّه هو أقرب من حبل الوريد الكامن في حشاك، وهو الصمد الذي يفتقر إلى عونه ونواله ورحمته ولطفه ومغفرته جميعُ الخلائق، ومن هذا الباب بالذّات أدخل معكم إلى حديثنا اليوم وهو عن “الدّعاء”
ولا نقول الدعوة دون أن يتجلّى الافتقار والضعف والاحتياج في أحد الطرفين، وحاشا الله أن تتجلّى هذه العناصرُ في ذاته، فإذن من سواه تصحبه هذه العناصرُ؟، إنّه الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف الهزيل الذي لا ينهض منْ أمره شيءٌ إن لم يكن ثمّة من يأخذ بأطرافه يُسانده، ولا يحترز من متاع الدنيا شيئا إن لم يكن قد شاء مالكه ذلك، وهو الذي في احتياج مستمرّ كلّ يوم ، يفتقر إلى الحياة ، إلى الصحّة والسلام والرزق وطول العمر والفوز بالدارين، وكلّ هذه المطلوبات بيد ربّه الرحيم المُجيب الذي لا يحبّ منه سوى أن يسأل ليُعطيه ما يطلب، فلمَ لا ندعو إذن؟ وبيد الربّ كلّ شيء وليس بيدنا أي شيء…
إنّ الدّعاء من الإيمان والله قريب ليُجيب الدّعاء، ولم يكن ليفتح باب الدّعاء ثم يغلق على الدّاعي باب الاستجابة، فما ذلك من مراميه، يقول النبيّ عليه الصلاة والسلام: “ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء، ويغلق عنه باب الإجابة”…
لكنّ أي دعاء يُجاب؟ هل دعاءُ الداعي المتشائم الذي لا يؤمن في دعاءه شيئا؟، لا ليس هذا الدّعاء، فعن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه ” .
والدعاء المجاب بعد استكمال شروطه وتحقيق آدابه، هو دعاء الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: “ما مِن عبدٍ يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه اللهُ بها إحدَى ثلاثٍ : إما أن تُعجَّلَ له دعوتُه في الدنيا، وإما أن تُدخرَ له في الآخرةِ، وإما أن يُصرفَ عنه من الشرِّ مثلُ ذلك قالوا : يا رسولَ اللهِ إذا نكثرُ؟ قال : اللهُ أكثرُ..
أخي العزيز، الله كثير، بل وأكثر، وفي الرمضان تتضاعف الأعمال الصالحة، فلا تيأس من رحمة الله ولا تتوان في مدّ يدك الضعيفتين أمام القويّ الجبّار صاحب الدين والدنيا، فادعُ ربّك حتى يأتيك اليقين، فإنّ الدّعاء قبل أن يكون طلبَ حاجة فإنّه عبادة يُثاب فاعله وإن قُبل دعاءه فبُشرى له، وبشرى له؛ لأنّه من الفائزين.