المفتش حسن لوح يرد على مقال سياسي حول إنشاد ”طلع البدر“ داخل قبة البرلمان … .

0

”الاحترام المتبادل أساس العيش المشترك“
لقد أثارت موجة الجدل الأخيرة التي أعقبت إنشاد النشيد الديني الإسلامي » طلع البدر علينا «داخل قبة البرلمان تساؤلات عميقة لدى كل مواطن حريص على قيم الاحترام والتسامح والتعايش السلمي التي شكلت عبر التاريخ أحد أهم مرتكزات الأمة السنغالية.
ومن حق أي شخص أن يشعر بالارتياح أو عدمه تجاه أي مظهر من مظاهر التعبير الديني، فذلك يدخل في نطاق الحرية الشخصية والفكرية المكفولة للجميع. غير أن تحويل هذا الشعور الشخصي إلى موقف عدائي تجاه دين بأكمله أو تجاه ملايين المؤمنين به يظل أمراً يدعو إلى الاستغراب والتأمل. ففي دولة تكفل حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، لا يجوز أن يُنظر إلى التعبير السلمي عن الانتماء الديني باعتباره تهديداً للجمهورية أو مساساً بقيمها.
إن ما يثير القلق اليوم ليس اختلاف الآراء، فالتعددية الفكرية والسياسية والدينية من صميم الممارسة الديمقراطية. وإنما ما يدعو إلى الأسف هو لغة الاستعلاء والاستهزاء والاستفزاز التي صاحبت بعض المواقف والتعليقات. فالاحترام قيمة متبادلة لا تستقيم إذا طُلب من طرف واحد دون الآخر. وقد عُرف المسلمون في السنغال، عبر تاريخهم الطويل، باحترامهم لمعتقدات غيرهم، ولم يعتبروا يوماً المظاهر السلمية للتعبير الديني لدى الآخرين اعتداءً على هويتهم أو مساساً بوجودهم.
وإلى أولئك الذين يضيق صدرهم بكل حضور للإسلام في الفضاء العام، نذكر بقول الله تعالى:
﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ۖ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾) آل عمران: 119 (.
إن هذه الآية الكريمة ليست دعوة إلى الكراهية ولا تحريضاً على الخصومة، وإنما هي رسالة طمأنينة للمؤمنين حين يواجهون من يضيقون ذرعاً بثباتهم على عقيدتهم أو يضمرون لهم الحقد بسبب تمسكهم بدينهم. إنها تؤكد أن غضب الحاقدين لا يغير الحقائق، وأن ضيقهم لا يمكن أن يزعزع إيمان المؤمنين أو يثنيهم عن الاعتزاز بقيمهم وهويتهم.
ومن حقنا كذلك أن نتساءل: عندما يبعث بعضهم برسائل التهنئة للمسلمين في أعيادهم ومناسباتهم الدينية، ثم يعود فيستنكر أبسط تجليات حضورهم الديني والثقافي في الفضاء العام، فهل تعكس تلك التهاني قناعة صادقة واحتراماً حقيقياً، أم أنها مجرد مجاملات ظرفية لا تجد لها ترجمة في المواقف العملية؟
إن السنغال لم تُبنَ على إقصاء الهويات الدينية أو طمسها، وإنما قامت على الاعتراف بها والتعايش بينها في إطار من الاحترام المتبادل. والتعايش لا يعني أن يتبنى كل طرف معتقدات الطرف الآخر، وإنما يعني أن يحترم كل طرف حق غيره في أن يكون مختلفاً.
لقد ورثنا نموذجاً فريداً من التآخي والتسامح صنعه العلماء والمرشدون الربانيون والحكماء عبر أجيال متعاقبة، وهو نموذج أثبت قدرته على الصمود أمام مختلف الأزمات والتحديات. ولذلك فإن هذا العيش المشترك أعمق جذوراً وأقوى بنياناً من أن تهزه تصريحات مستفزة أو مواقف متشنجة أو حملات إعلامية عابرة.
إن الذين يحاولون زرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد سيصطدمون بحقيقة راسخة، وهي أن روابط الأخوة والتعايش بين السنغاليين أقدم وأمتن وأقوى من كل محاولات التفريق والإقصاء.
وسيظل المسلمون، كما كانوا دائماً، متمسكين بدينهم في اعتزاز وطمأنينة، محترمين لغيرهم، ومدافعين في الوقت نفسه عن حقهم المشروع في أن يُعاملوا بالاحترام ذاته الذي يمنحونه للآخرين.

أبو عبد الكريم حسن عبد الكريم
assanelolo@yahoo.fr

Leave A Reply