تحوُّل المستعرب السنغالي: من بهاء الحرف إلى ضجيج السياسة .

0

بقلم الكاتب / سيدي أحمد غساما

حين كان القلم سيّداً

لا يختلف اثنان في أن الكتابة الأدبية الرفيعة هي مرآة الأمم وشاهد حضارتها، وأن أصحاب القلم هم حرّاس الذاكرة الجمعية وصانعو الوعي. ومن هذا المنطلق، اكتسبت الساحة الأدبية للمستعربين السنغاليين في عقدها الأخير بريقاً لافتاً وثقلاً ثقافياً لا يُنكر. غير أن ثمة تحولاً مفاجئاً طرأ على هذه الساحة، فحوّلها من روضة إبداع مزدهرة إلى ميدان ضجيج سياسي متهالك. وبما أن لا أحدا يستطيع أن يتهمني بسؤال، سأتسائل: ما الذي جرى؟ وكيف السبيل إلى استعادة ما ضاع؟
 
 ٢- الزمن الذهبي: لما كان الأدب ثورةً صامتة

شهدت السنوات الماضية ازدهاراً أدبياً لافتاً في أوساط المستعربين السنغاليين؛ إذ كانت المنصات الرقمية، ولا سيما فيسبوك، تزخر بنصوص شعرية ونثرية تنبض بالحياة، وتعكس عمقاً فكرياً واضحاً وأسلوباً لغوياً رصيناً. إذ كان القارئ يلمس في تلك النصوص أثر المعاناة أمام سطوة الحرف، ومخاض الفكرة وهي تتشكّل من بين ثنايا التجربة الإنسانية.
وكانت تلك الحقبة أشبه بعصر تنوير حقيقي؛ تنوير لا يُعلَن بالشعارات، بل يُعاش في القصيدة والمقالة والقصة. وكان الكتّاب يحملون قيماً راسخة: الانضباط اللغوي، والوعي الاجتماعي، والأمانة الفنية. وكانت نصوصهم متعددة الطبقات: جمالاً لغوياً في ظاهرها، وعمقاً فلسفياً في باطنها، ونقداً اجتماعياً في مضمونها.
 
 ٣-الانزياح المفاجئ: من الإبداع إلى التيه

ثم جاء التحوّل، سريعاً كالصاعقة وموجعاً كالخسارة. حيث انسحب كثيرٌ من هؤلاء المستعربين من فضاء الأدب الرحيب، وولجوا دهاليز السياسة بلا عدّة ولا بوصلة. وسرعان ما تبدّل المشهد: فبدل النص المصوغ بعناية، فظهرت منشورات مرتجلة مفعمة بالانفعال العاطفي العقيم. وبدلاً من الفكرة المؤسَّسة على معرفة وتأمّل، سادت ردود الأفعال المتسرّعة والأحكام المطلقة. ولم تعد الحقيقة متعدد الأوجه، بل أصبحت حكرا لكل من له صدى في العالم الأزرق.
وقد أوجد هذا الانزياح فراغاً أدبياً حقيقياً في الساحة، وملأ محلّه خطابٌ شعبوي لا يعترف بأدوات النقد ولا بمنهجية التحليل. وكأن القلم الذي كان يُرسم به الجمال صار سلاحاً في معارك لا تُبنى على مبدأ ولا تُختم بنتيجة. ولكن، ما سبب هذا التيه ؟
 
٤-الدخول إلى المعركة بلا سلاح

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن كثيراً من هؤلاء خاضوا غمار السياسة دون أن يتزوّدوا بأدواتها المعرفية الضرورية. فالسياسة بوصفها علماً وممارسة تستلزم الإلمام بتاريخها ومدارسها الفكرية، ومقارباتها الفلسفية من أرسطو إلى ماكيافيلي. ومن يجهل هذه الأسس فلن يجد في يده سوى سيف من ورق.
ما نشهده في أوساط بعض المستعربين اليوم هو مهاترات لا تُسمن ولا تُغني، وجدل لا يُنتج فكرة ولا يُصلح واقعاً. ولا يعني هذا إدانة التفاعل مع الشأن السياسي؛ فالسياسة هي تدبير الشأن العام، ومن حق كل مثقف، بل من واجبه أن ينخرط فيها بوعي. بيد أن الانخراط الرصين يستلزم شرطاً جوهرياً: أن يسبق القول التفكيرُ، وأن يسبق التفكيرَ التأهيلُ.
 
  ٥-الانحطاط الخطابي وأثره على المشهد الثقافي

أفرز هذا التيه السياسي ظاهرة مقلقة يمكن تسميتها انحطاط الخطاب العام؛ إذ أصبح بعض من كانوا يُعدّون من أعلام الكلمة وحُماة اللغة يتسافهون بالألفاظ، ويتقاذفون التهم، وينزلون إلى مستوى من الخطاب يأباه حتى عوام القوم. وكأن السياسة بما تحمله من شحنات عاطفية قد أسقطت عنهم ثوب الرصانة والهيبة الذي طالما تميزوا به.
وهنا تكمن الخسارة المزدوجة: خسارة الأدب الذي هُجر، وخسارة الهيبة الفكرية التي أُهينت. فلا الساحة الأدبية استُعيضت عنها بديلاً حقيقياً، ولا الساحة السياسية أُثريت بمساهمة نوعية.
 
 ٦-الحل: العودة الواعية لا الهروب الرومانسي

لا يكمن الحل في الحنين الساذج إلى الماضي، ولا في الدعوة إلى عزل المثقف عن همومه. فذلك ترفٌ لا تسمح به اللحظة التاريخية. بل الحل يكمن في صياغة نموذج جديد للمثقف المستعرب السنغالي: نموذج يجمع بين أناقة الحرف الأدبي وعمق التحليل السياسي، بين الجمال والمسؤولية.
ويمكن لهذا المثقف الجديد أن يكون جسراً بين الأدب والواقع، يُقارب السياسة كما يُقارب النص الأدبي: بتأمّل وتمحيص وسعيٍ دائم نحو الحقيقة. وإن كان لا بد لابد له من هجر الأدب والعكوف في السياسة، فعليه أن يرفض بحزم ثقافة الشتيمة المُلبَّسة رأياً، والجدل العقيم، الفارغ المُقدَّم نقاشاً. فالكلمة أمانة، وحين تُوظَّف في غير موضعها فإنها تُفقر مشهدها الثقافي كله.

أيها المستعربون، لم يطلب منكم أحد أن تكونوا ملائكة منزّهين عن الاهتمام بالشأن العام، لأنه شأن الجميع وأنتم جزأ لا يتجزأ من هذا المجتمع. لكنّ التاريخ لا يذكر للمثقفين إلا توظيف أقلامهم في خدمة الحقيقة لا في تضخيم الضجيج. فعودوا إلى رشدكم وإلى الكتب قبل أن تعودوا إلى الميدان، وعودوا إلى النقد المنهجي قبل أن تعودوا إلى الردود الارتجالية. فالأمم تبنى بالكلمة الصادقة والفكرة الرصينة والقلم الحر، لا بالسذاجة والضجيج!

Leave A Reply