مقال: إلى مَتى يَنتَهِي القَتل فِي السِّنغال؟!!

0

بقلم الباحث سرين امباكي جوب خضر

إنَّ مما لا يخفَى عَليكم أنَّ السِّنغال كانتْ دَولة مشهورة بالسَّلام والأمنِ والاستقرار منذ قَديم الزَّمان، بَيدَ أنَّها في الآونة الأخيرة صارت رأسا عَلى عَقب لفُشوّ جرائم شنيعة ونكراء في ربُوعهَا صَباح مَساء وليل نَهار مثلَ السَّرقة، والاغتِصاب، والقتل، والانتِحار، وغيرها، فلا يكاد يمر يوم من الأيام أو أسبوع من الأسابيع إلا ونسمع جرائم في بلدنا مثل جريمة القتل التي تأتي فينة بعد فينة من قِبَل قطاع الطرق الذين يرصدون بعضَ النَّاس في الشوارع خَلسًا لأموالهم، ونهبًا لثَرواتهِم، واعتداء عليهم أشدَّ الاعتداءات ناسِين أو مُتناسِين عَظمة حرمة المسلم في الإسلام، ومكانته الكبيرة عند اللهِ، حيث رُويَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ -: “كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ”. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ].

ودِيننا الإسلامُ الحنيفُ حَذَّر كلّ الحَذر من العُدوان عَلى النفس بما هو أقل من القتل، وقد وردَ عن أبي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنهُ – أنَّهُ قَالَ قال رسُول الله – ﷺ -: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ؛ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ) [رواه مسلم: 2616].

ولكنَّنا نتساءل في هذه العُجالة لماذا تكثُر جريمة القتلِ في السنغال؟ وما دورُ الحكومة السنغاليَّة تجاه هذه الأحداث العنيفة التي تَجري بين الفَينة والأخرى وطالما نُشاهدها بأم أعيينا في التلفاز ونسمعُها في الأخبار ونقرأها في الصُّحف اليومية؟

ولكنَّ الأشدَّ والأنكَى لقد وصَل الأمر إلى حدِّ فائق يُبكي العين ويُدمي القلب وتسرَّب إلى المدن التي كانت لا تقعُ فيها ظاهرة القتل كمَدينة طوبى المحروسة التي أخذت تجري فيها بين الفَينة والأخرى. فما حوادث القتل التي تقع فيها عنا ببَعيدة.

إنَّ أحكام الشريعة الإسلامية تدور حول حماية وحفظ خمسة أمور، هي أمهات لكل الأحكام الفرعية، وتُسمى بالضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العرض، وحفظ العقل. وسميت أيضا بالكليات؛ لأنها هي أهداف الشرائع ككل، وقد تناولها علماء الأصول في كتبهم، ومن جُملتهم العلامة الشِّنقيطي صاحب المراقي الذي قال في معرضِ منظومتهِ (مراقي السُّعود):
دِينٌ فَنَفسٌ ثُمَّ عَقْلٌ نَسَبُ = مَالٌ؛ إلَى ضَرُورةٍ تُنتَسَبُ

ومن صفات عباد الرحمان الذين مدحَهُم الله في كتابهِ أنَّهُم لا يقتلون نفسًا برِيئةً كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[سُورة الفرقان: 68 – 70]

نلاحظُ في هذهِ الآيات أنَّ اللهَ قد قرن القتل بالشرك بالله والزنا، وجَعل القتل من أسباب مضاعفة العذاب للقاتل يوم القيامة، إلا من تاب منه توبة نصُوحا.

ومن العَجب العجَاب في الآونة الأخيرة أن قطاع الطرقِ واللصوصِ أحيانًا يقطعُون أعضاء الضَّحايا إربًا إربًا حتَّى تصبح أشلاء ممزقة، أو يقذفونها في قنوات المياه.

وفي بعض الأحيان يصُولون على أصحاب الدكاكين في عُقر دكانهم، أو يقتحمونهم في ديارهم جهارا، ثم يسلبون أموالهم بقوة وعنف مع الجَراءة، ولا يخافون عُقبى جرائمهم إبَّان وقوعها. فكم من أناس في بلدنا قتلوا وأهدروا دماؤهم وأتلفوا مُمتلكاتهم نهارًا أو ليلاً.

  والأعجبُ منهُ أنَّ بعض الناس يُصوِّرون هذه الجَرائم الشَّنيعة وقت حُدوثها كما يقول بعض العلماء: “إن من بلايا العصر هوس بعض الناس بتصوير الحوادث والجرائم، والحرص على نشرها في وسائل وقنوات التواصل، بل قد يقدم ذلك على مساعدة المحتاج أو الوقوف مع المسلم بمصيبته، وهو بهذا الفعل كان سببا في زيادة مصيبة أهله، وحزن أمه وزوجته وأولاده، حين يشاهدون ما صورته، وهو سبب لدعاء أهله على المصورين، فلا حرمة الميت قدروا، ولا أهله راعوا احترموا”.

  • حُرمة قتل النفس:

قد حرَّم الله تَبارك وتَعالى قتل النفس البشرية البريئةِ إلا بالحَقِّ لحُرمة الإنسان مصداقًا لقولهِ: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ}[سورة الإسراء، الآية: 33].

وقال الشاعر:
فَالْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ حَقِّ الشَّرْعِ [1] لَمْ يَلِقِ = دَعْ ذَا فَكُنْ وَاثِقًا بِالْقُطْبِ مُرْشِدِنَا

يقول الدكتور يوسف القرضاوي – رحمه الله تعالى -: “لقد جهل عرب الجاهلية هذا الأمر، فاقترفوا أشنع جريمة: قتلوا أولادهم بأيديهم شر قتلة، بأخبث دافع: من أجل إملاق (فقر) واقع، أو خشية إملاق متوقع، أي مخافة أن يطعموا معهم، ويزاحمهم في رزقهم، غافلين عن أن رزقهم يأتي معهم.

يقول تعالى في سياق ما حرَّم على عباده: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام:151)، وفي سورة أخرى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء:31]

وقد أبطل الإسلام هذه الجريمة الشنعاء، وعلَّم الناس أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن خزائنه ملأى لا تنفد: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} [المنافقون 7]”. [نقلا من كتاب “التوكل” لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي].

ولم يكتَفِ الله بتَحريمهِ فحسبُ، بل توعّدَ القاتل المتعمد للمؤمنين بالوعيد الشَّديد، فقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 93]

وكلُّ من صَان وأَحْيَا نفسًا بَشرية فكأنما فعل ذلك بجميع البشر، ومن أتلف نفسًا بشرية أو آذاها من غير حق، فكأنما فعل ذلك بالناس جميعًا، وإن القاتل عمدا يقتل ولو بعد حينٍ لقول الله تَعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سُورة المائدة: 32].

يقول الإمام الحَافظ المُفسِّر ابن كثير – رحمه الله تَعالى – في تفسير هذه الآيةِ ما مختصره: “أي: ومَن قتل نفسًا بغير سَبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحلَّ قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنَّما قتل الناس جَميعًا؛ لأنَّه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾؛ أي: حَرَّم قتلها واعتقد ذلك، فقد سَلِم الناس كلّهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾”.[ينظر كتاب “تفسير القرآن العظيم”، للحافظ الإمام ابن كثير، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (3/92)]

  • القَتلُ مُوبِقةٌ من المُوبقاتِ: إنَّ مما يدلُّ عَلى خُطُورة القَتل في الإسلام أنَّهُ موبقة من المُوبقاتِ لما ورد في الصَّحيحين من حديث أبي هُريرة – رضي الله عنه – عن النبي الأمين – ﷺ – أنَّهُ قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) قالُوا: يَا رسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ).

والمراد بالموبقات: المهلِكات؛ لأنَّها تُهلِكُ صَاحبَها بِدُخولِه النَّارَ وعَذابِه، ولذلك يجبُ على المسلم الابتعاد عنها.

  • القتلُ كبيرةٌ من الكبائر:

إنَّ القَتل كبيرة من كبائر الذُّنوبِ لما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النَّبيّ – ﷺ – قَالَ: (الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ). [رواه البخاري].

((اليمين الغموس)): التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا؛ لأنها تغمس الحالِفَ في الإثم.

الاقتصار على هذه الأربع لكونها أعظم الكبائر إثمًا، وأشدِّها جُرمًا، ومن ذلك السبع الموبقات.

ورُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ -: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا). [رواه البخاري]

ولم يعد خافيا على كلّ ذي بصيرة حَادَّة ورؤية ثاقبة أنَّ القتلَ كبيرة من كبائر الأفعال ورذيلة من الرذائل المستهجنة المخصوصة باليدين كما قال في منظومتهِ (مُنور الصُّدور):
وباليَدَينِ القَتلُ مثلَ السَّرِقَهْ = خُصَّ، اشْكُر الذي كفَاك الفَسَقَهْ

يذكر لنا الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – في هذا البيتِ أن الكبائر المختصة باليد هي: القتل، والضرب، والسَّرقة، ونحو ذلك.

وكان – رضي الله عنهُ – يقُولُ: “البَطلُ الحَقيقيُّ لا يتخَاصم ولا يتشاجَر ولا يتقاتل، بل يلازم الصَّبر حتى يَظفر بمَطلُوبهِ”.

  • كثرة القتل عَلامة من عَلامات السَّاعة: إنَّ كثرة القتل عَلامة من عَلامات السَّاعة التي أشار إليها الرَّسُولُ – ﷺ – بقولهِ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ]
  • مشرُوعيةُ القِصاص (قَتل القاتل):

ولحُرمة القَتل شُرع القِصاص حِفظًا لِلنُّفُوسِ وصِيانةً لِلدِّماءِ بدليل قولِ اللهِ تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة البقرة: 178].وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سُورة البقرة: 179].

وكما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة]. فمن قتَل إنسانًا يُقتَل، ومَن فَقأ عَينًا فُقئت عَينُه، ومَن جدَع أنفًا جُدع أنفه، ومَن كسر سِنًّا كُسرتْ سِنُّه وما إلى ذلكَ.

وفي سُنَّة رسول الله – ﷺ – عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي – ﷺ – قال: ((مَن قتَل عبْدَه قتلْناه، ومَن جدَع عبْدَه جدَعْناه))[أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافَقَه الذهبي].

وكان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدِّية، وكان في النصارى الدِّية، ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية وخيرها بين (القصاص، والدِّية، والعفو)، وهذا من يُسر الشريعة الغراء التي جاء بها سيِّد الأنبياء.

والقاتل مقتول ولو بعد حين كما ورد في كتاب “التبر المسبوك” للإمام أبي حامد الغزالي – رضي الله عنه – الذي أورد الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – في كتابهِ “سلك الجواهر” قائلاً: “حكاية: كان موسى عليه السلام يناجي ربه على الطور، فقال في مناجاتهِ: يا ربِّ أرني عَدلك وإنصافكَ، فقال يا موسى أنت رجل حادٌّ جريء لا تقدر على الصَّبر، فقال: يا ربّ إنِّي قادر على الصَّبر بتوفيقك، فقال: اقصد العَين الفلانية واختفِ بإزائها وانظُر إلى قدرتي وعلمي بالغيوب.

فمضي موسى عليه السلام وصَعد على تلك العين الفلانية بإزائها، وقعد مختفيا وإذا بفارس قد أتى فنزل على فرسه وتوضأ من العين وشرب منها وحل من وسطه كيسا فيه ألف دينار فأخذه ووضعه إلى جانبهِ، وصلى ثم ركب ونسي الكيسَ، فجاء صَبي صغير فشرب من العين، فوجد الكيس، فجاء بعد الصَّبي رجل شيخ أعمَى فشرب من الماء فوقف في الصَّلاة، ثم إن الفارس تذكَّر الكيس فعاد من طريقه إلى العَين ووجد الشيخ الأعمى فلزمه، فقال: إنِّي نسيت كِيسا فيه ألف دينار في هذا الموضِع في هذه الساعة، وما جاء إلى هذا المكان أحد سواك، فقال أنا رجل أعمَى كيف أنظر كيسَك، فغضب الفارس من ذلك وجرد سيفه وضرب الأعمى فقتله، وفتَّشه فلم يجد معهُ شيئا وتركه.

وقال موسى عليه السلام إلهي قد نفد صبري وأنت عادل وكيف هذه الأحوال؟ فهبط عليه جبريل عليه السلام وقال يا موسى، البارئ جَلت قدرته يقول لك أنا عالم الأسرار أعلم ما لا تعلم؛ أما الصغير الذي أخذ الكيس فإنه أخذ حقَّه، وكان أبو ذلك الصبي أجيرا لذلك الفارس واجتمع له أجرة بقدر ما في الكيسِ، فالآن وصل الصبي إلى حقه، وأما الشيخ الأعمى فإنه قبل أن يعمى قتل أبا ذلك الفارس، فقد اقتُصَّ منه ووصل إلى كل ذي حق حقه، فعدلنا وإنصافنا دقيق كما ترى فلما عَلم ذلك تحيَّر واستغفر.

ومن تدبَّر وتأمَّل هذه الحكاية علم أن الله لا يخفي عليه شيء، وأنه يُنصف المظلوم في الدنيا ولكن نحن غافلون، إذا جاء البلاء لا نعلم من أين جاءَ”. [يُنظر: كتاب (سِلك الجواهر، في أخبار السَّرائر)، للشيخ أحمد بامبا، دراسة وتحقيق: الرابطة الخديمية، دار الأمان للنشر والتوزيع، ط:1، 1441ه‍، 2020م، ص: (55 وما بعدها)، و(التبر المسبوك)، للغزالي، ص: (48- 49) مع اختلاف يسير]

  • وجُوبُ الكفارة عَلى القاتل غير المتعمد:

ولا يخفى عَلى ذي بَصيرة حادّة أنَّ المشرع قد طالبَ القاتل غير المتعمد بالكفارة، وكما طالبَ بها مِنْ صاحبِ اليَمينِ، وهي مطلُوبة أيضا فِي حَالة الظهار، حيثُ قال اللهُ تَعالى في كفارة القاتل غير المُتعمد: {وما كان لمُؤمنٍ أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا ومن قتل مؤمنًا خَطئًا فتَحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مُّسلَّمةٌ إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحريرُ رقبةٍ مُّؤمنةٍ وإن كان من قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فديةٌ مُّسلَّمةٌ إلى أهله وتحريرُ رقبةٍ مُّؤمنةً فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبةً من الله وكان الله عليمًا حكيمًا} [سُورة النساء: 92].

  • قتل العَمد من موانع الإرث:

إنَّ قتل العمد من موانع الإرث في دِينِ الإسلام كما قال العالم العلامة الشيخ الحاج مالك سه – رضي الله عنه – في كتابه “الكوكب المنير”:
أَمَا المَوَانِعُ فَكُفْرٌ وَزِنَى = عَدَمُ الِاسْتِهْلَالِ رَقٌّ عُيِّنَا
شَكٌّ وَقَتْلُ الْعَمْدِ وَالَّلعَانُ = عَفَا لَنَا وَلَكُمْ الْمَنَانُ

والحَسَدُ سَببٌ من أسْبَاب القَتل؛ لأنَّهُ حمل ابن آدم قَابِيل على أنْ قتل أخاهُ هَابِيل، وفي ذلكَ قال الشيخ الخديم – رضي الله عنه – في ثنايا منظومة “دُونَكَ يَا مَحْمُودُ مَا إِنْ شَآ الْجَلِيلْ”:
وَحَمَلَ الْحَسَدُ نَجْلَهُ عَلَى = قَتْلِ أَخِيهِ إِذْ حَوَى تَقَبُّلَا

وكأنَّهُ في هذا البيتِ يُشير إلى قول الفقيه نصر بن محمد بن إبراهيم السَّمرقندي – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: “وَأَمَّا الْحَسَدُ فَقَدْ ظَهَرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ قَابِيلَ، فَقَتَلَ أَخَاهُ حَتَّى أُدْخِلَ النَّارَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَعَاصِي، وَيَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَةِ، وَيُخْلِصَ فِي طَاعَتِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى”. [ينظر: “تنبيه الغافلين بأحاديث سيّد الأنبياء والمُرسلين”، المؤلف: أبو الليث السَّمرقنديّ، حققه وعلق عليه: يوسف علي بديوي، الناشر: دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1421ھ – 2000م، ص: (590 – 591)]

آنَ الأوانُ على الحكومة السنغالية أن تقوم بتشييد مخافر الدَّرك في الضَّواحي الشَّاسعةِ المتراميةِ الأطراف في جَميعِ المدن. وعلى رجال الشرطة أن يحرصُوا كل الحرص على إلقاء القبضِ على المُجرمين وقطاع الطرق تأمينا لحَياة الناس. وعلى العُلماء أن يقوموا بدورهِم المنُوط على عاتقهم ألا وهو الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وتَربية النشئ عقلية وجسدية ورحية زَجْرًا وتخوِيفا عَن المُجرمين من عذاب اللهِ العظيم.                    
    وفي خاتمة المطافِ يُمكن القول بأن القتل أنفَى من القتل، فعلينا أن نطبِّق تعاليمَ الإسلام الحنيف في المَحكمات الجنائية لترسيخِ العدالة والأمنِ في مَيدان التحكيم؛ لأننا بأمس الحاجةِ إليها في وقتنَا الحاضِر، وللهِ درُّ الشيخ الخديم – رضي اللهُ عنهُ – حِينَ قال في منظُومتهِ “تَزَوُّدَ الشُّبَّانِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ”:
وَلْتَحْفَظُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ كُلِّ مَا = لِمُسْلِمٍ دَمًا وَمَالًا انْتَمَى

بمرقَم الأخ الحقير سَرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية فِي معهد الخليل الإسلامي وفتح المنان بدار القدوس

مساء الأربعاء ربيع الأول 1441ه‍، نُوفمبر 2019م

الهوامشُ:

1- قال العبد الخديم – رضي الله عنه – وهُو يَكشف النِّقاب عن حُكم مَن يجبُ قتله قتل الحَدِّ ومَن يقتل قتلَ الكُفر في منظومتهِ “تَزود الصِّغار”:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَا = فَرِيضَةٌ قَطْعًا وُقِيتَ اللَّبْسَا
بِالذِّكْرِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ = وَمَنْ يَكُن مِّنْهَا عَلَى امْتِنَاعِ
جَحْدًا لَهَا فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ = فِي الْحُكْمِ يُسْتَتَابُ جِيمَ الْعَدِّ
فَإِنْ يَتُبْ يُتْرَكْ وَإِن لَّمْ يَتُبِ = تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ شَرِيعَةُ النَّبِي
صَلَّىٰ عَلَيْهِ اللهُ بِالسَّلَامِ = فِي آلِهِ وَصَحْبِهِ الْحُكَّامِ
وَلَيْسَ يُغْسَلُ وَلَيْسَ يُكْفَنُ = وَلَا لَهُ الصَّلَاةُ لَيْسَ يُدْفَنُ
فِي الْمُسْلِمِينَ فَالْإِمَامُ يُرْسِلُ = شَخْصًا يُوَارِيهِ وَلَا يُسْتَقْبَلُ
بَيْتُ الْعَلِي بِهِ وَمَالٌ يَحْصُلُ = فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يُجْعَلُ
وَمَنْ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَامْتَنَعْ = مِن فِعْلِهَا وَلَا لَهُ عُذْرٌ يَقَعْ
فَإِنَّهُ مُوَخَّرٌ حَتَّى يَجِي = وَقْتُ الصَّلَاةِ لِقَبُولٍ قَدْ رُجِي
ثُمَّتَ يُومَرُ بِهَا أَوْ تَبْقَى = مِنَ الضَّرُورِي رَكْعَةٌ وَيَبْقَى
مِنْ غَيْرِ مَا فَاتِحَةٍ وَلَا اعْتِدَالْ = لِأَجْلِ صَوْنِ دَمِهِ بِلَا نَكَالْ
فَإِنْ أَبَى قَتَلَهُ ذُو الْأَمْرِ = بِالسَّيْفِ حَدًّا دُونَ قَتْلِ الْكُفْرِ
وَلَوْ تَنَدَّمَ وَقَالَ أَفْعَلُ = لِخَوْفِ مَهْلَكٍ فَلَيْسَ يُقْبَلُ
وَلَا يَلِي صَلَاتَهُ ذُو فَضْلِ = لِكَيْ يَكُونَ زَاجِرًا لِلْمِثْلِ
وَالْقَبْرُ لَا يُطْمَسُ بَلْ يُسَنَّمُ = لِأَنَّهُ عِندَ الشُّيُوخِ مُسْلِمُ
نَصَّ بِذَا الْحُكْمِ الْإِمَامُ الْعَوْفِي = عَلَيْهِِ رِضْوَانُ مُنِيرِ جَوْفِي

وقال – رضي الله عنه – في منظومته “تزود الشُّبان”:
وَتَارِكُ الطُّهْرِ بِغَيْرِ عُذْرِ = يُقْتَلُ حَدًّا دُونَ قَتْلِ كُفْرِ
إِذِ الصَّلَاةُ لَا تَتِمُّ أَبَدَا = إلَّا بِهِ بِذَاكَ وَاجِبًا بَدَا

Leave A Reply