مقال : الشيخ أحمد الصغير لوح رائدا تربويا

0
581

بقلم / مام انجاي لوح طالب في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.


إن من أفضل المهن وأشرفها على وجه الأرض، مهنة التربية والتعليم، ومن أجلها أنزلت الكتب، وأرسل الرسل -عليهم الصلاة والسلام. – وقد منّ الله على عبده الشيخ أحمد الصغير لوح-مؤسس معهد كوكي الإسلامي الحديث-أن يكون من أكبر رواد التربية والتعليم حديثا ، على الصعيدين الإقليمي والعالمي، لما قدّم في هذا المجال من إنجازات عظيمة، ونتائج حسنة، تفوق الخيال، وظلّ هذا المعهد إلى يومنا هذا يقوم بدور رياديّ في بناء إنسان مسلم، صالح، قادر على خدمة دينه ووطنه.
إن ذلك الشيخ الجليل الذي لم يزر دمشق، ولم يدخل القيروان، ثم أحدث في الحقل التّربوي ثورة جديدة لم تكن معروفة في الساحات التربوية لدينا؛ لا شك أنه لرائد تربوي عظيم.
وقد أدرك الشيخ أحمد الصغير لوح -رحمه الله- مبكرا أنه لا سبيل لخدمة البشرية أو صناعة الإنسان المسلم، إلا بتربية إسلامية متوازنة، متكاملة، شاملة ومعتدلة، تعمّ جميع جوانب النمو العقلي، والجسمي للإنسان. وفعلا نجح الشيخ أحمد الصغير لوح في بناء الإنسان المسلم، وفق المنهج الإسلامي الصحيح والسليم؛ بعيدا عن التعصّب، والتمايز في العرق والطبقية؛ وتربيته رحمه الله تعالى تربية يستوي فيها الغنيّ والفقير، ويتحقق فيها أحقية التعلّم للجميع. وذلك ما جعل معهد كوكي الإسلامي أنموذجا شامخا، مثاليا، في التربية والتعليم الإسلامي، إلى يومنا هذا. منذ تأسيسه سنة 1939م. ومن النادر في وقتنا الحالي أن نر مثل هذه المؤسسة العريقة، والثابتة أكثر من ثمانين عاما، في العطاء والإنتاج الفكري والعلمي المستمر.
والذي صنع الفرق بين الشيخ أحمد الصغير لوح وغيره من المربّين، هو المنهج التربوي المنفرد، الذي استخدمه؛ حيث جمع بين الأصالة والحداثة فيه. وكفى بذلك شهيدا حسن مخرجات معهده وجودتها وتنوعها، بما يلبي حاجات المجتمع السنغالي ومتطلباته خاصة، والإسلامي عامة. وقد ترك الشيخ على كثير من الجوانب الحياتية بصمات جلية وواضحة. وعلى سبيل المثال:

  • في مجال التربية والتعليم:
    كان أكبر مهمة للشيخ أحمد الصغير لوح هي صناعة إنسان مسلم، صالح واع، يعرف دينه ويعبد ربّه، ويبرّ بوالديه، ويخدم مجتمعه ووطنه. وتخرّج بين يديه كوكبة من العلماء والحكماء الربانيين الذين أناروا الدّنيا علما وعملا.؛ومن هؤلاء:
    1-الدكتور سرج شام امبي الذي وسعت شهرته في العلم شرقا وغربا. وقد خدم العلم أيما خدمة، وأفنى حياته تعلّما وتعليما.
    2-الشيخ الأستاذ أحمد مبارك لوح مؤسس مدارس منار الهدى في السنغال، الذي صنع العجائب في التربية والتعليم. وتخرّج في مدارسه علماء وخبراء على مستوى الدولة والمجتمع، منهم:
  • الأستاذ الدكتور مغي انجاي رئيس قسم اللغة العربية سابقا في جامعة الشيخ أنت جوب.
  • الدكتورة بلي نيان خريجة جامعة ستراسبورغ ، والأستاذة المساعدة في جامعة دكار .
  • الدكتور والمفتش عبد الأحد لوح مدرس في جامعة الشيخ أنت جوب.
  • المفتش الأستاذ داود امباي.
  • مبارك لوح خبير دولي في الاقتصاد والإحصاء والتنمية .
    وغيرهم من الأساتذة والمفتشين.
    3-الشيخ مختار نار لوح المدير الحالي للمعهد، ويعدّ هذا الرّجل قمة في الإدارة والعمل، سيمته الإنجاز والإبداع، في التربية والتعليم، ومن زار معهد كوكي الإسلامي اليوم يدرك تماما حقيقة هذا الكلام. وليس الشيخ مختار معروفا في المنابر الإعلامية والساحات الاجتماعية. وذلك من صنع الشيخ أحمد الصغير لوح الذي أتقن في تربيته وإعداده لتحمل المسؤولية .
    4- سرج مدكي سك في جنب كجور -رحمه الله – صاحب العلم الغزير والأخلاق النبيلة.
    5- أحمد بار نيانغ مؤسس معهد أحمد الصغير لوح ببون، الذي أسهم فعلا في نشر منهج الشيخ بشكل متطور ومعاصر.
    وفي الجانب الدبلوماسي:
    معالي السفير محمد جوف بن تفسير باب جوف” برجي” الذي عمل مستشارا في وزارة الخارجية السنغالية. كما عمل في كثير من السفارات في الدول العربية. ثم عين سفيرا للسنغال بليبيا عام 2001م. (درامى، جيم عثمان. 2019م).
    وكثير من حاملي شهادات الدكتوراة ؛ منهم:
    -الدكتور عبد الوهاب ندو رحمه الله خريج جامعة السوربون باريس.
    -الدكتور امباي سيسي خريج جامعة السوربون بباريس.
    -الدكتور أحمد نداك لوح مدير الشؤون التعليمية بكلية الدعوة ببير.
  • الدكتور جيم عثمان درامى رئيس قسم الدراسات الإسلامية في المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء ( إيفان ) جامعة الشيخ أنت جوب.
    -الدكتور مصطفى ويال الخبير التربوي المتخصص في المناهج وطرق التدريس، المكوّن حاليا في قسم اللغة العربية بكلية علوم وتقنيات التربية والتكوين بجامعة الشيخ أنت جوب. FASTEF.
    -الدكتور أحمد مختار لوح مدير شؤون التعليم في معهد كوكي الإسلامي، رجل تعرفه ميادين البحث العلمي شرقا وغربا.
    -الدكتور زيد ويال أستاذ مساعد في جامعة زيغينشور، خريج السوربون .
    وغيرهم مما لا يسمح المجال لذكرهم هنا. وزد على ذلك عدد الأساتذة في القطاعات الخاصة والحكومية، وأصحاب المؤسسات التربوية والتعليمية. ومئات الكتاتيب القرآنية والمدارس الإسلامية، على المستوى المحلي والاقليمي، المتفرعة من معهد كوكي الإسلامي. وكذلك كثير من كبار الائمة في المساجد والمؤسسات.
    -الجانب الاقتصادي والمهني:
    لم يكتف الشيخ أحمد الصغير لوح بتكوين الفرد دينيا فقط، بل العكس يجمع بين صناعة الفرد دينيا ودنيويا؛ يعمل لدينه ويخدم لوطنه، لأجل ذلك يوجد كثير من خريجي معهد كوكي الإسلامي بارزون ومتميّزون في المجال الاقتصادي.
    ومن هؤلاء :
    -الحاج جيل امبي ابن الشيخ أحمد الكبير امبي سمي الشيخ أحمد الصغير لوح. هذا الرجل العظيم الذي أسهم في بناء هذا الوطن اقتصاديا وعلميا. أقام كثيرا من الشركات الصناعية، واستثمر في الإنشاءات والعقارات وغيرها، وبنى كثيرا من المدارس والمساجد، والشوارع. وكان من أكبر رجال الأعمال الذين عرفتهم الدولة السنغالية.
    -سرج امبوب المدير العام لشركة CCBM، ورئيس الغرفة التجارية لإقليم كولاك، والذي يعد من أكبر رجال الأعمال والتجار في السنغال، ويوظّف آلافا من أبناء الوطن السنغال.
    -الحاج عبد العزيز سيلا رجل أعمال ومحسن مشهور .
    -الحاج آس ندو رجل أعمال معروف بخدماته .
    وعدد من التجار لا يعد ولا يحصى.
    وما منهج الشيخ أحمد الصغير لوح التربوي لمعالجة التحديات التربية الإسلامية المعاصرة؟
    تمر نظم التربية والتعليم في العالم بمرحلة صعبة للغاية؛ نتيجة التحولات الاجتماعية السريعة، والتطورات التكنولوجية المذهلة التي كسّرت كل الحواجز الايديولوجية، والحدود الجغرافية، وفجرت المعارف والتقنيات التربوية الحديثة. وقد دعت الحاجة إلى معرفة منهج الشيخ أحمد الصغير لوح في التربية والتعليم، ليكون ذلك جزءا من حل تلك المشكلات التربوية.
    والمنهج التربوي للشيخ أحمد الصغير يقوم على عدة مبادئ. وقد ذكرت
    بعضا منها في مقال سابق بعنوان” الفلسفة التقدمية للتعليم عند الشيخ أحمد الصغير لوح”
    1) المتعلم محور عملية التعليم: يتحتّم على المربّي معرفة خصائص ومراحل النمو العقلي والجسمي للمتعلم، والتطورات الطارئة في علم النفس التربوي وعلم نفس النموّ. ويتميز الشيخ باهتمامه الكبير بمعرفة حاجات المتعلم وخصائصه، وميوله وقدراته العقلية والجسمية، فلذلك كان يقدر لكل فرد قدره. ويتواكب مع مستجدات العصر.
    2) المواكبة والتكيف مع مستجدات العصر: فقد كان الشيخ أحمد الصغير لوح مثالا في ذلك ، ويحسن التعامل معها. وقد ذكر (لوح، إبراهيم.2019م،70) مقولة الشيخ ، حيث يقول: “إذا أناحت لك ناقة العصر سنامها لتركب ولم تركب، لدغتك حية الدهر بسمها الناقع ولا تجد من يرقيك منه”. وحقيقة هذا الكلام نعيشها اليوم. ويوجد كثير من المؤسسات التربية والتعليمية يعاني مشكلات تربوية متعلقة بمتغيرات الواقع وتحديات العصر، ولا يحسنون التعامل والتكيف معها.
    3) مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين: أي مراعاة الذكاءات المتعددة، والقدرات العقلية المتفاوتة، بحيث يضع كل متعلم في مكانه المناسب ويقدر قدراته الذهنية والجسدية، ويعني ذلك أنه ما من إنسان إلا وهو يختلف عن غيره في أساليب تربيته وتعليمه.
    4) تحقيق المساواة في أحقية التعلم: أي كانت همته محو الأمية، وإتاحة فرص التعلم للجميع. وذلك لإنقاذ الإنسان وتحقيق الإنسانية عند الفرد المسلم، ولا يقبل التمييز بين الجنسيات والطبقات الاجتماعية بأي حال من الأحوال. وقد ذكر الأخ المفتش (لوح، باي شيخ، 2019م، م اقرأ، ع4) قول الشيخ أحمد الصغير لوح فيمن جاءه لطلب العلم:” اخلع كل تمايز طبقي وطائفي ونسبي جئت به ودعه في الخارج إلى أن تتخرج في المعهد، فتحمله حيث شئت أما هنا فليس مكان تمايز طبقي وطائفي ونسبي…” وهذا هو المبدأ الأساس العجيب والسر الحقيقي، للشيخ، الذي مكنه في النجاح في مشروعه التعليمي والتربوي، وبقاء معهده -زاده الله بقاء- يستمر ما يقارب مائة سنة، تربية، تعليما، تدريسا وتدريبا، لأبناء الوطن والمسلمين.
    5) البعد عن الحزبية والتعصب المذهبي: كل يتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع احترام جميع المذاهب والتوجهات الفكرية المختلفة، ويعطي هذا الأمر فرصة لجميع المسلمين للالتحاق بالمعهد، محافظين على انتماءاتهم العقدية المتباينة، والحياة بكل راحة وأمانة وطمأنينة. ولذلك يقول (درامى، 2019م):” فإن مدرسة ككي عبارة عن ملتقى القبائل، ومختلف الأجناس في أقاليم غرب إفريقيا” وطبعا تلك الميزة الحقيقية التي يعتز بها المعهد.
    6) النشاط شرط لاكتشاف وتنمية مهارات المتعلمين: لذا، كان الشيخ يهتم بكل جوانب المتعلم، ويجمع بين الحفظ والفهم، والعلم ثم العمل، من خلال التفاعل والنشاط التعليمي (الثقافي والمسابقات)، اكتشاف القدرات الموجودة لدى المتعلمين.
    7) التنوع في الأساليب التدريسية: كان يعجبه التنوع في أساليب التدريس، واستخدم لكل موقف ما يصلح له وما يناسبه، ومن أجل ذلك كان طلابه يحبونه حبا جما، لا يملون في مجالسته، ولا يتكاسلون في دروسه. وذكر أحمد مختار لوح في مخطوط له أنه: ” أبدع (الشيخ) طريقة جديدة في التسميع أسماها طريقة الاستماع والاسترجاع والمتابعة، بحيث يبدأ الأول بالتسميع من الأعلى ويتابعه الآخر، مما يسهل على المتأخر مستقبلا حفظ درسه الجديد بسرعة لأنه ألف سماعه وترداده بفعل تلك الطريقة”. فلذلك تكون حاجة المؤسسات التربية إلى معرفة الأساليب، والوسائل والتقنيات التربوية الحديثة لمواجهة هذه التحديات المعاصرة. ولا مفر لنا منها إن لم ندرك ذلك.

ختاما:
علينا معرفة الشيخ أحمد الصغير لوح ومنهجه التربوي، والأساليب التربوية الجميلة التي استخدمها للوصول إلى هذه النتيجة الملموسة. علما بانه ما كان يمتلك إمكانيات مادية، ومباني تحتية تسهّل له الطريقة، وتوفر له الفرص. ولكن إيمانه الصادق، وعزيمته الجادة، وبصيرته التامة في العملية التربوية، منحته هذه النتائج الحسنة. سائلا المولى عزّ وجل له القبول والرحمة وأن يدخله واخوانه وطلابه فسيح جناته. وهو على ذلك قدير.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici