إصدار علمي جديد يبرز عناية أهل التصوف بالمعرفة الشرعية والإنسانية
أصدرت مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام مؤلفًا علميًا جديدًا يحمل عنوان «عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية»، يتضمن أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها المؤسسة بتنسيق مع جامعة السلطان مولاي سليمان بمدينة بني ملال، إحياءً للذكرى الخامسة والخمسين لانتفاضة المناضل الراحل سيدي محمد بصير. ويضم الإصدار باقة من الدراسات والأبحاث التي أنجزها علماء وأكاديميون وباحثون من المغرب وعدد من الدول العربية والإفريقية والأوروبية، بهدف تقديم قراءة علمية للتراث الصوفي وإبراز أبعاده المعرفية والتربوية والحضارية.
ويأتي هذا الكتاب في سياق جهود المؤسسة الرامية إلى خدمة التراث الإسلامي، والمحافظة على الإنتاج العلمي المرتبط بالتصوف السني، وإبراز مكانته في مسيرة الحضارة الإسلامية، من خلال جمع البحوث التي تناولت مختلف جوانب العلاقة بين التصوف والعلوم الشرعية والإنسانية في مؤلف علمي موحد يضع بين أيدي الباحثين والمهتمين مادة علمية موثقة.
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين من مختلف بلدان العالم الإسلامي، إلى جانب مشاركين من أوروبا وإفريقيا، حيث ناقشت مداخلاتهم إسهامات التصوف في خدمة العلوم الإسلامية، وأدواره في التربية والإصلاح الاجتماعي، فضلاً عن حضوره في مجالات الفكر والثقافة والعلوم الإنسانية.
ويبرز الكتاب في خلاصاته أن التصوف السني ظل، عبر مختلف مراحله التاريخية، وثيق الصلة بالعلوم الشرعية، ولم يكن يومًا منفصلًا عنها، بل أسهم في إثرائها وتطويرها. فقد كان لعلمائه دور بارز في خدمة علوم القرآن الكريم وتفسيره، وعلوم الحديث رواية ودراية، والفقه وأصوله، والعقيدة، واللغة العربية، إلى جانب جهودهم في التربية الروحية وتزكية النفوس.
كما يؤكد المؤلف أن العديد من أعلام التصوف جمعوا بين التكوين الشرعي الواسع والتربية الروحية، وتركوا مؤلفات أصبحت من المراجع العلمية المعتمدة، ومن أبرزهم الحارث المحاسبي، والإمام الجنيد، والحكيم الترمذي، وأبو نعيم الأصبهاني، والإمام القشيري، وأبو حامد الغزالي، وعبد القادر الجيلاني، وأحمد زروق، ومولاي العربي الدرقاوي، وابن عجيبة، والمختار السوسي، وغيرهم من العلماء الذين جمعوا بين رسوخ العلم وصفاء السلوك.
ويتناول الكتاب كذلك الجهود التي بذلتها الندوة لتصحيح عدد من التصورات الخاطئة التي ارتبطت بالتصوف خلال العقود الأخيرة، سواء تلك التي حصرت التصوف في بعض الممارسات المنحرفة، أو التي صورته بعيدًا عن المعرفة والبحث العلمي. وتؤكد البحوث أن الوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك، إذ اضطلعت الزوايا والمدارس الصوفية عبر القرون بأدوار رائدة في نشر التعليم، وتخريج العلماء، وإنشاء المكتبات، وخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية.
كما سلطت الدراسات الضوء على العلاقة الوثيقة بين الشريعة والتزكية، مبرزة أن علماء الأمة اعتبروا العلم أساسًا للسلوك القويم، وأن التربية الروحية لا تنفصل عن الالتزام بأحكام الشريعة، وهو ما جعل التصوف السني نموذجًا متوازنًا يجمع بين المعرفة والعمل، وبين الالتزام بالأحكام الشرعية ومقاصدها الأخلاقية والروحية.
ولم تقتصر البحوث على تناول العلوم الشرعية، بل امتدت إلى إبراز إسهامات أهل التصوف في ميادين العلوم الإنسانية، ولا سيما في دراسة النفس الإنسانية، والتربية، والأخلاق، والإصلاح الاجتماعي، وبناء المؤسسات التعليمية والثقافية. وأكدت أن التراث الصوفي قدم تصورات رائدة لفهم الإنسان والمجتمع، وأسهم في ترسيخ منظومة من القيم الأخلاقية التي ما تزال تحتفظ بقدرتها على مواكبة تحديات العصر.
كما وقفت الدراسات عند التحولات التي يعرفها العالم المعاصر، وما يصاحبها من تراجع في منظومة القيم وتصاعد النزعة المادية، معتبرة أن الأزمة الراهنة تتجاوز كونها أزمة معرفة لتصبح أزمة معنى، الأمر الذي يجعل استعادة البعد الأخلاقي والروحي للعلم ضرورة لتحقيق التوازن بين العقل والقلب، وبين المعرفة والسلوك.
وأفرد الكتاب حيزًا مهمًا للتجربة المغربية، مستعرضًا الدور التاريخي الذي قامت به الزوايا في نشر العلم، وتكوين العلماء، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، وصيانة الهوية الدينية والثقافية للمجتمع. وأوضحت البحوث أن هذه المؤسسات لم تكن مجرد فضاءات للتربية الروحية، وإنما شكلت مراكز للتعليم والإصلاح الاجتماعي والإشعاع الثقافي.
وفي الإطار ذاته، خصصت الندوة جانبًا من أعمالها للتعريف بتجربة الزاوية البصيرية، باعتبارها نموذجًا يجمع بين التعليم الشرعي والتربية الروحية وخدمة المجتمع، كما استعرضت المسار العلمي والوطني للمناضل الراحل محمد بصير، الذي جمع بين التكوين الشرعي والثقافة الإنسانية والانخراط في القضايا الوطنية، بوصفه أحد أبناء هذه المدرسة العلمية والتربوية.
وفي تقديمه للكتاب، أكد الشيخ إسماعيل بصير أن هذا الإصدار يمثل حصيلة عمل علمي جماعي، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لصفحة مهمة من تاريخ الأمة الإسلامية، والدعوة إلى قراءة منصفة لتراث التصوف السني، تقوم على التمييز بين أصوله المستندة إلى الكتاب والسنة، وبين الممارسات الدخيلة التي لا تمت إلى حقيقته بصلة.
وأشار كذلك إلى أن المؤلف يروم توفير مرجع علمي موثق للباحثين والمهتمين، وإبراز الإسهام الحضاري لعلماء التصوف في بناء المعرفة الإسلامية، وتعزيز النقاش الأكاديمي حول أدوار الزوايا والمؤسسات العلمية في خدمة الدين والمجتمع.
واختتمت المؤسسة هذا الإصدار بتوجيه الشكر إلى الدكتور عبد المغيث بصير والدكتور الجوهري عبد الحكيم على ما بذلاه من جهود في جمع بحوث الندوة ومراجعتها وإعدادها للنشر، كما نوهت بإسهامات جميع الباحثين المشاركين في إنجاز هذا العمل العلمي، معتبرة أن الكتاب يشكل إضافة نوعية إلى المكتبة الإسلامية، ووثيقة علمية تؤرخ لإحدى أبرز الندوات الدولية التي تناولت علاقة التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية برؤية أكاديمية تجمع بين التوثيق والتحليل وإبراز الأبعاد الحضارية لهذا التراث الإسلامي.