الطريقة المُريدية كبنيةٍ أساسيةٍ في ازدهارِ العلم وتطوُّرِه .

0
                   مقدمة 

إنَّ الطريقة المريدية ذات التأثير الكبير دينيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا في السنغال قد ظهرت في ظل تفكك المجتمع السنغالي وعدم الاستقرار والأمن فيه، وضعف الوازع الديني، وانتشار الصراعات والمجاعات وسعي المحتل لفرض هيمنته وثقافته ودينه فيهِ؛ ومع ذلك كله شهدت في الآونة الأخيرة ازدهارا وارتقاء علميا بجَميع فنُونهِ في عَصر النهضة العلمية للمُريدية.

  • مفهوم الطريقة المريدية: لقد عرَّف الباحثُ الفيلَسُوفُ الشيخُ محمد مُصطفى جُوب الكوكيُّ – حفظه الله تعالى – مفهُوم المُريديةِ بهذا التعريفِ: “حَركةٌ صُوفيةٌ تَجديديةٌ جامِعةٌ”. ويقول المحاضر الكبير والباحثُ الخطير سرين امباكي عبد الرحمان – حفظه اللهُ ورعاهُ -: “إن المريدية دعوة سنية صوفية جامعة، أساسها الإيمان بالتوحيد، والإسلام بالفقه، والإحسان بالتصوف، ووسيلتها التربية الروحية التي ترتكز على العلم النافع والعمل الصالح والأدب المرضي”. [كتاب “الشيخ أحمد بامبا امباكي – رضي الله عنه – عبد الله وخديم رسوله – صلى الله عليه وسلم -“، دراسة تشتمل على سيرته وحياته المباركة، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى: 1444ھ = 2022م، ص: (39)].

وقال الشيخ أحمد امباكي غايندي فاطم – رضي الله عنه -: “المُريدية: طريقَة سُنية، حَقيقةٌ صُوفية، رابِطة ثقافية، هيئة اجتماعية واقتصادية شَرعية”.

ونقولُ إنَّ المُريدية هِي المنهج التربوي الذي أسسه الشيخ الخديم – قدس الله سِرّه – لإحياء الشريعة المطهّرة و السُّنة المُنورة.

أو هي المَنهجُ التربويُّ لتكوين الإنسان جَسديا ورُوحيا، كما شهد بذلك شاهد من أهلها الشيخُ امباكي بوسُو – رضي الله عنه – الذي يقُول في مدح مؤسّسها:
هُو الغوثُ والمغياثُ ربَّى قلُوبنا = وأجسامَنا فالكلُّ صَافٍ وناعمُ

والمُراد بالقَلب هُنا الروحُ.

والمريدية طريقة تجديدية وإصلاحية وصفها نجل المؤسس الشيخ محمد البشير امباكي صاحب المنن بقولهِ: “تقلبٌ كبيرٌ في تجديد الدين وظهورُ طريقةٍ في الإصلاح عظيمة لم يُعرف لها مثيلٌ في قطرها أحدثت دهشةً في القلوب وهزةً في أركان الرياسات”.[ينظر كتاب: “منن الباقي القَديم في سِيرة الشيخ الخَديم”، للمُدقّق الحَصيف الشيخ محمَّد البشير امباكي، بتحقيق الدُّكتور محمَّد شقرون، ومُراجعة: أكاديمية منن الباقي القديم للعلوم الإسلامية، دار المقطَّم للنَّشر والتَّوزيع، الطبعة الثانية بعد التحقيق، 1439ه‍ – 2017م]

  • فحوى الدَّعوة الخديمية: يقُول الشيخُ الخديمُ – رضي الله عنه – فِي قَصيدتهِ المُقيَّدة بـ(اللَّه محمد) مبيِّنا فحوى دَعوتهِ الإصلاحية والتجديديةِ التي تعتمد عَلى توحيد الله تعالى:
    أَدْعُو إِلَى الْإِلَهِ بِالتَّوْحِيدِ = ومَا رَأَيْتُ عَنْهُ مِنْ مَحِيدِ

وقال – رضي الله عنه – في قصيدتهِ المطرزة بـ{أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} وهو يصرّح بأنَّهُ ممن يَدعُونَ النَّاسَ إلى الإقبال عَلى العلم النَّافع، والعِبادة الخالصة:
يَقُولُ أَحْمَدُ إِلَى السَّعَادَهْ = يَدْعُو الْمَلَا بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَهْ

وقال – رضي الله عنهُ – فِي قَصيدة مطرزة بـ”في جُمادى الأولى”:
أدعُو بعِلمٍ مِن جُمادَى الأولى = بِكَ إليكَ حُجَّة دليلاَ

وقال أيضا في قصيدته المطرزة بحروف “الله محمد”مُصرّحا أنّهُ يدعُو إلى مَكارم الأخلاقِ والتَّصوُّف السُّنيِّ:
لِلَّهِ أَدْعُو بِالتَّصَوُّفِ مَعَا = مكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَهْوَ سَمِعَا

وكما قالَ مُوضّحا أنّهُ يدعُو إلى علم الفِقه في قصيدته “الله محمد”:
لِلَّهِ أَدْعُو بِالتَّفَقُّهِ بِلَا = مَيْلٍ لِغَيْرِهِ وَكُلِّي قَبِلَا

إذا أمعنا النَّظر بِدقةٍ وتأنٍ فِي تلكم الأبيات نفهم منها بأنه كان يَدعو النَّاس إلى توحيد الله تعالى الذي كانَ يَعدّه مِن أفضل العلُوم في الإسلام وأشرفِه والأجدَر بِتعلُّمه، وكما يدعُوهم إلى العلم النافع، والعبادة الخالصة، والتصوُّف المجيد ومكارم الأخلاق، وبالجملةِ فَحَقيقةُ دعوته التجديدية الإصلاحية ترتكز على دَعائم مَكارم الأخلاقِ التي تشمل على العِلم النَّافع، والعَمل الصَّالح، والأدب المرضي.

  • فالعلم هو عكس الجهل، ويقصد به: إِدراك الشيء بحقيقته أو نُورٌ يقذفه اللهُ فِي قلب من يُحِبُّ.

وينقسم إلى نوعين، وهما:

1- العلمُ الكسبيُّ: هو العمل الذي يجتهد المرء للحصول عليه.

2- العِلمُ اللَّدُنِّي: العلم الربَّانيّ الذي يصل إلى صاحبه عن طريق الإلهام.

  • اِزْدَهَرَ، يَزْدَهِرُ، مصدر اِزْدِهَارٌ. يُقال: عَرَفَتِ الفُنُونُ ازْدِهَارًا فِي عَهْدِهِ، أي: تَقَدُّمًا، ونُمُوًّا.

والاِزْدهَار العِلْميُّ: تَقَدَّمُ العِلمِ وَاتَّسَاعُ حُقُولِهِ وَمَيَادِينِهِ.

والتَّطَوُّرُ: التَّحَوُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ.

وفي المعجم الوسيط في بيان معنى التَّطَوُّرُ بأنهُ هُو: “التغيّر التدريجيّ الذي يحدث في بِنْيّةِ الكائناتِ الحَيَّةِ وسُلوكِها، ويُطلَقُ أَيضًا على التغيُّرِ التدريجيِّ الذي يحدُثُ في تركيب المجتمع أَو العلاقات أَو النظم أَو القيم السائدة فيه”.

وهذه الحَركة التَّنويرية باب من اليقظة في مَجال العِلم والثقافةِ التي أدت إلى انتشار الإنتاجاتِ العلمية والإصداراتِ المتنوعة التي ترجع إلى عدّة عَوامل ومظاهر.

  • دور الطريقة المُريدية في ازدهارِ العلم وتطوُّرِه: إنّ من المعلوم أنَّ العلمَ مبدء وطيدٌ من مبادئ الطريقة المريدية كالعبادة، والعمل، والخدمة، والمبايعة، والأدب. إن الاجتهاد في طلَب العلمِ له شرفٌ عظيمٌ، وأجرٌ كبيرٌ عند الله عز وجل قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر: 9]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: 11].

وقد حثَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أمتَه على طلب العلم، وبيَّنَ فضلَه وأهميتَه، فقال – صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ». [رواه أبو داود].

وإنَّ التعلمَ في الصغر يعودُ على الناشئةِ بنفعٍ عظيم، وكما يقال: “التَّعلُّمُ في الصغر كالنقش على الحجر”.

والعلمُ النافعُ يثمرُ الخشيةَ والتواضعَ وينفعُ صاحبَه في حياته ويفيدُه بعد مماته، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر: 28]، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له». [صحيح مسلم]

والعلمُ يُسَاهِمُ فِي تَقَدُّمِ حَياةِ الفَردِ والمُجْتَمَعِ، ولذلكَ كان الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – يأمر الناس بطلبه والعمل به، وفي هذا الصدد يقول صاحبُ النفحات: “وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَأْمُرُ [أي الشيخ الخديم] مُرِيدِيهِ بِهِ طَلَبَ الْعِلْمِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ دُونَهُ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى ذَلكَ مِنْ نُصْحِهِ لَهُمْ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ وَالْأَدَب، وَقِلَّةِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَنَحْو ذَلكَ مِمَّا يَجْلُبُ الْخَيْرَ، وَيُبْعِدُ الشَّرَّ، مِن ذلكَ قَوْلُهُ: [من الرجز]
عَلَيْكُمُ بِالْعِلْمِ وَالتَّأَدُّبِ = وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ دُونَ لَعِبِ
اَلْعِلْمُ قَائِدٌ لِمَا يَسُرُّ = وَالْجَهْلُ قَائِدٌ لِـمَا يَضُرُّ
وَعَدَمُ الْأَدَبِ قَائِدٌ إِلَى = بُعْدٍ مِنَ اللهِ الْقَرِيبِ ذِي الإِلَى
وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِالْمَأْمُورِ = بِهِ مِنَ الْقَائِدِ للتَّدْمِيرِ
وَكَثْرَةُ اللَّعِبِ تَحْرِمُ الْخُيُورْ = فَاجْتَهِدُوا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالدُّيُورْ

وَمَنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّمِ مِن الْمُرِيدِينَ لَا يَأْمُرُهُ بِخِدْمَةٍ وَلَا فِعْلِ شَيْءٍ غَيْرَِ الْإِدْمَانِ عَلَى التَّعَلُّمِ”.
[ينظر: النفحات المسكية في السيرة البكية، ص: (6 – 7)] ‏

وقال – رضي الله عنهُ – في بعض وصيته للمتعلقين به:
وَلَازِمُوا تَعَلُّمَ الْعِلْمِ مَعَا = تَلَازُمِ الْعَمَلِ فِيمَا شُرِعَا

وكما قال – رضي الله عنهُ – في ثنايا منظومته “تَزَوُّدَ الشُّبَّانِ
إِلَى اتِّبَاعِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ” وهو يحث المُريد على تعلّم العلوم النافعة:
يَا مَعْشَرَ الشُّبَّانِ إِنْ خِفْتُمْ خَجَلْ = فَقَدِّمُوا تَعَلُّمًا عَلَى عَمَلْ
فَقَدِّمُوا الْعَقَائِدَ السُّنِّيَّهْ = مُجَرَّدَاتٍ عَنْ فِرًى وَمِرْيَهْ
وَبَعْدَهَا الْفِقْهُ وَبَعْدَ ذَيْنِ = عِلْمُ التَّصَوُّفِ الْمُزِيلِ الشَّيْنِ

ولله درُّه – رضي الله عنهُ – حينَ قال فِي منظُومتِه “منور الصُّدور لدى المنَازل وعِند الدُّور”:
هَذَا، وَخَيْرُ الْعِلْمِ يَا ذَوِي الْعُقُولْ = عِلْمٌ مُقَرِّبٌ لِمَنْ مِنْهُ النُّقُولْ
كَالْعَقْدِ وَالْفِقْهِ وَكَالتَّصَوُّفِ = وَكُلّ عِلْمٍ بِمَنَافِعَ يَفِي

وقال – رضي الله عنه – في وصيته لعشيرته الأقربين:
جَمَالُكُمْ عِلْمٌ وَسَعْيٌ وَأَدَبْ = فَلَازِمُوهَا يُنْفَ عَنْكُمُ الْوَدَبْ!!!

ثم يُبيِّن – رضي الله عنهُ – فيها عُلوم الآلات التي ينبغي تعلُّمها:
وَبَعْدَهَا لَا بُدَّ مِنْ آلَاتِ = لِلْبَحْثِ فِي الْحَدِيثِ وَالْآيَاتِ
كَالنَّحْوِ وَالْعَرُوضِ وَالْبَيَانِ = وَلُغَةِ الْعَرَبِ وَالْمَعَانِي
فَسَارِعُوا طُرًّا إِلَى التَّعَلُّمِ = وَجَاهِدُوا النُّفُوسَ بِالتَّفَهُّمِ

وكما كان مؤسِّسُ الطريقةِ المريديَّة يُحذّر أتباعهُ من مغبة إهمال التعلم وقت الصِّغر؛ لأنَّ العلم هو سِلاحُ اليقظان لطرد الجَهل قائلا في منظومته “زاد ذوي التعلُّم” بعد ما بيَّن أحقَّ العلوم بالدراسة:
وَلاَ تُؤَخِّرُوا التَّعَلُّمَ إِلَى = كِبَرِكُمْ فَذَاكَ يَحْرِمُ الْعُلَى 
فَالْمَوْتُ أَقْرَبُ وَأَدْهَى وَأَمَرْ = وَبَغْتَةً يَأْتِي وَمَا عَنْهُ مَفَرْ

وكان يؤمنُ بأن التعلُّم ليس مخصوصا لجنس معيَّن، أو فئة معيَّنة، فقال – رضي الله عنه – وهو يوصي المُريدينَ والمُريداتِ قاطبة بالتعلُّم والتأدب والعمل؛ لأنَّها نُور عَلى نُور ويحذرهم من الكسلِ؛ لأنَّه أصل كلّ فسَاد على وجه الأرضِ:
كُونُوا مَعا فِي العلمِ راغيبنَا = لوجه مَن به يقيمُ الدِّينَا

وقال – رضي الله عنهُ – فِي قصيدة مطرزة بـ(يوم الخميس فِي رجب):
يا أيُّها الجُهّالُ فلتعلَّمُوا = فرائضَ الأعيَانِ ولتَستَسلِمُوا

ولا يُخالجنا أدنى رِيبة فِي أنَّ منهجهُ في الجهادِ كانَ معرُوفا بالجِهاد أو الكِفاحِ السِّلمي بالقلم والفكر بعيدا عن مظاهر العُنف وما يمت إليها بصلة؛ لأنَّهُ علم بأنَّ قُوَّة النَّصارى أشدّ مِن قُوَّته المادية، فسلكَ مسلكَ الجهاد المبنيّ عَلى أساس العِلم والدِّين والتُّقى كما أشار إلى ذلك في قصيدتهِ “يَا جُملةً”:
إِنِّي أُجَاهِدُ بِالْعُلُومِ وَبِالتُّقَى = عَبْدًا خَدِيمًا وَالْمُهَيْمِنُ شَاهِدُ

وقال – عليه أسنى الرضى من الباقي القديم – في بيانِ كيفية حُصول العِلم النَّافع: “إنَّ العلمَ النَّافعَ لا يحُوزه شخصٌ إلا بأربعة أشياء: الإيمانُ، والإسلامُ، والإحسان والدَّوام عَليها”.[المجموعة الكبرى، ص: (478) والمجموعة الصُّغرى، ص: (87 – 88)]

والعلم النافع، هُو: كل علم يقرب من الله سبحانه وتعالى، ويزيد الخشية منه، ويدفع إلى العمل الصالح، ويدخل في هذا العلم الشرعي، والعلوم الأخرى التي تدفع الإنسان إلى التفكير في المخلوقات وإدارك قدرة الله تعالى وبديع صنعه.[ينظر: دراسات إسلامية في التربية وعلم الاجتماع، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية – كلية الدعوة وأصول الدين – لجامعة أم القرى]

إنّ العلمَ النافعَ يجعل الإنسان عَالما مُخلصًا ذات خشية وطاهر القلب من الأكدار كما قال الإمام الغزالي – رحمه الله – في كتابهِ “منهاج العابدين”: “إن العلم النافع يثمر خشيةَ الله ومهابَته، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر: 28]، وذلكَ أن من لم يعرفهُ حقّ معرفته لم يهبه حقَّ مهابتهِ، ولم يعظمه حقّ تعظيمه وحُرمته، فبِالعلم يعرفهُ ويعظّمهُ ويهابه بهِ”.[يُنظر: (منهاج العابدين إلى جنة ربِّ العالمينَ) للإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي – رضي الله عنه -، اعتنى به وحقَّقه أبو سهل نجاح عوض صيام، ط أ، 1438ه‍ – 2017م، دار المقطم للنشر والتوزيع، ص: (30)]

وهو قسم من الأمور كما بين الشيخ الخديم – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال: “الأُمُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْعلْمُ النَّافِعُ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالْآدَابُ الْمَرْضِيَّة. فَالْعِلْمُ النَّافِعُ: يَتَوَلَّدُ مِنْ عِلْمِ عُيُوبِكَ”. [المجموعة الكبرى، ص: (421)]

وقد أبلتِ الطريقة المريدية بالسنغال بَلاء حسنا في ازهار العلم وتطورِّه تطورا سريعًا، حيثُ كرَّس مؤسِّسها الشيخ أحمد الخديم – رضي الله عنهُ – جُهودها المرضية في نشره تأليفا وتصنيفا في فنون علمية مختلفة كالمؤلفات التعليمية، والوصايا الدينية، والقصائد الربانية، والمنثورات، والفتاوى، والرسائل والأمداح والمراثي، وخصَّص جزء كبيرا من عُمره المبارك في تدريس العُلوم ورعاية أهل العلم صغارا وكبارا، وما أحسن قول نجله الحصيف الشيخ محمد البشير امباكي – رضي الله عنه – في هذا السِّياقِ وهو يبيِّن مساندتهُ للمشايخ والعلماء والمؤلفين: “أما المشايخ والعلماء والمؤلفون، فيبذل لهم الأرزاقَ والنفقاتِ الباهظاتِ ليتفرغوا لما هُم في سَبيلهِ من سبيل الرشاد”.[ينظر: المنن المحقق، للشيخ محمد البشير امباكي، بتحقيق د، محمد شقرون، مطبعة المعارف الجديدة، ط1، ج2، ص: (283)]

فلما قضى الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – نحبه سار عَلى خُطاه خِيرُ العُلماء الأجلاء من المريدين في نشر وإحياء العلم وتطويرهِ قديما وحديثا.

  • عوامل ازدهار العلم وتطوُّره في المريدية: استخدمت الطريقة المريدية في مجال ازدهار العلم وتطويره أساليب متنوعة ومؤثرة، ومن أبرزها ما يلي:
  • مساهمة المريدين في مجال التأليف والبحث العلمي:

1- الكتب والمؤلفات؛

إنَّ الكتب التي ألفها العلماء المتأخرون تنصب في مشكاة إحياء التراث المريدي بدراسته وتحقيقه، والقيام بشرح المؤلفات العلمية، والمساهمة في الأدب المريدي، بالإضافة إلى ترجمة الأعلام في الطريقة المريدية.[يراجع: الندوة العلمية التي قامت الرابطة الخديمية للباحثين والدارسين بتنظيمها يوم الخميس 29 من شهر ذي الحجة 1446ھ = 26 يونيو 2025م تحت عنوان “النهضة العلمية لدى الطريقة المريدية: الملامح الاتجاهات والآفاق” في مجمع الشيخ أحمد الخديم بطوبى]

2- إصدار مجلات علمية محكمة مختلفة الأغراض بعضها تابعة لدائرة معينة، أو مدرسة، وأخرى أسرية؛

  • المساهمة في التعليم عن طرق متعددة:

1- طريقة التعليم عن طريق المجالس العلمية كمجلس الشيخ حببب امباكي الإمام، ومجلس سرين محمد دم الجوربلي، ومجلس سرين محمد الأمين جوب الدغاني، ومجلس دار المعارف الإسلامية، وغيرهم؛

2 – طريقة التعليم في المدارس الحديثة كمعهد الدروس الإسلامية للشيخ أحمد امباكي غايندي فاطم، ومؤسسة الأرهز الإسلامية لعمه الشيخ محمد المرتضى امباكي اللذين يعتبران من أبرز رُوَّاد المدراس الحديثة للتعليم العربي الإسلامي في الطريقة المريدية؛

3- مراكز تكوينية كمؤسسة العافية الإسلامية للشيخ المحترم عبد الأحد بوسو عافية، ومعهد الخديمية للتربية والدراسات الإسلامية للشيخ سرين مرتضى طوري؛

4- التعليم عن طريق المحاضرات في المساجد كالمسجد الجامع الكبير بطوبى ومسجد دار المعطي، وفي المكتبات كمكتبة الشيخ الخديم (داري كامل)، والتي تنظم من قِبَل الأكاديميات كأكاديمية منن الباقي القديم أثناءَ شهر رمضان المبارك تلكم المحاضرات التي تنحصر في النقاط الآتية:

1- معالجة موضوعات مهمة في مجالات دينية، واقتصادية، واجتماعية، وصحية، وسياسية، وصوفية، ومريدية، ومتفرقات؛

2- عقد جلسات للفتوى على مذهب المالكية يقوم بها علماء تجتمع فيهم شروط الفتوى وأهلية التدبير.

5- إجراء حلقات علمية تعم العوام والخواص في الإذاعات، والتلفازيات، والقنوات الفضائية؛

6- تنظيم المعارض في بعض المناسبات الدينية، وأيام الاحتفالات لمواليد مشايخ المريدية.

7- تنظيم الأسبوعيات الثقافية بغرض بنشر العلم والمعرفة، والدعوة الخديمية.

إن هذه الأسبوعيات الثقافية المخصّصة للطريقة المريدية ومؤسسها الشيخ أحمد بامبا – رضي الله عنه – في دول المهجر لنشر الفكر المريدي عامل من عوامل ازدهار العلم إذا تمَّ اختيار المشاركين فيها بالكفاءة والعقل الرزين كما حدثتْ في خلافة الشيخ عبد الأحد امباكي – رضي الله عنهُ -.

وقد تم تنظيم أسبوع ثقافي في مدينة فرنسا المنعقد في اليونسكو من 30 يونيو 1979م إلى 7 يوليو 1979م الذي ألقى من خلاله الشيخ مصطفى صالح امباكي خطابا رائعا بمناسبة افتتاحه، وقد قال – رحمه اللهُ -: “فليست الطريقة المريديّة نظاما سياسيّا، أو اقتصاديّا، أو اجتماعيًّا،كما أنّ تعاليمَ الشيخ أحمد بامبا الجليلة، وإرشاداته التربويّة، لم تكن عبارة عن إيدلوجياتٍ، أو نظريّات تهدف إلى تدعيم ذلك النّظام.

وبالتّالي، لم يكُن الشيخ بأي حال من الأحوال ثوريّا ولا اقتصاديّا ولا سياسيّا ولا قوميّا.
فقد جعل الشيخ أحمد بامبا السِّلم سلاحا، والكرم اقتصادا، وعدم الرّغبة إلى السُّلطة سياسة، والمساوات شعارا، والقوميّة سواء البيضاء منها أو السوداء عنصريّة بكلّ ما لها من المعاني”.

والأسبوع الثقافي للشيخ أحمد بامبا المنعقد عام 1977م، والأسبوع المنعقد في اليونسكو 17 – 18 يوليو 2025م الذي قام بتنظميه سرين عبد العزيز امباكي مجالس بالتعاون مع دائرة روض الرياحين، ومجمع الشيخ أحمد الخديم.

8- منازل الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – في أرض المهجر التي لعبت دَورا بَارزا فِي نشر العلم والثقافة والتعاليم الإسلامية بصفة عامة، والمُريدية بصفة خاصَّة وهذا ما يَدفعنا إلى إيراد قول الكاتب الباحث سَرين حمزة جختي – حفظه الله تعالى – في هذا السِّياقِ: “دار الخديم أو منزل سرين طوبى؛ وهي في إطار العمل المريدي قد تحتضن:

  • كتابا قرآنيا؛
  • قصر مؤتمرات تجرى فيه احتفالات دينية وتظاهرات مجتمعية ونشطات ثقافية وعلمية الخ؛
  • نزلا للضيوف والمسافرين وأبناء السبيل. لا بل إن دِيار الخديم إذا جهزت باللوازم يمكن أن تؤدي أدوار تلك المؤسسات المتعددة جميعها: مقر عام، دارة، مركز.. الخ”. [ينظر: الدعوة المريدية في الخارج (عوائق وحُلول) بقلم: حمزة أحمد جختي]

9- تشجيع المشايخ والخلفاء الأجلاء للعلماء على اكتساب العلم، ومساندتهم لهُم في مشوارهم العلمي، وطباعة مؤلفاتهم العلميةِ وعلى رأسِهم الشيخ محمد المنتقى امباكي الذين أسَّس يوما خاصًّا للمشتغلين بالعلم قبل خلافتهِ واجتماعاته مع الشباب المشتغلين به في شهر رمضان تكريما لهم.

10- تأسيس قُرى ومراكز علمية بهدف تعليم الناس أمور دينهم ودُنياهم.

11- الرحلات العلمية خارج الوطن لطلب العلم واكتشاف المعارف الجديدة.

12- تشييد المكتبات العامة التي تعدّ عاملا من عوامل النهضة العلمية للمريدية؛ لأنها مكان للبحث والقراءة وتبادل المعارف ونحوها.

13- المهرجانات والأنشطة الثقافية التي تقوم الدوائر والجمعيات والمؤسسات في الطريقة المريدية بتنظيمها خلال الاحتفالات بالمغال كأنشطة دائرة روض الرياحين، ودائرة أنصار الدين، ومقدمة الخدمة، ودائرة قرة العين.

14- الأمسيات الشعرية.

  • كيفية الحفاظ على هذه النهضة العلمية: إنَّ الحفاظ على النهضة العلمية الملحوظة في أرجاء الطريقة المريدية تقتصر في هذه النقاط الآتية:

1- مساهمة العلماء في تطوير هذه النهضة حسب المقدرات والتخصصات؛

2- وجوبُ حرص الطلاب والأساتذة على اقتناء إنتاجات الباحثين المؤلفين؛

3- الاهتمام بقراءة ودراسة هذه الإنتاجات العلمية والإشادة بمحاسنها؛ لأن البحث العلمي الرَّصين يحتاج إلى نصب متعب ومشقة كبيرة؛

4- تخصيص الخلافة العامة ميزانية خاصة لطباعة هذه الإنتاجات العلمية؛

5- إقامة مطبعات عصرية للنشر والتوزيع، وإنشاء جمعيات تهتم بطباعة مؤلفات المؤلفين مجانا.

إنَّ مِن أهمِّ أدوار أغنياء الطريقة المُريدية المُساهمة فِي نجاح مشروعاتها في مجال التعليم والتربية، والقيام بإنشاء مدارس عِلمية وكتاتيب قرآنية راقية ومَطبعات جيِّدة داخل المدينة، والإنفاق فِي طِباعة كتب الباحثين المُريدينَ بدلا من تبذير أموالهم في الاحتفالات والمهرجاناتِ المُتكرّرة. [ينظر: الإنفاقُ وأثرُه فِي المُجتمع، من محاضرتنا في دار الكريم خلال هذه المُحاضرات الرَّمضانية، 1439 ھ = 2018م، بتصرف يسير]

ومن الجدير بالذكر هُنا أنَّ (favocab) أعني: الاتحاد الخديمي لنشر التراث المريدي هيئة خيرية تابعة للطريقة المريدية تسهر على طباعة ونشر وتوزيع المؤلفات المريدية في مختلف المجالات، وبلغات حية لتعم الفائدة، فالله تعالى ندعو أن يكثر أمثالها حتى تستمرّ هذه النهضة العلمية.

بمرقم الأخ الباحث الفقير إلى الله سرين امباكي جوب خضر الطوبوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي، ومعهد فتح المنان بطوبى دار القُدوسِ، ومعهد الدروس الإسلامية.

حرر يوم السبت 03 من شهر رمضان 1447ھ = 22 فبراير 2026م

الهوامش:

  • نصّ مُساهمتي في المحاضرات الرمضانية التي تنظمها منظمة الأوفياء التابعة لمؤسسة العافية للدراسات الإسلامية في حي البقيع (التسنيم) في اليوم الثالث من شهر رمضان الفضيل 1447 هجري 03 فبراير 2026 ميلادي.
Leave A Reply