في هذا البرنامج الذي نتناول فيه ملفات العمل الخيري والتنموي، ونقربّكم من الشخصيات والمؤسسات التي تعمل في ميدان خدمة المجتمع، والسلك الدبلوماسي في السنغال، نستضيف في الحلقة الأولى من «ضيف دكارنيوز» شخصية لها حضور في مجال العمل الخيري والإنساني في السنغال، وهو الدكتور إبراهيم رشدي، مدير منظمة العطاء في السنغال.
• حضرتكم بعد التحية العطرة، نرحب بكم في هذا الحوار الذي نجريه معكم ، بداية نود أن تعرّف جمهور القراء والمتابعين عن مسيرتكم العلمية و المهنية؟
د. إبراهيم رشدي: أهلاً وسهلاً بكم ولجميع طاقم موقعكم المميز، لقد شرفتمونا باستضافتنا، كما شرفتم مكتب العطاء في السنغال بهذه الفرصة الثمينة للتعرف عنه مؤسستنا وعن مشروعاتنا التنموية.
أنا إبراهيم الرشدي، مصري الجنسية، وُلدت في مصر وأعيش حالياً في دولة السنغال منذ عام 2015.
تلقيت تعليمي بالكامل في مصر، حيث أنهيت المرحلة الجامعية والماجستير في مصر. وبعد عملي في مجال المحاسبة والقطاع المالي، توجهت إلى مجال الإدارة، وحصلت على ماجستير في الإدارة، ثم ماجستير آخر في الإدارة، بالإضافة إلى ماجستير في إدارة المنظمات غير الحكومية أو المنظمات غير الربحية.
بعد ذلك عملت في منظمة الدعوة في السودان، التي أسسها عبد الرحمن سوار الذهب، وهو من الشخصيات التي تركت أثراً كبيراً في حياتي.
ثم انتقلت بعد ذلك إلى السنغال للعمل كمحاسب في منظمة العطاء الخيرية، وذلك من عام 2015 إلى عام 2018. وتدرجت في العمل حتى وصلت إلى منصب رئيس المكتب التنفيذي لمؤسسة العطاء في السنغال منذ عام 2021 وحتى الوقت الحالي.
•كيف كانت بدايتكم مع العمل الإنساني والخيري؟
د. إبراهيم رشدي: كما ذكرت لكم، بدأت علاقتي بالعمل الخيري من خلال دراسة إدارة المنظمات غير الحكومية في الجامعة الإسلامية بالقاهرة، حيث درست مرحلة الماجستير وأنهيتها، والحمد لله.
بعد ذلك أحببت أن أطبق ما تعلمته على أرض الواقع، فالتحقت بالعمل في إحدى المنظمات الدعوية في السودان، خاصة أن لدي منذ البداية حبًا واهتمامًا بالعمل الخيري والإنساني.
•ما الذي دفعكم إلى اختيار هذا المجال تحديدًا؟
د. إبراهيم رشدي: أعتقد أن الأمر يبدأ من شيء داخل الإنسان؛ دافع داخلي يجعلك ترغب في مساعدة الآخرين. وعندما درست هذا المجال، شعرت، مع الأسف الشديد، أن العمل الخيري في بلداننا يعاني أحيانًا من الارتجال، ولا يقوم دائمًا على أسس تنظيمية واضحة. لذلك أحببت أن أدخل من هذا الباب، أي من باب تنظيم العمل الخيري، بحيث يكون العمل مرتبًا ومدروسًا، وليس مجرد تنفيذ أعمال خيرية لا يكون لها أثر واضح ومستدام في المجتمع. كنا نريد أن نقدم عملًا يُحدث تغييرًا حقيقيًا في المجتمع، ويترك أثرًا مستدامًا. ولذلك كان الأمر بالنسبة لي بمثابة تحدٍّ شخصي.
والحمد لله، عندما بدأت في هذا المجال وفقني الله عز وجل، وخاصة من خلال مؤسسة العطاء، التي وفرت لي المناخ المناسب لتطبيق الأفكار والرؤية التي تكونت لدي من خلال دراستي لإدارة المنظمات غير الربحية.
•حدثنا عن تأسيس منظمة العطاء الخيرية في السنغال؟ وما الرسالة الأساسية التي قامت عليها؟

د. إبراهيم رشدي: تأسست منظمة العطاء عام 2012. وكان تأسيسها الأول كشريك لمنظمة قطر الخيرية، وهي مؤسسة دولية عريقة ولها حضور وأثر في العديد من دول العالم.
في ذلك الوقت، لم يكن لدى منظمة قطر الخيرية توجه نحو إنشاء مكاتب ميدانية مباشرة في الدول، ولذلك تأسست العطاء لتكون شريكًا لقطر الخيرية في السنغال.
وكانت، ولا تزال، الشريك الأول والأهم لقطر الخيرية في السنغال تحديدًا. وفي عام 2012 حصلت على الترخيص لمزاولة العمل الخيري من الجهة المختصة بتنظيم العمل الخيري في دولة قطر، بالدوحة.
وبعد ذلك أسسنا مكتبًا في السنغال، وأصبح لهذا المكتب أيضًا امتداد من خلال مكاتب أخرى في غينيا بيساو وغامبيا.
•ما أبرز المجالات التي تعمل فيها منظمة العطاء داخل السنغال؟
د. إبراهيم رشدي: كما قلت لكم، لدينا رؤية واضحة للعمل الخيري. نحن نقسم العمل في كل دولة نعمل فيها إلى قطاعات، وندرس كل قطاع على حدة، لنحدد الاحتياجات ومدى الحاجة إلى التدخل فيه.
فعلى سبيل المثال، قسمنا العمل في السنغال إلى عدة قطاعات أساسية وسأذكرها بالتفصيل:
-القطاع الأول : هو قطاع التعليم والثقافة، ويشمل بناء المساجد، ومراكز تحفيظ القرآن، والمدارس، وكل ما يتعلق بمجال التعليم والثقافة.
-القطاع الثاني: هو قطاع المياه والإصحاح، ويشمل حفر الآبار وإنشاء محطات المياه الصغيرة وغيرها من المشروعات المتعلقة بالمياه.
– القطاع الثالث: فهو قطاع الصحة، وهو قطاع مهم جدًا، ويشمل المراكز الصحية، والقوافل والفرق الطبية، وغيرها من التدخلات الصحية.
ـ القطاع الرابع: هو قطاع الرعاية الاجتماعية، وهو قطاع واسع جدًا ويشمل عددًا كبيرًا من المشروعات. ومن بين ذلك رعاية الأيتام، ورعاية المعلمين، وكفالة المعلمين والدعاة، إضافة إلى المشروعات الموسمية، مثل مناسبة عيد الأضحى وعيد الفطر وشهر رمضان المبارك. كما يشمل هذا القطاع التدخلات الطارئة، مثل تقديم المساعدات للمتضررين من السيول والكوارث.
ولدينا كذلك قطاع مهم جدًا، وهو قطاع التمكين الاقتصادي. وهذا القطاع يشمل عددًا كبيرًا من المشروعات الهادفة إلى مساعدة الأسر والأفراد على تحقيق دخل مستدام.
فعلى سبيل المثال، ننفذ مشروعات مدرة للدخل، وقد قدمنا عددًا كبيرًا منها في السنغال، مثل ماكينات الخياطة، ومشروعات تربية الدواجن، وتربية الماشية، والمشروعات الزراعية وغيرها. ولدينا أيضًا، ضمن قطاع الرعاية الاجتماعية، مشروعات موسمية مثل توزيع السلال الغذائية خلال شهر رمضان.
إذن، يمكن القول إن هذه هي القطاعات الخمسة الأساسية التي نعمل فيها، ولها أيضًا فروع وامتدادات في مختلف مناطق السنغال.
•هل تركز المنظمة على المساعدات العاجلة فقط، أم لديكم أيضًا مشاريع تنموية طويلة المدى؟
د. إبراهيم رشدي: لا، طبعًا لدينا مشروعات تنموية طويلة المدى. وأعتقد أن أي منظمة ناجحة لا بد أن تسير بجناحين: مشروعات تحقق أثرًا على المدى البعيد، إلى جانب مشروعات يكون أثرها سريعًا ومباشرًا. فعلى سبيل المثال، نتدخل لمساعدة المتضررين من السيول خلال مواسم الأمطار، وكذلك في مناسبات مثل عيد الأضحى (تباسكي) وعيد الفطر، من خلال تقديم المساعدات العاجلة للمتضررين والمحتاجين.
•كيف تحددون المناطق والفئات الأكثر احتياجًا للمساعدة؟ هل من خلال إرسال مبعوثين إلى الميدان؟
د. إبراهيم رشدي: الحمد لله، تم تطوير هذا الأمر داخل جمعية العطاء عبر خطوات متعددة، وسأحاول اختصارها. في البداية ركزنا على تحديد المتعاونين والمتطوعين الذين يمكنهم التعاون مع الجمعية في تنفيذ المشروعات على أرض السنغال.
وبفضل الله، ومنذ سنوات طويلة من العمل، استطعنا بناء علاقات جيدة مع مختلف المكونات الموجودة في السنغال، سواء البيوت الدينية أو الجمعيات الأهلية، وكان بابنا مفتوحًا أمام الجميع. هذا الانفتاح مكّننا من تكوين شبكة واسعة من المتطوعين.
وقد نظمنا لهم دورات تدريبية أكثر من مرة حول العمل التطوعي والعمل الخيري وكيفية مساعدة المحتاجين، كما منحنا بعضهم شهادات تثبت مشاركتهم في العمل الخيري بعدد محدد من الساعات. وهذا الأمر يفيد بعض الطلبة الجامعيين الذين يرغبون في اكتساب خبرة من خلال المشاركة في العمل الخيري والمجتمعي.
وبفضل هذه الجهود، استطعنا تكوين شبكة كبيرة من المتطوعين في دكار وأوسوي وبنجونا وغيرها من المناطق، وأصبح لدينا قاعدة بيانات للمتطوعين. فعندما يكون لدينا مشروع في بنجونا مثلًا، نستطيع التواصل مع المتطوعين الموجودين هناك للمساعدة في تنفيذه وهؤلاء المتطوعون والممثلون المحليون يساعدوننا بدورهم في تحديد الاحتياجات الفعلية للمناطق، سواء كانت الحاجة إلى مدارس، أو مراكز لتحفيظ القرآن، أو مساجد، كما يساعدوننا في التواصل مع الجهات الحكومية والإدارية في تلك المناطق.
والمقصود أن تعاوننا مع الشباب السنغالي والمتطوعين المحليين مكّننا من معرفة الاحتياجات الحقيقية للمناطق، كما فتح لنا علاقات واسعة مع مختلف الهيئات الرسمية في الدولة، سواء مع رؤساء البلديات أو حكام الأقاليم والسلطات الإدارية المختلفة
والآن، بالحديث عن العمل الميداني، أنتم تعملون بشكل مباشر مع الفئات المحتاجة.
•ما أبرز الاحتياجات التي تلمسونها اليوم في الميدان؟

د. إبراهيم رشدي: الحقيقة أن الاحتياجات كثيرة جدًا، وأستطيع أن أقول إن السنغال تحتاج إلى جهود كبيرة في مجال العمل الخيري والإنساني.
وهذا لا يعني أن السنغال وحدها تحتاج إلى العمل الخيري بسبب كونها دولة نامية أو ذات اقتصاد محدود؛ فالعمل الخيري موجود أيضًا في الدول المتقدمة، مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، بل توجد فيها منظمات خيرية بأعداد كبيرة جدًا.
ومع ذلك، فإن حجم الاحتياجات في السنغال كبير، وحتى الآن لا تستطيع جميع المنظمات العاملة في البلاد الوصول إلى كل الفئات المحتاجة.
أما أكثر الفئات التي تحتاج إلى المساعدة، فهم أهل المناطق البعيدة المحرومة من الخدمات. والحمد لله، أنا وفريق العمل زرنا غالبية المناطق في السنغال. وكما قلت لكم، زرتها بنفسي، مثل تامباكوندا وكيدغو، وكل هذه الزيارات موثقة في أرشيفنا، إضافة إلى أوسوي، وبنجونا، وسيغنشور، وفوتا، وماتام. والحمد لله، لا أعتقد أن هناك مكانًا في السنغال لم أزره
بل إنني في بعض الزيارات كنت أصطحب معي بعض الأصدقاء السنغاليين، وكانوا يقولون لي: «نحن سنغاليون، لكننا لم نأتِ إلى هذا المكان من قبل». وهذا الأمر كان يفاجئني كثيرًا.
وفي بعض القوافل الطبية التي نظمناها في فوتا أو ماتام، سمعت بأذني من بعض كبار السن كلمات مؤثرة جدًا، إذ قال أحدهم: «والله، لم نرَ زجاجة دواء في حياتنا، وهذه أول مرة نرى فيها زجاجة دواء».
كنا ننظم القوافل الطبية في المناطق البعيدة التي لا توجد فيها مستشفيات أو مراكز صحية، ولا تتوفر فيها الخدمات الطبية الأساسية. وحتى الأطباء يصعب عليهم الوصول إلى هذه المسافات البعيدة وتقديم الخدمات للسكان، ولذلك لا بد من وجود هيئة أو منظمة تتبنى مثل هذه المبادرات.
وسأعرض عليكم تقريرًا عن إحدى هذه القوافل. كنا نأخذ عددًا من الأطباء في حافلة كبيرة، ونوفر معهم ما يكفي من الأدوية والطعام والشراب وكل المستلزمات، ثم نستقر في المنطقة لمدة أسبوع كامل.
وخلال هذه الفترة، كان الأطباء يقدمون الفحوصات الطبية، ويوزعون الأدوية، ويجرون بعض العمليات الجراحية البسيطة، إضافة إلى توعية السكان صحيًا. فقد يكون الشخص مصابًا بارتفاع ضغط الدم أو السكري، لكنه لا يعلم بذلك.
وفي بعض الأحيان، حتى لو لم تقدم له علاجًا مباشرًا، فإن مجرد توعيته بحالته الصحية وتوجيهه إلى ما ينبغي عليه فعله يمثل خدمة كبيرة جدًا، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات الطبية الأساسية.
ومن جانب آخر، لدينا أيضًا مشروعات للرعاية الاجتماعية والمشروعات المدرة للدخل، مثل توفير آلات الخياطة، أو الأدوات والمعدات للأشخاص الذين لديهم مهارات في النجارة أو السباكة وغيرها من المهن، بهدف مساعدتهم على كسب دخل مستدام والاعتماد على أنفسهم.
•بصفتكم مدير منظمة العطاء في السنغال، ما أبرز المشاريع أو المبادرات التي نفذتها المنظمة خلال الفترة الأخيرة؟
د. إبراهيم رشدي: والله، من أبرز الأعمال التي نفذناها خلال الفترة الأخيرة، والتي حظيت بتغطية واسعة في القنوات الرسمية والصحف ووسائل الإعلام الخاصة، تقديم مساعدات ومستلزمات طبية بالتعاون مع وزارة الصحة، وبتمويل من شريكنا «بيت المال الأمريكي».
بدأت الفكرة عندما سمعت عبر الإذاعة أن بعض المراكز الصحية تعاني نقصًا كبيرًا في المستلزمات الطبية اليومية، مثل القطن والشاش والمطهرات وغيرها من المواد البسيطة التي تُستهلك بشكل مستمر.
وبفضل الله، عملنا كفريق في جمعية العطاء على التواصل مع أحد شركائنا الدوليين، وقدمنا له رؤيتنا حول إمكانية المساهمة في معالجة هذا النقص. واستطعنا بالفعل تقديم مساعدات طبية إلى وزارة الصحة السنغالية، وقد تسلمها وزير الصحة بنفسه، الدكتور إبراهيم سي
وسأعرض عليكم التقرير الخاص بهذه المبادرة:
بلغت المساعدات الطبية المقدمة إلى السنغال نحو حاويتين من المستلزمات الطبية، بقيمة 400 مليون فرنك إفريقي، كما قدمنا إلى دولة غامبيا حاوية واحدة من المساعدات الطبية، بقيمة 200 مليون فرنك إفريقي.
وكانت هذه المساعدات مقدمة مجانًا بالكامل، دون أن تتحمل وزارة الصحة أو الحكومة السنغالية أي تكاليف.
• هل هناك مشروع ترك فيكم أثرًا خاصًا، سواء من حيث حجم الاحتياج أو النتائج التي حققها؟
د. إبراهيم رشدي: الحقيقة أن هناك أعمالًا كثيرة تركت في نفسي أثرًا كبيرًا، وهذا كله موثق لدي، وسأعرض عليكم بعض هذه النماذج.

من أكثر القصص التي أثرت فيّ قصة طالبة يتيمة تكفلت بها مؤسسة العطاء، بتمويل من قطر الخيرية، طوال سنوات دراستها، منذ المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية.
وقد واصلت هذه الطالبة دراستها حتى تخرجت من كلية الطب بجامعة الشيخ أنتا جوب
وبعد تخرجها، كانت أمنيتها أن تشارك معنا في القوافل الطبية. وكانت تقول، بحسب تعبيرها، إنها تريد أن «ترد الجميل لجماعة العطاء» من خلال المشاركة في القوافل الطبية
طبعًا، نحن لا نعتبر أن هناك جميلًا يُرَد، فهذا واجبنا، لكنني فرحت جدًا بهذا الشعور؛ أن الإنسان لا يكتفي بالأخذ، وإنما يأخذ ليعطي.
هذه الطالبة علمتني درسًا لن أنساه في حياتي: أن الإنسان لا ينبغي أن يأخذ فقط، بل يأخذ ليعطي.
وهناك مواقف أخرى كثيرة أثرت فينا. ففي بعض المناطق كنا نذهب لإقامة مسجد، فيستقبلنا أهل المكان ويقولون لنا: «والله، نحن ننتظر بناء مسجد في هذا المكان منذ خمسين عامًا، كنا نتمنى أن يُبنى لنا مسجد هنا».
وفي إحدى الجزر التي زرناها، قال لنا أهلها: «أنتم المنظمة الوحيدة التي عبرت البحر ووصلت إلى هذه الجزيرة».
مثل هذه الكلمات والمواقف كانت تترك في نفسي أثرًا كبيرًا جدًا.
ولهذا، أقول دائمًا إنني محظوظ بفريق العمل الذي معي، فهو فريق على قدر كبير من المسؤولية، ويفهم طبيعة العمل الإنساني ويتحمل أعباءه.
لكن في كل عام، لما أتذكر هذه المواقف والقصص التي عشناها مع الناس، أجد نفسي أكثر رغبة في مواصلة العمل والذهاب إلى مناطق جديدة داخل السنغال، لأنني أشعر أن هناك دائمًا أناسًا ينتظرون من يصل إليهم.
• نتحدث الآن عن التحديات. العمل الخيري ليس سهلًا، فما أبرز التحديات التي تواجهها منظمة العطاء الخيرية؟
د. إبراهيم رشدي: التحديات كبيرة جدًا، وهي تحديات محلية ودولية. وسأبدأ معك بالتحديات الدولية.
طبعًا، أنت تعرف أن العمل الخيري ارتبط في بعض الأحيان باتهامات تتعلق بتمويل الإرهاب أو دعم جماعات ومنظمات معينة، وخصوصًا بالنسبة لبعض المؤسسات العربية أو المؤسسات التي يديرها عرب أو مسلمون.
والسنغال، بحكم موقعها الجغرافي، تقع في منطقة تحيط بها دول شهدت بعض الاضطرابات والمشكلات الأمنية، مثل مالي والنيجر وغيرها، كما توجد في المنطقة تنظيمات مختلفة، وهذا يجعل العمل الخيري القادم من بعض الجهات تحت قدر أكبر من الملاحظة والمتابعة.
وهذا بطبيعة الحال يضع علينا ضغطًا كبيرًا، لأننا نحرص دائمًا على أن يكون عملنا واضحًا وشفافًا ومعلنًا.
لكن الحمد لله، هذا الأمر لا يضرنا؛ لأن عملنا واضح وملموس على أرض الواقع، ونحرص على تقديم تقاريرنا في مواعيدها وبالشكل الذي يتوافق مع القوانين والأنظمة المعمول بها في السنغال.
وهذا في حد ذاته تحدٍّ كبير: أن تحافظ دائمًا على وضوح عملك، وأن تتجنب كل ما يمكن أن يسيء إلى سمعة المؤسسة أو يؤثر عليها بشكل سلبي.
ولهذا السبب، نحن نحرص في مختلف أنشطتنا على إشراك الجهات الحكومية، وندعو المؤسسات الرسمية إلى الحضور والمشاركة، كما ندعو البيوت الدينية والجمعيات المحلية والشباب والمتطوعين إلى المشاركة معنا.
فالعمل الخيري لا يقتصر على تنفيذ المشروع فقط، وإنما هناك تحدٍّ دائم يتمثل في تقديم هذا العمل بالشكل الذي يحافظ على الثقة والمصداقية لدى المجتمع والجهات الرسمية في البلد الذي نعمل فيه.
•هل هناك تحديات خاصة بالعمل داخل السنغال؟

د. إبراهيم رشدي: نعم، هناك تحديات خاصة بالعمل الميداني في السنغال، خصوصًا في المناطق النائية.
ففي بعض الأماكن، قد نقرر مثلًا بناء مركز صحي داخل قرية ما، لكننا لا نجد طريقًا مناسبًا تمر عبره السيارات التي تحمل مواد البناء. وقد تضطر الشاحنة إلى الوصول إلى نقطة معينة فقط، ثم نقوم بنقل المواد من هناك بواسطة سيارات صغيرة أو عربات تجرها الخيول أو الدواب حتى تصل إلى مكان المشروع.
هذه تحديات مرتبطة بطبيعة العمل الميداني، وتزداد صعوبتها خلال موسم الأمطار، حيث نواجه مشكلات كثيرة في الوصول إلى بعض المناطق.
لكن، الحمد لله، هناك جانب آخر يخفف كثيرًا من هذه الصعوبات، وهو طبيعة الشعب السنغالي. فالشعب السنغالي شعب ودود ومتعاون ومحب للآخرين وللأجانب بشكل عام، وهذا التعاون يجعل كثيرًا من هذه التحديات أهون علينا.
وأنا دائمًا أفتخر بهذا الأمر. نحن كمسلمين تعلمنا وتربينا على أن العمل الخيري جزء من شخصية المسلم، لكنني لا أحب أن نقول عن هذا العمل إنه عمل إسلامي فقط؛ أنا أراه أولًا وقبل كل شيء عملًا إنسانيًا.
لدينا مثلًا آبار حفرناها في قرى غالبية سكانها من المسيحيين أو من أتباع ديانات أخرى، ولدينا أيضًا أيتام غير مسلمين ضمن برامج الكفالة التي نقدمها، وهم عدد كبير.
لذلك نحن نؤدي عملًا إنسانيًا يستفيد منه الجميع، وإن كان هذا العمل في أصله جزءًا من القيم التي يحث عليها الإسلام. لكنني لا أحب أن يُنظر إليه على أنه عمل مخصص للمسلمين فقط.
• هل لديكم رؤية واضحة جدًا؟

د. إبراهيم رشدي: نعم، رؤيتنا واضحة: الإنسان هو محور العمل، والمساعدة تقدم إلى من يحتاج إليها، بغض النظر عن دينه أو خلفيته.
•كيف تضمنون وصول التبرعات والمساعدات إلى مستحقيها، وما الآليات التي تعتمدونها لتحقيق الشفافية؟
د. إبراهيم رشدي: هذا تحديدًا هو التحدي الذي قصدته عندما تحدثت عن الظروف العالمية والدولية. فأنت مطالب دائمًا بأن تبرز ما يثبت مصداقيتك، وأن توضح أنك اتخذت الإجراءات الصحيحة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
وهذا الأمر يبدأ قبل تنفيذ المشروع ويستمر بعد انتهائه.
قبل تنفيذ أي مشروع، نعتمد على حسن الاختيار والتدقيق. لدينا لجنة مكونة من ثلاثة موظفين سنغاليين، تقوم بدراسة الطلب والتأكد من أن صاحب الطلب يستحق بالفعل المساعدة، سواء كان المشروع يتعلق ببناء مسجد أو حفر بئر أو تنظيم قافلة طبية.
وبالنسبة إلى المستفيدين، يتم فحص المعلومات المتعلقة بهم من خلال مجموعة من الأسئلة والوثائق، والتأكد من بياناتهم الأساسية، مثل مكان السكن ورقم الهوية وغيرها من المعلومات اللازمة للتحقق من استحقاقهم. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فعند انتهاء المشروع، نقوم بإعداد تقارير كاملة عنه ورفعها إلى الجهة المسؤولة عنا في وزارة الداخلية، وهي إدارة المنظمات والشراكات التابعة للوزارة، كما تُرسل نسخة من التقرير إلى السلطة الإدارية المحلية المختصة بالمنطقة التي نُفذ فيها المشروع.
• إلى أي مدى تعتمد منظمة العطاء على الشراكات مع المؤسسات والجمعيات والجهات المانحة؟
د. إبراهيم رشدي: هذا من الأمور التي تميز منظمة العطاء عن كثير من المنظمات الموجودة في السنغال. فبعض المنظمات تعمل لصالح جهة واحدة أو تعتمد على مصدر واحد للتمويل، بينما تتميز منظمة العطاء بوجود عدد كبير من الشراكات الدولية.
لدينا شراكة مع مؤسسة قطر الخيرية، وشراكة مع بيت الزكاة الكويتي، وشراكة مع مؤسسة «ويفا» في ألمانيا، وشراكة مع «إيهاجا» في تركيا، كما لدينا أعمال وشراكات مباشرة مع بيت المال الأمريكي، وشراكة مع منظمة الفردوس في فرنسا.
وقبل يومين أو ثلاثة فقط، كنا ننظم عملية توزيع الأدوات المدرسية على 130 طالبًا وطالبة، بتمويل من مؤسسة الفردوس، والحمد لله كان مشروعًا كبيرًا ومهمًا.
وهذه الشراكات تمنحنا ميزتين أساسيتين:
الأولى هي الاستدامة في العمل؛ فإذا توقفت إحدى المؤسسات عن تنفيذ مشروع أو تمويل نشاط، فلدينا شركاء آخرون يمكننا مواصلة العمل معهم.
والثانية هي تنوع المشاريع؛ لأن تعدد الشركاء يتيح لنا تنفيذ مشروعات مختلفة في مجالات متعددة، بدل أن يقتصر عملنا على مجال واحد.
•حضرتكم ، حدثنا عن خطتكم أو رؤيتكم للمستقبل؛ وما المشاريع التي تطمح منظمة العطاء إلى تنفيذها خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في السنغال؟

د. إبراهيم رشدي: الحمد لله، قطعنا شوطًا كبيرًا في العمل داخل السنغال، وسأعطيكم بعض البيانات والأرقام المكتوبة باللغة العربية والفرنسية للاحتفاظ بها.
لقد أنجزنا، بفضل الله، عددًا كبيرًا من المشاريع. فعلى مستوى المساجد، تجاوز عدد المساجد التي ساهمنا في إنشائها أو تنفيذها 500 مسجد، وعلى مستوى الآبار تجاوز العدد 2000 بئر، بأعماق مختلفة.
أما في مجال الكفالات، فقد كفلنا أكثر من 2200 مستفيد، من بينهم أيتام وأسر ومعلمون وطلاب جامعات وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وبعد هذا العمل الكبير، نطمح في المرحلة المقبلة إلى الانتقال نحو مشاريع ذات أثر أكبر وعلى مستوى أوسع، وربما تنفيذ مشاريع بالتعاون مع الجهات الحكومية.
فعلى سبيل المثال، نطمح إلى إنشاء محطات مياه كبيرة توفر المياه لمنطقة كاملة، بحيث نعالج مشكلة المياه معالجة جذرية، بدل أن نقدم حلًا مؤقتًا يستمر عامًا أو عامين أو ثلاثة.
هذا هو التوجه الذي نعمل عليه الآن: الانتقال من الحلول المؤقتة إلى الحلول المستدامة والجذرية، بحيث يترك المشروع أثرًا طويل المدى ويحل المشكلة من أساسها.
وبإذن الله، عندما يتحقق أحد هذه المشاريع، سأدعوكم لتأتوا وتسجلوا معنا هذه التجربة مرة أخرى.
•في ختام هذا الحوار، نترك لكم الكلمة والرسالة التي تودون توجيهها إلى المتبرعين والشباب وكل من يرغب في المساهمة في خدمة المجتمع.
د. إبراهيم رشدي: طبعًا، كلمتي للشباب بشكل خاص؛ فالشباب هم وقود أي أمة، وبغير هذا الوقود لا تتحرك الأمة ولا تتقدم الدولة خطوة إلى الأمام. وكما أن السيارة تحتاج إلى الوقود حتى تسير، فإن وقود أي أمة وأي دولة هو شبابها.
لذلك لا بد أن يوجه الشباب طاقاتهم نحو كل ما هو مفيد، وكل ما يمكن أن تستفيد منه الدولة والشعب والمجتمع. والعمل الخيري والتطوعي يمثل بابًا مهمًا جدًا لتوجيه هذه الطاقات.
ولو استطعنا توجيه طاقات الشباب نحو العمل الخيري والتطوعي، فأعتقد أننا سنحدث نقلة كبيرة في مجتمعاتنا.
وأذكر، على سبيل المثال، أنني عايشت في ألمانيا تجربة تقوم على تشجيع المواطنين على تخصيص جزء من وقتهم للعمل التطوعي والخيري. ونحن لسنا بحاجة إلى أن نفرض ذلك على الشباب بالإجبار، وإنما يمكننا أن نشجعهم ونفتح أمامهم الأبواب.
فالمنظمات والجمعيات كلها تقريبًا مفتوحة أمام الشباب، وكل منظمة تتمنى أن يكون لديها عدد كبير من المتطوعين الذين يساعدونها في تنفيذ خططها ومشروعاتها التنموية والخيرية.
طبعًا، قد تواجه بعض الشباب مشكلة أن العمل التطوعي لا يوفر مقابلًا ماديًا، أو أن المقابل يكون بسيطًا. لكن إذا لم تكن لدى الإنسان نية صادقة ورغبة حقيقية في تقديم الخير للآخرين، فلن يستطيع الاستمرار في هذا المجال.
•ما كلمتكم الأخيرة؟
د. إبراهيم رشدي: كلمتي الأخيرة هي كلمة شكر أولًا لموقع «دكارنيوز»، وأشكركم على اختيار منظمة العطاء لتكون من أوائل المؤسسات التي تستضيفونها في هذا المسار الذي بدأتموه للتعريف بالمنظمات العاملة في السنغال، إلى جانب أخبار السلك الدبلوماسي الموجود في البلاد.
كما أتوجه بالشكر إلى الشعب السنغالي كله على الترحيب الذي وجدته منظمة العطاء وفريق العمل منذ أن وطئت أقدامنا أرض السنغال.
لقد وجدنا ترحيبًا من الشعب والحكومة والبيوت الدينية، وبصراحة لم نشعر أننا في بلد غريب، بل شعرنا أننا بين أهلنا وفي بلدنا.
والسنغاليون يتميزون بالود وحسن الاستقبال والبشاشة والكرم، وبما يمكن أن نسميه «ترانغا» السنغالية الأصيلة.
وهذه الكلمات لا تعبر إلا عن جزء قليل مما في قلبي تجاه السنغال وشعبها.
شكرًا لكم.
•نحن أيضا سعداء بهذا الحوار الماتع، ونشكر جميع متابعي موقع دكارنيوز، ونضرب لكم بإذن الله، بمواعيد قادمة مع شخصيات أخرى في مجال العمل الخيري والإنساني، وكذلك مع شخصيات من السلك الدبلوماسي العربي في السنغال.
شكرا لكم على حسن المتابعة!






Leave a Reply
You must be logged in to post a comment.