حجُّ بيت الله الحرام من أعظم شَعائر الإسلام، فهو أحد أركانه. ومِن وراء تشريعه على هذه الأمة مَغزى نبيل وأهداف سامية، ولما أذِن ربنا لعبده ورسوله إبراهيم -عليه السلام- بنداء الناس إلى القيام بهذه الشعيرة عقَّب ذلك: {ليَشْهَدُوا منافعَ لهم ويذكرُوا اسمَ الله في أيامٍ معلوماتٍ على ما رزَقَهم من بهيمة الأنعام…}، وقد جاءت لفظةُ (منافع) منكرة ما يعني أن هذه المنافع أصناف شتَّى وأطياف متنوعة. هذا، فإن مقاصد الحج منها دينية، واجتماعية، واقتصادية…، ومرجع هذه كلها إلى المقصد الأول وهو الدين وإظهار جمالياته. فإذا كان الحج لَهجتِ الألسن بذكر الله ودعائه بألسن مختلفة، واجتهد المجتهدون بعبادة ربهم، واستبقوا إلى الخيرات، وتابوا من العَثرات، وقاموا بالقُرُبات، وابتعدوا عما يُوقِع في الهَفوات والزَّلات، وقد علمنا رسولنا المصطفى ﷺ على أن ربنا عزَّ وجل لم يُعبد بأيام أحبَّ إليه في هذه الأيام (العشر الأوائل من ذي الحجة)، فهم لذلك يتقربون إليه زُلفى، فهذا في الحقيقة فعل الكيس العاقل الذي يعرف كيف يغتنم الفُرص ولا يفوتها أبدا. فهؤلاء إذا كان يومُ عرفة باهى الله بهم ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فلا تظن أن هذا التَّباهي مقصور لمن يقف بعرفة في مكة ففضل الله أوسع من ذلك، فإذا لم تقف بعرفة ولكن لم تُجاوز حدود الله كنتَ مثلَ الواقفين بعرفة. وإذا كان الحج انعكست جماليات هذا الدين في الناس، فلون الأبيض يطغى على كل الألوان، فالأبيض نقاء وطهارة، فكما تُدنس البقعة السوداء الثوب الأبيض فكذلك الذنوب والمعاصي، والأمر أن المسلم مندوب إلى تعهُّد العضو الداخلي فيه (قلبه)، بالإنابة إلى الله، وكثرة الذكر، وتذكر يوم الرحيل. وإذا كان الحج خصوصا يومُ عرفة… لا عِرق، ولا لون، ولا إقليم، ولا مذهب… وغيرها هي المُعتبرة، فعقيدة كل هذه الجُموع الغفيرة واحدة، وقِبلتها واحدة، ومعبودها واحد، هذا ما يريد الإسلام تجسيده، هذا هو المقصد الأعظم في الحَج… أي كأن يوم عرفة، ذكرى للمسلمين بضرورة الترافق لا التفارق، دعوة إلى توحيد الصفوف لا خَرقها، انتداب إلى السعي في التعاون فيما اتفقنا عليه، ونبذ الخلاف والشِّقاق… الحج هدية ثمينة خَوَّلها الله للمسلمين، وعليهم استثمار هذه الهدية وعدم تضييعها، واستثمار هذه الهدية يعني التفكير في عَائدات توحيد الكلمة، ووحدة الهدف، وما يجنيه العكس من تفرُّق وثُبور وهلاك، وفي ظني أن الله لم يدعُ المسلمين تاركين ديارهم النائية، ويقطعون كيلوميرات عديدة، ويتكلفون رَهقا وعَياء، إلى البلاد المقدسة للقيام بشعائر الحج فحسب، لكن ما وراء هذا التجَمُّع وما يعكسه من جلال وجمال، الجلال لأن للإسلام هيبةً يُخشى من أجلها، وجمال لما لتعاليمه من شمولية وتغطية لحاجة البشر عبر العصور والأزمنة، واختلاف البِقَاع والأمكنة. تذكير دعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
يكتمل وصول 2 مليون حاج بمشعر عرفات في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وهم يتقاطرون إليه في زمان واحد لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى؛ لأداء ركن الحج الأعظم، وهو الوقوف على صعيد عرفة الطاهر، ومن فاته عرفة فاته الحج.
والحجاج يأتون إلى هذه البقعة الطاهرة وقد اشرأبت أعناقهم، وتوحدت قلوبهم، في مشهد إيماني مهيب، ملبين لله تعالى، رافعين أكف الضراعة إليه عز وجل، طالبين المغفرة والرحمة، والأمل يحدوهم أن يغفر لهم، ويعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، حيث يصلون الظهر والعصر قصراً وجمعاً بأذان وإقامتين، ويدعون بما تيسر لهم تأسياً واقتداءً بسنة خير البشر سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام.
ويباهي رب العالمين بأهل عرفات أهل السماء، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: « إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعثًا غُبرًا ».
أين يقع عرفات
عرفات المشعر الوحيد من مشاعر الحج الذي يقع خارج الحرم، وهو عبارة عن سهل منبسط به جبل عرفات المسمى بجبل الرحمة، الذي يبلغ ارتفاعه (30) متراً، ويمكن الوصول إلى قمته عبر (91) درجة، وبوسطه شاخص طوله (4) أمتار ، فيما يحيط بعرفات قوس من الجبال ووتره وادي عرنة، ويقع على الطريق بين مكة المكرمة والطائف شرق مكة بنحو (15)كيلو مترًا وعلى بعد (10) كيلومترات من مشعر منى و(6) كيلومترات من المزدلفة بمساحة تقدر بـ (10,4) كيلومتر مربع.
وبعرفة جبلها المشهور وهو أكمة صغيرة يصعد عليها بعض الحجاج يوم الوقوف وليس الوقوف على الجبل خاصة من واجبات الحج لقوله صلى الله عليه وسلم: « وقفت ها هنا بعرفة وعرفة كلها موقف ».
فضل يوم عرفة:
وليوم عرفة فضل عظيم، إذ ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يوم عرفة هو أفضل يوم عند الله، وذلك في الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه عن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم: « ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير يوما أكثر عتقا من النار من يوم عرفة ». وبعرفة نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ».
تطوير جبل الرحمة :
وشهدت المناطق المجاورة لجبل الرحمة في حج هذا العام 1443هـ إطلاق مشروع تطوير وتحسين المناطق المجاورة لجبل الرحمة، وذلك ضمن مبادرة معالجة التشوه البصري بالمشاعر المقدسة، سعياً للارتقاء بالخدمات والمرافق لتجويد الخدمة المقدمة لمرتادي المنطقة المحيطة بجبل الرحمة طوال العام، بشكل يتواكب مع متطلبات العصر.
ويحتوي المشروع على حزمة من الخدمات التي سترتقي بالمكان وتجعله أكثر راحة، إذ تبلغ مساحته 200 ألف متر مربع، وإنشاء مواقف عامة للباصات وأخرى لسيارات الزائرين، وتطوير دورات المياه الحالية، وإنشاء دورات مياه جديدة، إلى جانب إنارة الجبل والمنطقة المحيطة به، وتطوير وتحسين أعمدة تلطيف المناخ ومشارب المياه.
كما سيوفر المشروع مناطق خضراء وجلسات ومساحات لرياضة المشي، إضافة لنقاط بيع مطاعم وكافيهات، وعمل منظومة إرشادية، ومنصات لقنوات التلفزيون، وإنشاء أبراج مراقبة أمنية، وتجهيز مواقع مخصصة للجهات الحكومية التي تخدم الحاج والزائر.
تلقى المندوب العام للحج سعادة الدكتور أبوبكر سار معلومات عن وفاة حاج سنغالي في المرحلة الأولى من المدينة المنورة. ووفقًا لما ذكرته جريدة Le Soleil،كما تم الإعلان عن وفاة ثانية قبل تأكيد هويتها . وتعرضت السيدة لحادث مميت على طريق سريع قريب من الكعبة.
هذا وتم تسجيل الوفاة الثالثة أثناء زيارة المواقع المختلفة للإقامة، وفقًا لتوضيحات القنصلية العامة في جدة، سعادة السيد شيخنا بارا فاضل مباكي. وهي سيدة أخرى .
قدم السفير السنغالي في المملكة العربية السعودية، سعادة ممادو صل، تعازي الرئيس ماكي صال للحجاج وللعائلات المنكوبة، وللشعب السنغالي.
بعد بضعة أيام قضاها الحجاج السنغاليون بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، وصلوا إلى منى أمس لبدء أعمال الحج في يوم التروية ، و يستعدون بعد ساعات قليلة من الوقوف على صعيد عرفات نهار غد الثلاثاء.
نظمت جمعية المركز الثقافي المغربي – بيت المغرب في القدس، بشراكة مع جامعة القدس، أول أمس، في مقر الجامعة ندوة متخصصة في موضوع « بين المغرب والقدس: تقاطعات التجربة المغربية والفلسطينية في حماية العمارة الأثرية وصيانتها »، بمشاركة خبراء مغاربة وفلسطينيين.
وفي كلمة بالمناسبة، أشاد رئيس جامعة القدس، عماد أبو كشك، بالاهتمام الخاص الذي يوليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، لتاريخ المدينة والحفاظ على آثارها من الاندثار والضياع في ظل الظروف المحيطة بها.
ونوه أبو كشك بتميز المغرب عالميا من خلال اهتمامه العلمي والمدروس بالآثار وترميمها، معبرا عن أمله في أن يتواصل تبادل الخبرات في هذا المجال بين الباحثين والأكاديميين في المغرب وجامعة القدس بما يعود بالفائدة على طلاب كلية الهندسة بشكل خاص.
من جهته، أكد سفير المملكة المغربية لدى دولة فلسطين، عبد الرحيم مزيان، على أن وجود الوفد المغربي في حرم جامعة القدس يأتي في سياق « اهتمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس بفلسطين وبالأخص منها القدس، من خلال إشرافه الشخصي على عمل وكالة بيت مال القدس الشريف، متمنيا أن يثمر اللقاء بين المهندسين والخبراء المغاربة والفلسطينيين عن مشاريع مستقبلية واعدة ».
من جانبه، أكد منسق برامج ومشاريع الوكالة في القدس، إسماعيل الرملي، على استمرار الوكالة في أداء واجبها، في إطار اختصاصاتها، وضمن الإمكانيات المتاحة، في الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية لمدينة القدس.
وتابع أن زيارة وفد المهندسين والخبراء المغاربة في مجال صيانة العمارة الأثرية، بدعم من الوكالة يأتي ضمن اهتمامها بالبرامج والمشاريع الملموسة التي يعود أثرها على إخواننا المقدسيين، في المجالات الاجتماعية المختلفة، مشيرا إلى أن هذه الزيارة ومثيلاتها في أوقات سابقة تهدف إلى تجويد عمل الوكالة وتحقيق ملامسته الواقعية لهموم الساكنة المقدسية.
ويزور وفد مغربي يضم مهندسين وخبراء متخصصين في ترميم المباني الأثرية وصيانة المعمار التاريخي، القدس، إلى غاية يوم الاثنين المقبل، ويضم على الخصوص مدير وكالة رد الاعتبار لمدينة فاس، فؤاد السرغيني، والمدير الوطني لبرنامج التثمين المستدام للقصور والقصبات بالمغرب، بوعزة بركة، ومدير مركز ترميم وتوظيف التراث المعماري بالمناطق الأطلسية، محمد بوصالح، ورئيس الهيئة الجهوية للمهندسين المعماريين لفاس، كريم السعدي، إضافة إلى الخبير في مجال التراث، عبد الله العلوي، خبير الفنون والتراث الفني، شكري بن تاويت.
وتضمنت مشاركة الوفد المغربي في الندوة مداخلة حول أهمية الحفاظ على التراث المعماري والعمراني في التنمية الاقتصادية والاجتماعية – مدينة فاس نموذجا، قدمها الأستاذ فؤاد السرغيني، ومداخلة حول موضوع « إحياء نسيج معماري مقاوم ومستدام: القصور والقصبات بالمغرب نموذجا »، قدمها السيد بوعزة بركة، فيما تحدث السيد محمد بوصالح عن تجربة « مركز ترميم وتوظيف التراث المعماري بالمناطق الأطلسية » في إعادة الاعتبار وتثمين المواقع والمعالم الاستثنائية في المملكة المغربية.
كما شارك في أشغال الندوة من دائرة الهندسة المعمارية في جامعة القدس الأساتذة عبد الرحمن الكالوتي، بمداخلة تحت عنوان « عن الموروث الثقافي: توجه فعال باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي »، ومها السمان بمداخلة في موضوع » الحداثة والموروث الثقافي في مدينة القدس: بين الصمود وفرص الحفاظ المعماري »، وعمر يوسف، الذي تحدث عن « تحديات ترميم وتأهيل السكن في البلدة القديمة من القدس ».
وضمن برنامج زيارته، قام الوفد بجولة في مرافق جامعة القدس تعرف خلالها على تاريخها وتأسيسها، وظروف عملها، كما اطلع على المستوى العلمي والأكاديمي العالي الذي تنتهجه، في تقديم رسالتها التعليمية، والمسؤولية المجتمعية التي تضطلع بها تجاه المدينة المقدسة وأهلها.
والتقى الوفد المغربي بعدد من نواب رئيس الجامعة وباحثين وأكاديميين من كلية الهندسة المعمارية، حيث تحدث رئيس الوفد، السيد فؤاد السرغيني، عن وكالة بيت مال القدس الشريف وظروف نشأتها والأهداف المتوخاة من تأسيسها والتي تتركز في حماية الحقوق العربية والإسلامية في مدينة القدس وتعزيز صمود أهلها، وفقا لتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، منوها بالأنشطة والبرامج التي تنفذها في المدينة المقدسة.
بدورها عقبت رئيسة دائرة الهندسة المعمارية بجامعة القدس، الدكتورة يارا سيفي، على كلمة رئيس الوفد المغربي، إذ أشارت إلى أن الجامعة أشرفت على العديد من مشاريع الترميم التي قامت بها وكالة بيت مال القدس الشريف في عدة مواقع في المدينة المقدسة، مؤكدة أنها مظلة للحفاظ على إرث المدينة وتثبيت الوجود الفلسطيني بها.
إلى ذلك، ثمّن الدكتور حسن دويك، النائب التنفيذي في الجامعة، هذه الزيارة وأكد على أهميتها خاصة في الظرفية الحالية التي تمر منها المدينة المقدسة.
بالمناسبة كنتُ وقتَئذٍ مراهقًا مثقلًا بأعباء الدّروس، جاهلًا عن ألاعيب السّياسة وقاذوراتها، ولم أكن أفهم ممّا يجري سوى قلةٍ قليلةٍ لا تخلو غالبًا من الضّباب، ومع ذلك أتذكّر فرحتي العارمة بخروج الشّعب وغضبه، وإعجابي العظيم بردّة فعل النّائب ( شيخ بمپ جي ) الذّي قيّد يديه في بوّابة مجلس الشّعب، والمحامي ( الحاج جوف ) و العظيم المرحوم ( سيدي الأمين انياس ) كما أتذكّر غضبي العارم تجاه الرّئيس السّابق وحكومته ومناصريه جميعًا، بالطّبع كان هذا الميل العاطفيّ تابعًا للموقف الجماعيّ الضّاغط، ولم يكن اختيارًا مستقلًّا منّي بكلّ صراحةٍ !
بالعودة إلى الأحداث :
صحيحٌ أن أحداث 23 يونيو 2011 مهّدتْ بشكلٍ مباشرٍ لإسقاط حكومة الحزب الديمقراطى، والإطاحة بالجدّ عبد اللّه وادّ، وإفشال المشروع القانونيّ الخبيث الذي أرادت الأغلبيّةُ الميكانيكيّة إقرارها في البرلمان، ولكنّها في نظري لم تكن تحرّكاتٍ واعيةً مدروسةً بدقّةٍ مسبقًا، ولم تسع للوصول إلى حلٍّ شاملٍ يحفظُ للمؤسّسات الوطنيّة هيبتَها واحترامها، بل كانت تهدف فقط إلى التّخلّص من الجدّ ونظامه، الأمر الّذي جرّنا للوقوع في فخّ بديلٍ أسوأَ بكثيرٍ ممّا كنّا نفرُّ منه، ولذلك لم يستفد من ثمار ذلك اليوم التّاريخيّ إلّا بعضُ السّاسة الانتهازيّين الوصوليّين الذين عبروا عبر استغلال غضب الشّعب الهائج إلى القصر، فنسوا معاناتَه، وجوعه، وفقره، ومرضه، وجهله، وجميع المشاكل الّتي للتخلّص من وادّ، وبالتّالي تقاسموا الكعكة فيما بينهم بلا حياءٍ زاجرٍ، وبلا ضميرٍ رادعٍ، وهذا مع الأسف الشّديد خيانةٌ كبيرةٌ للأرواح الّتي ضحّتْ بنفسها وخلّفت حياتها في وسط تلك الأحداث، فداءً للوطن، إنّ أقبح ما في السّياسيّ بصفّةٍ عامّةٍ أنّه لا يحترم النّفس البشريّة، ولا يكترث بحياتها، فقد يستميتُ شعبٌ بكامله في سبيل قضيّةٍ مصيريّةٍ عنده، فيتظاهر هو أنّه مع الشّعب فيما يناضل من أجله، وأنّه سيكون خادمًا مخلصًا له عند ما يختاره ويأتمنه ببلده، ويومه، وغده، ولكن سرعان ما تُغيّره مكيِّفات القصر تغييرًا جذريًّا، يعطيه وجهًا غير وجهه، وكلمةً غير كلمته، وقناعةً غير قناعته، وموقفًا غير موقفه أمس، حتّى إنّك لتكاد تشكّ فيما إذا كان هذا المخلوق الجديد، هو الّذي كان معك في ميادين الاحتجاجات، وأمام الغازات المسيلة للدّموع، ثائرًا، مناضلًا، أم أنّه قردٌ عائثٌ أعمى أصمّ، انفلت لتوّه من غابات كيدغو، فسلّطه اللّه على أرواحنا وأملاكنا ومواردنا، يعبث فيها كما يشتهي، ويلهو بها كما يهوى، وإذا شكونا أو بكينا، أو قلنا كفى عبثًا وفسادًا، فهو لا يشعر ولا يأبأ، لأنّه محرومٌ من حاسّة السّمع والبصر، أظنّ أنّ السّاسة الّذين كانوا يدافعون بشراسةٍ عن المشروع القانونيّ لوادّ، والّذين لو تمّ مرادُهم لمرّروا المشروع بأيّة طريقةٍ للبقاء في الحكم، يسخرون الآن من سذاجة الشّعب بعد أن لجأوا في مخيّمات النّظام الحاليّ، يستمتعون بنعمه، وينهبون خيراته بكلّ وقاحةٍ، إنّنا نتحدّث عن الثّورة، ونهوى خوض مغامراتها بكلّ حماسةٍ، إلّا أنّ أنّها قد تصبح مصيبةً لا تبقي ولا تذر إن تولّدت من رحم التهوّر والعشوائيّة، ولو أنّ 23 يونيو حقّق ما يكفي من النّتائج الجيّدة، مقارنةً بالثّمن الباهظ الّذي كلّفه لنا من الضّحايا الإنسانيّة، لما كانت مؤسّساتنا إلى اليوم تعاني من سرطانٍ مضنٍ، جعلها بلا قيمةٍ وبلا معنًى، وإنّ من أبسط الأبجديّات المعروفة لدى الجميع أنّ الدّولة لن تكون دولةً ذاتَ قيمةٍ في ظلّ مؤسّساتٍ متعفّنةٍ، ليس لها ركنٌ متينٌ ولا سندٌ قويٌّ، وإذنْ فلا خروجَ مفيدٌ ما لم ينجح في تثبيت المؤسّسات، وتحصين الدّستور، أقصدُ دستورًا ينبع من معين ديننا، وعاداتنا، وثقافتنا، حتّى لا يخطر في بال أحدٍ التّلاعب به، أو العبث فيه، لأيّ غرضٍ سياسيٍّ تافهٍ، وإلّا فإنّنا سنستمرّ في كلّ نظامٍ قادمٍ بتقديم أرواح الشّباب قرابين، ولكن بلا فائدة وبلا مقابل، وربّما مشروع باستيف الّذي يحظى بشعبيّةٍ خارقةٍ في أوساط الشباب، بقيادة الزّعيم الشّاب عثمان سونكو سيساهم في إعادة شيءٍ من الأمل المفقود، إن قُدر له الوصول إلى أروقة القصر، حيث يُصنع القرار . !
في هذه الحلقة من مذكرات « السنغال في القلب »، يتطرق الرئيس السنغالي ماكي صال إلى الاستثمار في المجال الرقمي ومجال الألياف البصرية بهدف خفض تكاليف الاتِّصال بالإنترنت، وإحداث برنامج يُسمَّى »السِّنِغال الرَّقميُّ في 2025 ».
يقول صال انه منذ بداية حكمه لم يتعرض في السنغال أي صحافي للسجن أو الادانة من الدولة بسبب أفكاره وآرائه، مشيرا إلى أن بلاده تستثمر كثيرا في مجال التعليم، وأنه يؤمن بأن التخلف ليس قدرًا.
في ما يلي الحلقة العاشرة.
السِّنِغال 2.0
إنَّ أنظمةَ المعلومات والتِّقنيات الجديدة والطَّرفيَّات الحاسوبيَّة والرَّقميَّات، أصبحت من الأمور المهمَّة جدَّاً في دنيانا المُعولَمة. فالرَّقميَّات هي قبل كلِّ شيء، الشَّبكات والطَّرفيَّات الحاسوبيَّة وأجهزة الكومبيوتر والهواتف الذَّكيَّة.
إنَّ السِّنِغال استثمر مُبكِّراً في مجال الألياف البصريَّة. نحن مرتبطون بثلاثة كابلات بحريَّة، بمعدَّل مسافة 4500 كيلومتر، ونحن مُتقدِّمون جدَّاً في مجال الرَّبط بالشَّبكة.
من الأمور الَّتي نُراهن عليها الآن تخفيضُ تكاليف الاتِّصال بالإنترنت، والعمل للوصولِ إلى هذا مع الشَّركات العاملة في المجال.
هناك أنواع مجَّانيَّة من الاتِّصال بالإنترنت في المدارس. كلُّ المدارس الثَّانويَّة في البلد مُزوَّدة بأجهزة اتِّصال مجَّانيَّة. هناك مُورِّدون للخدمات مُستعدُّون للرَّفع مِن مستوى النَّفاذ إلى الإنترنت.
في إطار خطَّة السِّنِغال الرَّقميَّة، سنصل إلى ربطِ كافَّة البلديَّات في الأقاليم والعاصمة بالإنترنت مع الأماكن الأكثر بُعداً وعُزلة.
السنغال الرقمي في 2025
تمَّ إحداث برنامج يُسمَّى »السِّنِغال الرَّقميُّ في 2025″. ويهدف إلى توفير مِنصَّة حاسوبيَّة. ويمكن لأصحاب هذه البرامج أن يهتمُّوا بهذا الأمر، وخاصَّةً الشَّركات النَّاشئة العاملة في مجال الزِّراعة والتَّعليم والأمن.
إنَّ الشَّباب السِّنِغاليِّين مُبتكرون جدَّاً. وأنا سأعمل ما في وسعي ليحصلوا على القروضِ اللَّازمة لتطويرِ أعمالهم. نحن الآن مِن بين الدُّول الأكثر تقدُّماً مع رواندا، الَّتي تُعتبر دولة أصغر مِنَّا، ولكنَّها بسبب قيادتها في هذا المجال، تستطيع جمعها بسرعة.
إنَّ إفريقيا، لا يمكنها أن تكون في معزلٍ عن ثورة الاتِّصال الَّتي تُسمَّى »الثَّورة الرَّابعة ». إنَّنا تخلَّفنَا عن ركبِ الثَّورة الصِّناعيَّة في القرن التَّاسع عشر, ولا نزال نعاني من آثارِ هذا التَّخلُّف. والأمرُ يتعلَّق الآن بالحصول على المعارف العصريَّة، والوصول إلى شبكات التَّواصل الاجتماعيِّ وبنك المعلومات، ومحتوى شركاتِ نقل المعلومات الهائلة وشبكات الإنترنت.
في هذا المجال، يُعاني الأفارقة مِن التَّأخُّر في الوسائل التِّقنيَّة الحديثة للاتِّصال.
إنَّني عقدتُ العزمَ على أن يصلَ الشَّباب السِّنِغاليُّون، في المستقبل القريب، إلى مستوى الدُّول الَّتي تُشكِّل مرجعيَّات عالميَّة في هذا المجال.
جائزة عالمية في الابتكار
ليس مِن قبيل الصُّدفة أن يتمكَّنَ شباب من جامعة زيغنشور من الفوز بجائزة عالميَّة في مجال الابتكار. إنَّهم فازوا على شباب صينيِّين وفرنسيِّين وأميركيين. وهذا يدلُّ على أن إفريقيا لها حظُّها مثل الصِّين والهند، لأنَّ الأمر يتعلَّق بمعارف عصريَّة جديدة يمكن لشبابنا أن يكتسبوها، إذا توفَّرَت لهم شبكة الإنترنت للوصول إلى التِّقنيَّة العالية.
لأجلِ هذا، نستثمر كثيراً في هذا المجال للحصولِ على خدمات الإنترنت بسعرٍ معقول. جعلنَا شبكةَ واي فاي مجَّانيَّة في السَّكن الجامعيِّ، حتَّى يسبحَ شبابُنا في عولَمة الإنترنت. ونقوم بكلِّ هذا ليتمكَّنَ شبابُنا من القيام بمساهمتهم في تحسين المحتويات.
إذا كُنَّا لم نرَ، حتَّى الآن، مِن الشَّباب السِّنِغاليِّين مَن هو مثلُ مارك زوكربيرغ، فإنَّنا نتوقَّع أن يظهر منهم واحدٌ أو اثنان أو أكثر مِمَّن يبتكرون بعضَ التَّطبيقات الَّتي سيعملُ بها العالَم أجمع. وعلينا أن نكون جاهزين للوصولِ إلى هذا المستوى.
في هذا الإطار، قمتُ بمبادرة الدَّعوة لعقد ندوةٍ رقميَّة التأمت دورتها الأولى في مارس 2017 ، كما أنشأتُ جائزةَ الابتكار الرَّقميِّ لتشجيع الشَّباب على أن يكونوا ماهرين جدَّاً في هذه المهنة. وكلُّ هذه الأمور يجب أن تتمَّ بواسطة عقليَّة ريادة الأعمال وإنشاء مؤسَّسات خاصَّة، انطلاقاً من المحيط الأُسريِّ.
الرئيس ماكي صال في إحدى زياراته لمدرسة سنغالية
توجيه الشباب إلى ريادة الاعمال
إنَّ على الأباء أن يُربوا الأولادَ على العمل الشَّاقِّ، وتشجيعهم على بذل الجهد. في مجال التَّربية والتَّكوين، لا بُدَّ مِن توجيه الشَّباب إلى ريادة الأعمال وإنشاء المؤسَّسات الخاصَّة.
وكلُّ الفَرق بين النَّموذج الأميركي الشَّماليِّ والنَّموذج الفرنسيِّ الَّذي ورثناه من الاستعمار، يكمُنُ في هذا التَّوجُّه. إنَّ النِّظامَ الفرنسيَّ يهدف إلى تكوين شباب يعملونَ للدَّولة بعد أن كانوا طَلَبة مَبعوثِين مِن قِبَلِها، أمَّا نظام التَّعليم الأميركي، فإنَّ الطَّالِب فيه، يبدأ بارتياد عالم الأعمال في بداية مساره، لكي يتمكَّن من دفع رسوم الدِّراسة في سبيل بناءِ نفسه. وقبل أن يصلَ هذا الطَّالب إلى مستوى الباكالوريوس، يكون قد أصبحَ مُقاوِلاً ماهراً. فلا بُدَّ من التَّوجُّه نحو هذا النَّموذج، وللوصولِ إلى هذا التَّغيير، لا بُدَّ مِن الوقت.
المدارس المهنيَّة والجامعات تُقدِّم شهادات ماجستير في مُختلف المِهَن. وقُمنا بتغيير نظامِنا الجامعيِّ إلى LMD (ليسانس ـ ماجستير ـ دكتوراه).
إن الاتِّجاه الَّذي بدأ يسود عندنا شيئاً فشيئاً هو النُّزوع نحوَ ريادة الأعمال وإنشاء المؤسَّسات الخاصَّة وتشجيعها. والشَّباب السِّنِغاليُّون مُستعدُّون تماماً لتبنِّي هذا التَّغيير. إنَّهم بدأوا بالفعل يدخلون في هذا النِّظام.
مفوضية المقاولات السريعة
لقد قمتُ حديثاً بإيجاد آليَّة ستساعد الشَّباب كثيراً هي »مفوضيَّة المقاولات السَّريعة ». مهمَّة هذه المفوضيَّة هي أن تُسهِّلَ للشَّباب وللنِّساء الحصول على القروض، دونَ الحاجة إلى استخدام أموالهم الخاصَّة. بهذا، نوجد هيئة قريبة من روَّاد الأعمال، والَّتي أنفقنا فيها ثلاثين مليار فرنك سيفا.
إنَّ المقاوِلَةَ، زينب امبي، الشَّابَّة الَّتي سبقَ أن تحدث عنها ، تملكُ أفكاراً مُهمَّة جدَّاً بالنِّسبة للطَّلَبة الَّذين يدرسون في الخارج، حيث كانت تقول لهم: « إنَّني سافرتُ، لأنَّه كان عندي مشروع عملي هو الدِّراسة. والآن، فالشَّباب الَّذين يريدون السَّفر يقولون لي » نريد السَّفر لكي ننجح! « ، عندَ ذلك أُجيبُهم قائلة « في الواقع، أن هذا ليس هو التَّصوُّر الصَّحيح المؤدِّي إلى النَّجاح ».
عن الحُرِّيَّات
إنَّ الثَّورة الرَّقميَّة وتقنيات المعلومات الجديدة وانتشار المعلومات على المستوى العالميِّ، تقتضي تأمينَ حُرِّيَّة التَّعبير والرَّأي للجميع. إنَّنا لا نفرض رقابة على الصَّحافة أو القنوات التِّلفزيونيَّة. نعتقد بأنَّ شعبَنا ناضجٌ وَواعٍ إلى الحدِّ الَّذي يُمكِّنه مِن تحليل الأمور بنفسِه.
فمنذُ بداية حُكمي، لم يتعرَّض في السِّنِغال أيُّ صحافيٍّ للسِّجن أو الإدانة من الدَّولة بسبب أفكاره وآرائه.
في سبيل حماية حرِّيَّة الرَّأي والفكر، قُمنا بتبنِّي نظام جديد للصَّحافة، وهناك أيضاً نصوصٌ في طورها النِّهائيِّ.
للصَّحفيِّين في السِّنِغال مُشكلات أُخرى غير الحرِّيَّة. عندنا أكثر من عشرين جريدة ومائة صحيفة افتراضيَّة, ومائات من الإذاعات الحرَّة والمحلِّيَّة. ولا شكَّ أن هذا الوضع يخلق تنافساً حادَّاً جدَّاً. كلُّ واحد يتواصل مع الآخرين ويبلغ أفكارَه وآراءَه إلى النَّاس عبر مختلف الوسائل. أكثر من نصف السِّنِغاليِّين يرتادون الإنترنت. وصلَ مُستخدمو أجهزة الاتِّصال بالإنترنت إلى 8.7 مليون بتاريخ 30 يونيو 2008. وهذا العدد أكثر من نصفِ عددنا الحاليِّ المتمثِّل في 15 مليونا.
إن أكثر من 65 في المائة من السِّنِغاليِّين عندهم أقلُّ مِن 35 عاماً ، ويسبحون في بحرِ الرَّقميَّات.
يعيش الجميع الآن مع التِّقنيات الحديثة للاتِّصال. هناك تطبيقات كثيرة في مختلف المجالات. في التِّجارة ، وفي دفع فاتورات الماء أو الكهرباء وحتَّى السَّيَّارات، ويمكن للإنسان أن يؤدِّي خدمات كثيرة بواسطة الهاتف.
المحفظة النَّقديَّة الرَّقميَّة أصبحَت مُنتشرةً جدَّاً. ومن العجيب جدَّا رؤية أولئك الَّذين لم يتعلَّموا في المدرسة، ومع ذلك يستخدمون اليوم هذه الأمور كلَّها، بمهارةٍ فائقة.
إنَّ إفريقيا تقفزُ الآن قفزةً نوعيَّة في هذا المجال. تجد عند الجميع هواتف ذكيَّة مع تطبيقات مُتوفِّرة بجميع اللُّغات الوطنيَّة، والنَّاس يتواصلون بالولوفيَّة أو بالسيريريَّة أو بالفلانيَّة، كما أن المجموعات الوَتسابِّيَّة في تزايد مُتنامٍ.
مِن المجازفة الخطيرة في مثل هذه الأوضاع محاولةُ حرمان النَّاس من حرِّيَّة الرَّأي والتَّعبير.
في أغسطس 2008، قام نادي القلم، الَّذي هو أكبر جمعيَّة للكتاب في العالم، بلفتِ الانتباه إلى أن هناك دولاً تُسيء استخدام القوانين المتعلِّقة بتشويه السُّمعة في إفريقيا. هناك استخدام مُفرط لهذه القوانين عند بعض السُّلطات لمحاولة إسكات وسائلِ الإعلام. لكن « هل يؤمن هؤلاء حقَّاً، بأنَّه يمكنهم النَّجاح في هذه المحاولات في عام 2018؟ أنا ضدُّ الرَّقابة المفروضة على المنتجات الإعلاميَّة، عن اقتناع وعن واقعيَّة ».
الاخبار المزيفة تشكل تحديا لنا
أجدُ في واقعنا، مثل الآخرين، أن الأخبارَ المُزيَّفة تُشكِّل تحدِّياً لنا. الآن لم يعد مُمكناً التَّمييز بين الصَّحيح والزَّائف، أو هل الخبر له صدقيَّة أم لا؟ هذه مشكلة حقيقيَّة، فكيف نحلُّها؟ إليكم مثالٌ حديث العهد جدَّاً، ذلك أنه أُذيع في 2018 أنَّ السِّنِغال لا يزال يدفع الإيجار لفرنسا عن القصر الجمهوريِّ، لأنَّها لا تزال مالكة له حسب هذا الخبر الزَّائف. وهذا الخبر أجبرَ البلدين إلى نشر بيان رسميٍّ مُشترك لدحضِ هذه الفرية وإحالة قُرَّاء الإنترنت إلى النُّصوص الَّتي تُثبت أن لنا مُلكيَّة كاملة وتامَّة لكافَّة البنايات العموميَّة في البلد منذ الاستقلال، يعني ابتداء مِن 1960. هذا الأمر وصل إلى حدِّ تناوله من لدن قناة (TV5 MONDE) لإظهار الحقيقة.
مشكلة من يحشر أنفه في كل شيء
هذه الأخبار المُزيَّفة لا تُشكِّل مُشكلة للهيئات الإعلاميَّة ولا للصَّحافيِّين، إنَّما تُسبِّب مشكلة للَّذي يحشر أنفَه في كلِّ شيء. كلُّ مواطن أصبح صحفيَّاً بالممارسة، معَ نشر أخبار قد تكون صحيحة أو زائفة. هذه مشكلة جدِّيَّة، كان بإمكان الصَّحافة أن تساعد النَّاس على عدمِ تضخيمها، ولكنَّها هي بنفسِها، تسعى للحصولِ على السَّبق الصَّحفيِّ، بصفة مَسعورة. القانون نفسُه يكون مسبوقاً بالأحداث، ويجد نفسَه مرَّات في وضعيَّة تكيُّف خجول مع هذه الظَّاهرة.
إنَّ السُّرعة والتَّنوُّع في نقل الأخبار أصبحَ مِن الأمور الَّتي لا بُدَّ منها. هنا أُعلن ثقتي وإيماني بقدرة مواطنينا على التَّمييز الذَّكيِّ. وهذا التَّمييز هو قلعتُنا الوحيدة.
المَزيدُ والمَزيدُ في مجال التَّربية!
قمتُ بدراساتي العُليا في جامعة دكار ، وتخرَّجتُ من المدارس العموميَّة السِّنِغاليَّة في كافَّة مراحل دراستي. ولذلك لا يمكن لأيِّ شخصٍ أن يفهمَ أوضاع الطَّلَبة أحسَن مِنِّي. لأجلِ هذا، اتَّخذتُ إجراءات ذات تأثيرات واسعة لم يكن لِأحدٍ أن يتوقَّعها في هذا المجال.وقمتُ بزيادة مبالغ المِنَح الدِّراسيَّة بشكلٍ جوهريٍّ، كما قمتُ بتخفيض أسعار الخدمات للطَّلَبة، كالوجبات، وكذلك تزويد كلِّ الجامعات والمدارس التَّكوينيَّة بوسائل نقل، ودعم الخدمات الصِّحِّيَّة، وزيادة عدد الفُرَص المتاحة وبناء وحدات سكنيَّة طُلَّابيَّة جديدة… إلخ.
قُمنا في الآونة الأخيرة أيضا بإتخاذ إجراءاتٍ مهمَّة جدَّاً لصالح الأساتذة الجامعيِّين في مجال تحسين معاشِ التَّقاعد لديهم بشكلٍ مُريح جدَّاً.
الرأسمال البشري أغلى ما نملك
إنَّ السِّنِغال يستثمرُ كثيراً في مجال التَّعليم لإيماننا بأنَّ رأس المال البشريَّ هو أغلى ما نملك.
إنَّنا بعيدون أن نكون مِن الدول الأكثر كثافة سُكَّانيَّة في العالَم، ولكن فيما يتعلَّق بكثرة مدارس التَّكوين والتَّطوير، نختلف عن دول كثيرة. وتكاليف الدِّراسة هذه مُكلِفة، ولكنَّنا سنستمرُّ في مزيد من بذلِ الجهود، لأنَّ بقاءنا في الحياة مُتعلِّق بهذا الاهتمام.
كنت أؤمن دائماً بأنَّ النَّهضة تقوم على أساس نظام في التَّعليم والتَّكوين، يكون في مستوى مُتطلَّبات التَّنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
التربية وبناء صرح الامة
إنَّ التَّربية هي إحدى الأُسس العظيمة الَّتي يقوم عليها بناء صرح الأُمَّة ، بل هي أهمُّ هذه الأُسس، كما تُشكِّل، مع التَّكوين والتَّأهيل، أفضلَ رافعة للحصول على مواطنٍ إيجابيٍّ فعَّال، وتنتج يداً عاملة ذات جودة عالية.
لأجلِ هذا، طلبتُ فور وصولي إلى السُّلطة، بعد تصديقي على رسالة تتعلق بالسِّياسة القطاعيَّة حول التَّربية والتَّكوين، بإحداث برنامج استعجاليٍّ لتحسين الجودة والمناصفة والشَّفافية ودعم المكتسبات ، وتلافي أوجه النَّقص الَّتي كانت قد ظهرت في البرنامج العشريِّ للتَّربية والتَّكوين، الَّذي كان يُشكِّل المرجع الرَّسميَّ للسِّياسة التَّعليميَّة من 2000 إلى 2011. وتمثَّلَت أوجه النَّقص فيه، بصفة خاصَّة، فيما يأتي:
1 ـ نقصُ الخدمات المُتاحة في مجال التَّعليم، وخاصَّةً في التَّعليم الإعداديِّ والثَّانويِّ.
2 ـ التَّنوُّع غير الكافي في خدمات التَّربية المُتاحة من أجل توفير الرِّعاية اللَّازمة للحاجات الخاصَّة لبعض مُكوِّنات المجتمع، وخاصَّةً المراكز الدِّينيَّة.
3 ـ النَّقص أو الضَّعف الكُلِّيُّ للمقرَّرات المدرسيَّة.
4 ـ عدم فاعليَّة التَّرتيبات الَّتي تمَّ إتخاذها في مجال التَّكوين الأوَّليِّ للمعلِّمين.
5 ـ عدم التَّوازن الواضح في مجال التَّوجيه المدرسيِّ نحوَ مختلف الشُّعَب الدِّراسيَّة، بحيث أن ما يقرب من 75 في المائة من الدَّارسين يوجَّهون إلى الشُّعَب الأدبيَّة والعامَّة.
6 ـ تسييرٌ إداريٌّ وبيداغوجيٌّ ( تربوي) غير فعَّالَين في مجال التَّأطير والتَّكوين، وغيرُ كافٍ للمسؤولين عن إدارة المدارس.
إنَّ الوقت لم يحن بعد لرصد حصيلة النَّتائج الَّتي تمَّ إنجازها في مجال التَّربية، لكنْ مع ذلك، من المهمِّ القيام بتقييمٍ مرحليٍّ للسِّياسة التَّعليميَّة، وخاصَّةً أنَّها تعطيني الحقَّ في إبداء اهتمامي القويِّ بالتَّربية الَّتي أُخصِّصُ لها 25.35 في المائة، عكس 21.04 في المائة في سنة 2012، من ميزانيَّتنا الوطنيَّة. هذا في الوقت الَّذي كانت تهدف فيه أجندة التَّربية بحلول عام 2035 للوصول إلى 20 في المائة.
إنَّ مُعدَّل النَّفقات العموميَّة في إفريقيا، في هذا المجال، لا يجاوز 17 في المائة، وقد خصَّصت للتَّربية 7 في المائة من النَّاتج العامِّ المحلِّيِّ في 2017، عكس 6 في المائة في 2012.
بفضلِ هذه السِّياسة الطَّوعيَّة، المدعومة بمساهمة ملحوظة من الأُسَر والشُّركاء الفنِّيِّين والماليِّين، حقَّقَت المدرسة السِّنِغاليَّة مكتسبات كبيرة في المجال الدِّراسيِّ وتكافؤ الفُرَص وتحسين نوعيَّة التَّعليم والتَّعلُّم، وتسيير المدارس.
فَمن 2012 إلى 2017 أنفقَت الحكومة مبلغ 242 مليار فرنك سيفا من أجل بناءِ وتجهيز مؤسَّسات مدرسيَّة.
وتدخلُ هذه الجهود في إطار القضاء على مُختلف حالات التَّفاوت، وضمان تكافؤ الفرص أمام جميعِ الأطفال في مجال الدِّراسة.
من النَّتائج الإيجابيَّة لهذه الجهود أيضاً تخفيض عدد المقرَّات الدِّراسيَّة المؤقَّتة من 18 في المائة في عام 2011 إلى أقلَّ من 9 في المائة في عام 2017، كما أن هذه المبالغ الماليَّة سمحت لنا أيضا ببناء وتجهيز،مابين 2012 و2017 حوالي 9816 فصلاً دراسيَّاً، و354 مدرسة ابتدائيَّة كاملة، و189 مدرسة إعداديَّة، و39 مدرسة ثانويَّة، و88 كتلة من المرافق، و1410 وحدة إداريَّة، و549 نقطة ماء، و82 سوراً، و20 مركباً للمختبرات العلميَّة والتِّكنولوجيَّة، و6 مراكز إقليميَّة لتكوين مُستخدمي التَّربية الوطنيَّة، و20 مُفتِّشيَّة للتَّربية والتَّكوين، و10 مُفتِّشيَّات أكاديميَّة، بالإضافة إلى مدارس قرآنيَّة عصريَّة.
هناك جانبٌ مهمٌّ من هذه الجهود، مُخصَّص للتَّرميمات بمبالغ ضخمة. في هذا الصَّدد، جرى ترميم 9 ثانويَّات في مدينة دكار، إضافة إلى ترميم ثانويَّة أحمد فال وثانويَّة مريم به و8 مركبات للمختبرات العلميَّة والتِّكنولوجيَّة. لنا أيضاً برنامج يهدف إلى إيقاف بناء المقرَّات المؤقَّتة. إذ رُصِدَ له أكثر من 121 مليار فرنك سيفا، وبدأت أشغال القسم الأوَّل منه في مارس 2018. فمع هذا البرنامج، ستتحسَّن القدرة الاستيعابيَّة للمدارس السِّنِغاليَّة، كما أن الجوَّ فيها، سيصبح أكثر مُلاءمةً للعمل.
المدارس القرآنية كنموذج بديل في مجال التعليم
لقد فهمت في وقتٍ مُبكِّر، ضرورة أن نجعلَ من المدارس القرآنيَّة نموذجاً بديلاً في مجال التَّربية والتَّعليم. في هذا الصَّدد، فإنَّ البرنامج الاستعجاليٍّ لتحسين الجودة والمناصفة والشَّفافية ودعم المكتسبات، جعل من المدارس القرآنيَّة العصريَّة وسيلةً لتنويع الخيارات التَّعليميَّة المُتاحة الَّتي يمكن أن تجذب مَن كانوا خارج النِّظام التَّعليميِّ الحكوميِّ، وكما يمكن أن تُقدِّمَ جواباً ملائماً لأولئك الَّذين ما زالوا مُتمسِّكين بموقفهم الرَّافض للمدرسة الفرنسيَّة الكلاسيكيَّة. هناك بالفعل 64 مدرسة قرآنيَّة عصريَّة، التي، سينتهي بناؤها قريباً. وهذه المدارس ستبدأ عملها عمَّا قريب.
إيمانويل ماكرون
إضافة إلى هذه الأعمال، بذلنَا جهوداً أُخرى لدعم وتوجيه المدارس القرآنيَّة الَّتي كانت قائمة بالفعل، لدفعِها نحوَ المواءمة مع المعايير المطلوبة. إن هذه الصَّفقة الأولى في سبيل تحديث المدارس القرآنيَّة، ستُكلِّف الدَّولة أكثر من 10 مليار فرنك سيفا. كما أن هذه الجهود لإنشاء البنى المدرسيَّة سمحت بزيادة المؤسَّسات التَّعليميَّة زيادةً ملحوظة.
فالمدارس الخاصَّة بالحضانة تطوَّرت من 2467 في 2012 إلى 30 ألفا و293 في 2017. أمَّا المدارس الابتدائيَّة، فقد نَمَت وتطوَّرَت من 8812 إلى 9917، والمدارس الإعداديَّة من 1153 إلى 1262، والمدارس الثَّانويَّة ذات المرحلتين من 389 إلى 731، والمدارس الثَّانويَّة ذات المرحلة الواحدة من 95 إلى 162.
ريحانا
تكوين المعلمين وانتاج الكتاب المدرسي
إنَّ جهود الحكومة في سبيل تحسين الجودة تركَّزَت على تكوين المعلِّمين وإنتاج الكتاب المدرسيِّ، لأنَّ هذين الأمرين يأتيان في طليعة المُستلزمات للوصول إلى نوعيَّة جيِّدة في التَّعليم.
لأجلِ هذا، بذلت جهود للإصلاح في هذين المجالين لتكوينِ مُعلِّمين مؤهَّلين تأهيلاً عالياً، مع بناء مراكز إقليميَّة لتكوين مُستخدمي التَّربية.
وجرى إنفاق مبلغ أربعة مليار فرنك سيفا، في سبيل بناء هذه المراكز. وفي هذا الإطار، تمَّ أيضاً تعديل نصوص مسابقة الدُّخول لهذه المراكز من أجل رفع المستوى، وجعل هذه المسابقة أكثر نخبويَّة وشفافيَّة، وكذلك جعل مُدَّة التَّكوين أطول.
وفي إطار إعادة الاعتبار للمعلِّم على المستوى الاجتماعيِّ والمعنويِّ، تمَّ العمل بالأمور التَّالية: تكريس الاحتفال باليوم العالميِّ للمعلِّم، والتَّكريم المُمنهَج للمعلِّمين الَّذين تميَّزوا بآرائهم بجائزة كبيرة من رئيس الجمهوريَّة.
في ما يتعلَّق بالمستلزمات البيداغوجيَّة (التربوية)، جرى إنفاق 10 مليار فرنك سيفا للحصول على 8،7 مليون كتابٍ مدرسيٍّ مُوزَّع مجَّاناً على التَّلاميذ، إضافة إلى كُرَّاسات النَّشاط، وكتب في الإرشاد التَّربويِّ للمعلِّمين.
من أجل تطوير كفاءات التَّلاميذ خلال السَّنوات الأربع الأولى من المرحلة الابتدائيَّة، أصبحت اللُّغات المحلِّيَّة مُستخدمة كوسيلة لغويَّة في مجال القراءة، وذلك في إطار برنامجٍ تدريبيٍّ.
ونظراً للمكانة الكبيرة جدَّاً للعلوم والرِّياضيَّات والتِّكنولوجيا في سبيل اكتساب الكفاءات الَّتي يتطلَّبها العيش في القرن الحادي والعشرين، فإنَّ الحكومة بَنَت، من بين برامج أُخرى، 20 مركباً للمُختبرات العلميَّة والتِّكنولوجيَّة، كما قامَت بترميم ثمانية أُخرى كانت موجودة. وكلف هذا البرنامج 6،5 مليار فرنك سيفا. ونذكر من هذا الصِّنف الأخير مختبر الثَّانويَّة العلميَّة المُتميِّزة في جربل. كما تمَّ تجديد أجهزة المختبرات بمبلغ ثلاثة مليار فرنك سيفا من 2012 إلى2017.
إضافة إلى هذه الجهود، تمَّ تخصيص موازنة مُعيَّنة للبرامج الرَّقميَّة في مجال التَّربية، تُوجَّه، في الدَّرجة الأولى، إلى الأقاليم المحرومة، بدافع الحرصِ على تكافؤ الفرص.
من المعلوم أن تأثير الإصلاحات في مجال التَّربية لا يكون بشكلٍ مباشر، ولكن يجب أن نُبدي استحسانَناً للثَّمار الَّتي بدأت تحملها السِّياسة الجريئة الَّتي انتهجتها في مجال ترقية الشُّعَب الدِّراسيَّة العلميَّة.
إنَّ الشُّعَب العلميَّة ازدادَت سعتهامن 218 ألفا و619 تلميذاً في عام 2012، إلى 327 ألفا و933 تلميذا في 2017. وخلال هذه المدَّة، ارتفعَت نسبة الفتيات الدَّارسات في هذه الشُّعَب من 43 إلى 49 في المائة.
أمَّا في ما يتعلَّق بالحَوكَمَة، فقد أصبح نظام التَّعاقد من الممارسات المعمول بها في منظومتنا التَّعليميَّة الحاليَّة.
إنَّ هذا التَّعاقد الَّذي تبنَّيناه يتمُّ على أساس علامات الجودة وآليَّة إدارة مبنيَّة على النَّتائج والحوار السِّياسيِّ والاجتماعيِّ, وتسيير الملفِّ المهنيِّ للمعلِّم.
أمَّا فيما يخصُّ الدَّعمَ المتزايد لمسؤوليَّات العاملين الأساسيِّين، فإنَّ نظام التَّمويل المباشَر للمدارس، ارتفعت نسبتُه وانتقلت معه ميزانيَّة المدرسة من 400 فرنك سيفا لكلِّ تلميذ موضوع في الحساب الجاري لِلجان التَّسيير للمُفتِّشيَّة، إلى 3500 فرنك سيفا لكلِّ تلميذ، يتمُّ تحويلها مباشرةً إلى الحساب الجاري لِلجان التَّسيير التَّابعة لكلِّ مدرسة. إجمالاً، تمَّ تخصيص 17,6 مليار فرنك سيفا للمدارس الابتدائيَّة بين 2014 و2018.
اعترافاً بجهود الحكومة، قامت الشَّراكة العالميَّة للتَّربية (PME) بتنظيم مؤتمرها الثَّالث لتجديد موارد صندوقها في دكار.
انعقدَ هذا المؤتمر بتاريخ 2 فبراير 2018 تحت رعاية سامية مُشتركة بيني وبين نظيري الفرنسيِّ إيمانويل ماكرون. وشاركَ فيه حوالي عشرة من رؤساء الدُّول الإفريقيَّة، ورئيسة الهيئة جوليا جيار، ومديرتها العامة آليس أولبرايت، والمُغنِّية ريحانا ، السَّفيرة الشَّرَفيَّة للهيئة، وأكثر من عشرين وزيراً، إضافة إلى قادة لمنظَّمات دوليَّة كبيرة مثل اليونيسيف ، واليونيسكو ، ومنظَّمة الفرانكوفونية ، والبنك الدُّوليِّ ، ومسؤولي عدد من المؤسَّسات الخيريَّة والإنسانيَّة.
خلالَ هذا المؤتمر، اتَّضحَت لجميع دول العالَم المكانة القياديَّة لبلدنا في معركة التَّربية الَّتي اعتبرناها أُمَّ جميع المعارك. هذه المكانة اتَّضَحَت من خلال أمور كثيرة منها: جودة المشاركات وإعلان المُموِّلين عن تقديم 203 مليار دولار، ضمنها مبلغ مليوني دولار من السِّنِغال.
كان نجاح هذا المؤتمر اعترافاً واضحاً لمكانتِنا القياديَّة والتزاماتنا بزيادة النَّفقات المُخصَّصة للتَّربية، للسَّماح لجميع الشَّباب السِّنِغاليِّين، بغضِّ النَّظر عن جنسهم أو أصولهم الاجتماعيَّة، بالاندماج بشكلٍ مُتناسق، في الحياة النَّشيطة، وأن يتحمَّلوا أعباءَ بناء مُستقبلهم لتقديم مساهمتهم في سبيل بناء وطنِنا العزيز.
إنَّني سأواصل الجهود، بصفة أوسع وأقوى، في مجال التَّربية والتَّعليم من أجل إتاحة الفرصة لكلِّ مواطن حتى يتمتَّع بمكانته اللَّائقة في الحياة، ويخطًّ طريقَه الخاصَّة به، ويصل إلى أعلى مستوىً تؤهِّله له كفاءاته وقدراته.
أريد أن أشجع شباب بلادي على المثابرة
إنِّني وأنا أسعى، دائماً، لأبرهنَ للنَّاس وأُقدِّمَ لهم الأدلَّة الواضحة، على أساس سيرتي ومسيرتي الدِّراسيَّة، لأقولَ لهم » ليس هناك أيَّة حتميَّة اجتماعيَّة ولا تعلُّل تعسُّفيٌّ بالأقدار في مجال طَلَب العِلم ».
أريد أن أُشجِّعَ شباب بلادي وقُرَّائي على المثابرة، وعلى عدم التَّهاون في بذل جهودِهم وطاقاتِهم.
أريد ايضا أن أُحفِّزَهم على تنمية الالتزام الطَّوعيِّ المثاليِّ، وأن يجعلوا الرَّغبة في النَّجاح والهِمَّة العالية فوَّارةً في نفوسهم، ذلك أنه لا توجد عقبات، يعتبر تجاوزها والتَّغلُّب عليها مُستحيلاً، مع توفُّر الإيمان والثِّقة بالنَّفس والحرص على تحقيق الأحلام.
قال مُفكِّرٌ كبير: « العائق يجب أن يكونَ دافعاً على العَمل ». إذًا، يجب العمل لتجاوز العقبات ومواصلة السَّيرِ بكلِّ حزمٍ وعزمٍ نحوَ الأمام.
إنَّ التَّاريخ الَّذي مرَّ به تكوين النُّخبة السِّنِغاليَّة المثقَّفة وتبلور أطرنا البشريَّة، يحمل بصمةً لا تنمحي عن التَّنوُّع الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ لبلدنا. تاريخُنا يدلُّ على أن إتاحة الفرصة للشَّباب المُنحدرين من أوساط فقيرة ومحرومة، يمكن أن تجعلهم يصلون، بالجهدِ المبذول والمثابرة ونُكران الذَّات، إلى أسمى الدَّرجات وأعلى المستويات. فكَم مِن مُثقَّفٍ كبيرٍ وشخص مِن أطرنا المرموقين جدَّاً، ينحدر مِن مناطق نائية وأماكن مُنعزلة وأوساط أُسريَّة فقيرة ومحرومة في السِّنِغال!.
أنا مُقتنعٌ اليوم أكثرَ مِن أيِّ وقت مضى، بأنَّه لا بُدَّ مِن مواصلة الجهود في سبيل تكوين نُخبتنا، وخاصَّةً أن التَّحوُّلات الكبيرة الَّتي حدثَت في السَّنوات الأخيرة جعلَت العِلم صناعةً قائمةً بذاتها، ومعيناً لا ينضب، ويكتسي أهمِّيَّة بالغة.
إنَّ التَّطوُّرات المُذهلة للمعارف،مقرونةً بالابتكارات العظيمة المتولِّدة من العلوم التِّكنولوجيَّة ،غيَّرت،بصفة جذريَّة، وجهَ عالمِنا الَّذي أصبح مُعولَماً في مسيرتِه وفي رهاناته.
التحولات العميقة تتطلب بدورها قطيعة
ولا شكَّ في أن هذه التَّحوُّلات العميقة، تتطلَّب بدورها قطيعة، وتستدعي تحديد منظومة قِيَم جديدة. أن تحدِّيات التَّنمية الَّتي تطرح نفسَها علينا في بداية هذه الألفيَّة، تفرض علينا إعادةَ التَّفكير حول مدرستنا وبرامجنا من أجل المواءمة بين محتوى نظامِنا التَّربويِّ ومُتطلَّبات عالَمٍ في تحوُّلٍ دائم ومُستمرٍّ.
إنَّ المدرسة مصدرٌ لاكتساب المعارف وإجادة كيفيَّة تطبيقها أيضاً، كما أن إتقان والأخذ بناصية العِلم والمعارف، هو الوسيلة الوحيدة الَّتي تسمح لبلدنا ولقارَّتنا بالتَّقدُّم نحوَ أعلى معايير الجودة العالميَّة.
في الحلقة التاسعة من مذكراته « السنغال في القلب »، يقول الرئيس ماكي صال إنه اذا كان يحرص على ألا يغضب أحد منه، فإن الجميع سيغضبون منه في النهاية، مشيرا إلى أن من يريد أن يكون رجل دولة، لا بد في الوقت ذاته أن يكون مستعدا لفقد شعبيته.
يضيف صال أن الإجماع حولَ شخصٍ واحد، لا يمكن أن يكون إلَّا في ظلِّ الدِّكتاتوريَّة، « بينما أنا ديمقراطيٌّ، أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيء. هدفي هو أن أخدمَ لا أن أكونَ مَخدوماً، لأنَّه يهمُّني، جدَّاً، أن أتركَ بصمةً إيجابيَّة ».
ويكشف الرئيس صال كيف انه كاد أن يفقد صوابه لما اكتشف وجود وكالة وطنية للموانىء الجديدة بينما لم يكن في السنغال أي ميناء جديد.
وبشأن تطلعاته للسنغال، يقول الرئيس صال إنه وضع سنة 2035 وجهة لبوصلته، مشيرا إلى انه يعرف انه في ذلك الوقت لن يتذوق ثمار ما زرعه. ويوضح قائلا : » من يأتي بعدي، أريده أن ينشغلَ بأشياء أُخرى، مثل تطوير ما يتعلَّق بإدارة المجتمع، أو دعم علاقات الشَّراكة بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات العموميَّة ».
وفي ما يأتي نص الحلقة التاسعة.
عهدُ الإصلاحات
لن أُكرِّرَ سردَ الأحداث الَّتي تميَّزَت بها السَّنوات السَّبع لولايتي الرِّئاسيَّة الأولى، ولكنِّي أريد فقط التَّذكير بأهمِّ الأمور الَّتي تمَّ القيامُ بها. إنَّني إنسان عَمَليٌّ، أعتمدُ على الإنجاز الفعليِّ. وأريد أيضاً أن أستعرضَ للنَّاخبين بعضَ الخصائص النَّفسيَّة للسِّياسيِّ الَّذي ينتخبونه.
مِن المهمِّ أن أؤكِّدَ بأنَّ الواقع علَّمَني أن غالبيَّة مَن انتخبوكَ، ينتصبونَ مُعارضينَ لكَ في اللَّحظة الَّتي تريد فيها تنفيذ التَّدابير والبرامج الَّتي عرضتَها واقترحتَها عليهم. وهكذا، عندما تتَّخذ أيَّ قرارٍ يتعارض مع مصلحة خاصَّة، يُهاجمك ناخبوك ويغتابونك. أنا أتمتَّع بمعنويات صلبة، وأعرف بأنَّني، إذا كنتُ أحرص على أن لا يغضبَ أحدٌ عليَّ، فإنَّ الجميعَ سيغضبون عليَّ في النِّهاية.
الاستعداد لفقد الشعبية
إذا كنتَ تريد أن تكون رجلَ دولة، لا بُدَّ أن تكون، في الوقتِ نفسِه، مُستعدَّاً لفقدِ شعبيَّتِك. إن الإجماع حولَ شخصٍ واحد لا يمكن أن يكون إلَّا في ظلِّ الدِّكتاتوريَّة، بينما أنا ديمقراطيٌّ، أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيء. هدفي هو أن أخدمَ لا أن أكونَ مَخدوماً، لأنَّه يهمُّني، جدَّاً، أن أتركَ بصمةً إيجابيَّة.
فالسِّياسيُّ إذا وُفِّقَ في برنامج مُفيد ونافع للجميع، فالَّذي يأتي بعدَه ليخلفَه لا يحتاج إلى استئناف العمل وفقَ خطَّة جديدة، بل سيواصل حيثُ وجدَ الأمور، وبعد مُدَّة من الزَّمن، سيدرك أن التَّحوُّل الإيجابيَّ أصبحَ واقعاً ملموساً.
إنَّ الَّذي يأتي بعدي، أريده أن ينشغلَ بأشياء أُخرى، مثل تطوير ما يتعلَّق بإدارة المجتمع، أو دعم علاقات الشَّراكة بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات العموميَّة.
أتمنى أن يحلَّ القطاع الخاص محلَّ الحكومة
أنا ليبيراليٌّ ذو توجُّهٍ اجتماعيٍّ قويٍّ، وأتمنَّى أن يحلَّ القطاع الخاص محلَّ الحكومة شيئاً فشيئاً. صحيحٌ أن للحكومة دوراً سياديَّاً في مجال الأمن والصِّحَّة وصكِّ العملة والعلاقات الدِّيبلوماسيَّة. . . إلخ، ولكن، في الوقتِ نفسِه، أؤمن بأنَّ للقطاع الخاص دوراً مهمَّاً في كلِّ هذه المجالات.
أعتقد بأنَّه إذا تمَّ وضعُ الأسس العمليَّة للأشياء، فإنَّه يمكن للقطاع الخاص أن يحلَّ محلَّ الدَّولة في عدَّة أمور، مثل التَّعليم العالي في إفريقيا.
فمنذُ عقود، توفَّرت لدينا مدارس ومؤسَّسات عالية الجودة في التَّعليم العالي، تُوجِّهُ الحكومةُ بعضَ الحاصلين على الشَّهادة الثَّانويَّة نحوَ هذه المدارس. عندما تمتلئ المؤسَّسات التَّعليميَّة العموميَّة، فإنَّ الدَّولة تدفع رسومَ التَّسجيل والدِّراسة لهذه الجامعات الحُرَّة، ليدرسَ فيها بعض الحاصلين على الشَّهادة الثَّانويَّة.
لا بُدَّ من أن تكون هناك علاقات التَّكامل بين المؤسَّسات الحُرَّة والمؤسَّسات الحكوميَّة. أن مستقبل الوطن يستدعي مثلَ هذا التَّكامل. والشَّيءُ نفسه هو ما ينطبق في مجال الطَّاقة. مِن قبل، كانَت سلسلةُ إنتاج الطَّاقة تقع كلُّها على عاتق الدَّولة، ولكن الآن، يتمُّ إنتاج الطَّاقة، في المرحلة الأوَّليَّة، بواسطة القطاع الحُرِّ، فتتحوَّل الدَّولة إلى زبون له.
خلالَ ولايتي الرِّئاسيَّة كلِّها، حرصتُ على تنفيذ مثل هذه الرُّؤية التَّكامليَّة. كلُّ الإصلاحات تمَّ تصوُّرها وتنفيذها على أساسِ هذا الأنموذج الاجتماعيِّ واللِّيبراليِّ معاً.
تقدير عظيم لعبد جوف
إنَّني لستُ بِدعاً في مثل هذا الأمر، فالرَّئيس عبد جوف ، الَّذي أُكنُّ له تقديراً عظيماً، كان يقول: « كلَّما كان تدخُّلُ الدَّولة أقلَّ، كلَّمَا كان ذلك أفضل للدَّولة ». لا يمكنني أن أجدَ عبارة أحسن مِن هذه.
فلنرجِعِ الآن إلى الواقع الَّذي وجدتُ فيه الأمور، لَمَّا وصلتُ إلى سُدَّة الحُكم: إنَّني خلال رحلتي الاستكشافيَّة ما بين 2009 و2011، وجدتُ أن قِسماً عريضاً من الوطن كان يُعاني نقصاً رهيباً في كلِّ شيء. خلال هذه الرِّحلة، قطعتُ شأواً بعيداً جدَّاً في معرفة أحوال السِّنِغاليِّين.
مهمَّة الوزير الأوَّل كما سبق أن ذكرتُ، شاقَّة للغاية، وتتمثَّل في القيام بدور التَّحكيم والتَّوصُّل إلى الحلِّ الوسط، وإدارة ملفَّات يوميَّة لا تنتهي.
الوزير الأوَّل يكون عادةً بعيداً عن الأمور الميدانيَّة الحقيقيَّة، فتنقُّلاتُه الرَّسميَّة داخل البلد، يتمُّ تنظيمها بصفةٍ انتقائيَّة جدَّاً، مع المرور في أماكن ومحطَّات، يجدُ فيها مسؤولين محلِّيِّين يقولون له دائماً: « كلُّ شيء على ما يرام »، مع طلبِ مزايا ومصالح خاصَّة لا تنتهي.
إنَّ الوزير الأوَّل لا يعرف شيئاً عن الأمر الواقع في البلد، ويجد أن صِنفاً واحداً من النَّاس، هم الَّذين يُقدِّمون له المعلومات.
إنِّي ذهبتُ بنفسي إلى مختلف المناطق، ورأيتُ فيها النَّقصَ في كلِّ شيء، وشعرتُ بالفاقة الماسَّة للنَّاس في هذه المناطق. أن العالَم الرِّيفيَّ كان مُهملاً تماماً لصالح المدن السَّاحليَّة والموانئ وتجارة الموادِّ الأوَّليَّة…إلخ.
الرئيس السنغالي السابق عبدو جوف
إنَّ طريقة التَّعامل الاستعماريِّ لم تتغيَّر كثيراً في العلاقة بين المدن والأرياف. وأدَّى هذا الوضع إلى توجُّه النَّاس، بشدَّة، نحو الهجرة، ثمَّ تضخيم أحياء ضواحي المدن، ثمَّ أخيراً، الهجرة إلى قارَّة أُخرى، يُتَوَقَّعُ أن تكون الحياةُ فيها أفضل. أن هذه الحالة بدأت منذ الحقبة الاستعماريَّة، حيث كانت الهجرة الرِّيفيَّة تتوجَّه إلى دكار أو سان لوي أو كولخ أو تياس. وبعدَ الاستقلال، كان النَّاس ينتقلون، في كلِّ الدُّول الإفريقيَّة، إلى العواصم. وزاد الطِّينَ بلَّةً ما حدثَ سنة 1973من جفاف ومجاعة وندرةِ الموادِّ الغذائيَّة.
وبعد هذه الفترة الصَّادمة، توجَّه سُكَّان الأرياف، بأعداد غفيرة، إلى المدن، وتضخَّم حجمُ هذه الظاهرة خلال الثَّمانينيَّات من القرن الماضي.
الخلاصةُ أن جميع الحكومات المتعاقبة لم تكن تهتمُّ لا بسُكَّان المدن وليس ولا بسُكَّان الأرياف. السَّبب في ذلك يرجع إلى سياسة الإصلاحات الهيكليَّة المفروضة على هذه الحكومات في هذه الحقبة. وعلينا ألَّا ننسى أنَّ العالَم الرِّيفيَّ يُمثِّل 56 في المئة من سُكَّان السِّنِغال، وفقَ أدقِّ الإحصاءات.
قامَت شابَّةٌ سنغاليَّة بالإبانة عن تقديرها للأمور، وتحدَّثَت عن مسيرتها الشَّخصيَّة في مجلَّة « جون أفريك ». فقد تابعت دراساتٍ تقنيَّة في فرنسا، وأصبحت مهندسة، مثلي تماماً. وبعدَ الحصول على الشَّهادة، رجعَت إلى البلد وغيَّرَت وجهتَها المهنيَّة الأولى، واختارَت مهنة الزِّراعة، مُعلِّلةً خيارها برأي أعتبرُه ذا مَغزىً كبير »إنَّنا ما زلنا، نستورد 200 الف طن من الذُّرة سنويَّاً، وهذا يُمثِّل 12 مليار فرنك سيفا في الميزان التِّجاريِّ عندنا، مع أن البلد تتوفَّر فيه الأراضي الخصبة، وأنَّنا نستطيع أن نُحقِّقَ الاكتفاء الذَّاتيَّ في مجال الغذاء. أن مسيرتي تُشكِّل عيِّنةً نموذجيَّةً، إذ إنَّني بدأتُ في المجال التِّقنيِّ ثمَّ تحوَّلتُ إلى زراعة الأرض. فأنا الآن أخلقُ فرص عمل للآخرين ».
إنَّني كرئيسٍ للجمهورية، عملتُ كلَّ ما في وسعي لتدعم الدَّولة ومؤسَّساتها هذه الفتاة السِّنِغاليَّة.
لقد دعمنَا، إلى أقصى حدٍّ، القطاعَ الأوَّليَّ. إن الاستثمارات الَّتي قُمنا بها في مجال الزِّراعة وصيد الأسماك والرَّعي، لا مثيل لها في تاريخ السِّنِغال. فقد أوجدنا برنامج »إعادة دفعِ العجلة للإسراع بنسقِ الإنتاج الزِّراعيِّ » مع برنامجٍ زراعيٍّ وطنيٍّ آخَر يهدف إلى الاكتفاء الذَّاتيِّ في مجال الأرز.
في هذا الإطار، قُمنا بتوفير شبكة من المعدَّات الزِّراعيَّة الحديثة والماكينات الَّتي تجمع بين الحَصد وفصلِ الحبوب. واستثماراتُنا كبيرة أيضاً في مجال المستلزمات الزِّراعيَّة، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بالبذور والأسمدة، مع عدم نسيان الماكينات الزِّراعيَّة ومصانع معالجة الأرز.
لقد تطوَّرنا في مجال الإنتاج الزِّراعيِّ من 436 ألف طن بين 2013 و2014 إلى مليون طن ما بين 2017 و2018. هدفُنا هو الوصول إلى 1، 6 مليون طنٍّ. وهذا يعني تحقيق الاكتفاء الذَّاتيَّ على امتدادِ التُّراب الوطنيِّ. ونسعى للوصول إلى الهدفِ نفسه، فيما يتعلَّق ببقيَّة المنتجات الزِّراعيَّة.
واليوم، حقَّقنا تقريباً، الاكتفاءَ الذَّاتيَّ فيما يتعلَّق بإنتاج البطاطس. أمَّا فيما يتعلَّق بإنتاج البصل، فقد حقَّقنا هذا الهدف، بيد أننا مازلنا نعاني من تحدِّيات كبيرة، مثلاً: لم نتمكَّن، حتَّى الآن، من حفظِ المنتجات المتوفِّرة لمُدَّةٍ طويلة.
من الواضح أن الأمور لا تتمُّ بين عشيَّةٍ وضُحاها، ولكن الزِّراعة والرَّعي والصَّيد، أصبحت قطاعات، في الدَّرجة الأولى من الاهتمام عندَنا.
في الرَّعي أيضاً، حقَّقنا تطوُّراً مهمَّاً للغاية. وهنالك، أيضاً، ابتكارات مشهورة ومعروفة في مجال الصَّيد، مثل تعميم المحرِّكات الخارجيَّة، الَّتي شجَّعناها بقوَّة، بواسطة إجراءات تحفيزيَّة كثيرة، خاصَّةً تقديم أموال طائلة لدعم ما يتعلَّق بهذه المحرِّكات.
الآن، ينمو حجمُ تصدير منتجاتنا في مجال الصَّيد إلى أوروبَّا وإلى بقيَّة دول العالم. أصبح صيدُ الأسماك هو القطاع الأوَّل في مجال التَّصدير لدينا.
بعدَ فترةٍ من القطيعة، استأنفنَا، الآن، اتِّفاقيَّاتنا مع الاتِّحاد الأوروبيِّ، ولكن في نوعيَّة واحدة هي سمك التونة، الَّتي تجلب لنا 240 مليار فرنك سيفا سنويَّاً. أمَّا بقيَّة الأنواع، فإنَّنا نحافظ عليها للاستهلاكِ الوطنيِّ.
تقديراً لهذه الجهود، قدَّمَت لي الأكاديميَّة الزِّراعيَّة الفرنسيَّة ميداليَّتَها الذَّهبيَّة في 24 أكتوبر 2018. إنَّني مَدينٌ بكلِّ هذا التكريم لأعضاء حكومتي، وخاصَّةً وزراء الزِّراعة والرَّعي والصَّيد، الَّذين يعملون مباشرةً تحت إشراف الوزير الأوَّل.
برنامج لفك العزلة
لكي نتمكَّن مِن تطبيق هذه الإصلاحات، في توازنٍ تامٍّ، أوجدنا برنامجاً لفكِّ العزلة وإيجاد إطار مناسب، يدفعُ النَّاس إلى البقاءِ في الوطن، وتطويره وبنائِه.
إنَّ أصحاب هذه المناطق في حاجة إلى الماء والكهرباء وخدمات الإنترنت والطُّرق المُعبَّدَة والإعداديَّات والثَّانويَّات والمستشفيات والجامعات.
لا بُدَّ مِن تثبيت المجموعات حيث يوجدون. فمنذ عهد الرئيس ليوبولد سيدار سنغور إلى يومنا هذا، فإنَّ أماكن تقديم العِلم تتَّصف باللَّامركزيَّة، وتنتشر وتتعدَّد في كلِّ مكان.
يجب أن تكون هناك زيارات مُنتظمة لجعلِ العلاقة حيَّة بين الشَّعب والحُكَّام. يجب أن تكون هناك زيارات مُطوَّلة، وفي أعماق بقاع الوطن.
وفي حقبة رئاستي، تطوَّرت هذه الزِّيارات، بصفة مُستمرَّة ومُتنامية. وهذه الزِّيارات تنقسم إلى نوعَين: في البداية، كانت الحكومة بكاملها، تنتقل خلال يومين أو ثلاثة أيَّام إلى أحدِ الأقاليم لملاقاة المُنتخَبين والمسؤولين المحلِّيِّين، وكذلك السُّكَّان. وينعقدُ خلال هذه الزِّيارة مجلسٌ وزاريٌّ مُشترك للتَّنمية. ويتمُّ التَّصديق على النَّتائج الصادرة عن هذا المجلس بواسطة مجلس الوزراء المنقول إلى إحدى العواصم الإقليميَّة. أمَّا أنا، فأُبقي بعد ذلك في هذا المكان الوزراءَ يستمعون إلى النَّاس، ويُسجِّلون مطالبَهم، ثمَّ يتمُّ تنظيم المجلس في المحلِّ نفسِه مع كافَّة المراسم الاحتفاليَّة المعهودة. وهكذا قمنا بعقدِ اجتماعاتٍ مُتكرِّرة في أقاليم السِّنِغال الأربعة عشر. فالعملُ يجب أن يبقى متواصلاً مُستمرَّاً، ولذا، لا بُدَّ مِن متابعة الملفَّات.
أمَّا النَّوع الثَّاني مِن التَّنقُّلات، فيتمُّ خلال زياراتٍ ذات طابع اقتصاديٍّ. وهي تنقلات تستغرق أسبوعاً كاملاً أو خمسة أيَّام على الأقلِّ. فمثلاً، أنتقل إلى سان لوي، وأغتنمُ تلك الفرصةَ للاجتماعِ مع النَّاشطين الاجتماعيِّين أو مع المُنتِجين الاقتصاديِّين، أو لتنظيمِ ندوةٍ أو ندوات حولَ مختلف المجالات الاقتصاديَّة،في كلِّ مرَّةٍ نقوم بتدشين أعمال إنشائيَّة ضخمة من المصانع أو المدارس أو مُنشآت أُخرى.
في الآونة الأخيرة، أعلنَّا عن مشروعَ بناء أطول جسر سيتمُّ، حتَّى الآن، في البلد، ويكون حول نهر سالوم بمسافة 1285 مترا.
هذه الزِّيارات ذات الطَّابع الاقتصاديِّ أصبحَت من التَّقاليد الحكوميَّة عندنا، منذ عهد سنغور، ولكنَّ غالبيَّة النَّاس لا يعلمون بهذا الأمر. والشَّيء الوحيد الَّذي ابتكرتُه أنا، هو المجلس الوزاريُّ المتنقِّل بين الأقاليم.
الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور
تكييف الموازنة
كُنَّا نقوم بجرَّد الحسابات فيما يتعلَّق بكلِّ الالتزامات الَّتي وعدنَا بها، ثمَّ نُكيِّف الموازنة على هذا الأساس. عندنا برنامجٌ مهمٌّ لتحسين شبكة الطُّرق. السِّنِغال يتميَّز الآن بشبكة مُتميِّزة في مجال المنشآت الاجتماعيَّة. وفي ما يتعلَّق بالماء، وصلنَا إلى تغطية أكثر من 91 في المائة من الحاجات. وأريد أن أبلغ درجةَ تعميم خدمةِ توفير الماء، كما أنَّنا بصددِ تعميم التَّغطية الصِّحِّيَّة الشَّاملة.
في هذا المجال، انتقلنا من 20 إلى 47 في المائة خلال ثلاث سنوات. وأسعى للانتقال من 70 إلى 75 في المائة خلال 2024. غايتُنا هي الوصول إلى الحدِّ الَّذي لا يُحرَم فيه أيُّ سنغاليٍّ مِن خدمات الصِّحَّة بسبب ضعف إمكانيَّاته المادِّيَّة. في سنة 2012 لمَّا انتُخِبْتُ رئيسا للبلاد، كنتُ أُدرك أن الوضعَ صعبٌ للغاية، وكانت وطأة النَّقص في المنشآت أخفَّ مِن وطأة الظُّروف الَّتي لم تكن مواتيةً بالمرَّة إطلاقاً. إنَّ الأزمة الاقتصاديَّة كانت قد طالَت القارَّةَ الإفريقيَّة بكاملها.
الحكومة السابقة وتأجيل الرواتب
كانت الحكومة السَّابقة تُفكِّر في تأجيل دفعِ رواتب الموظَّفين والمتقاعدين. كلُّ شيء كان في طريقٍ مسدود. وكان البلد على حافَّة الشَّلل الاقتصاديِّ التَّامِّ، ومع إضرابِ المعلِّمين، كانت ملامح سنة بيضاء تلوحُ في الأفق، مُهدِّدةً الطَّلَبة والتَّلاميذ.
وكان غلاءُ الأسعار قد وصلَ إلى أعلى سقفٍ له خلال الانتخابات الرِّئاسيَّة. وكان النَّاس يصفونَني بـ » أبو التَّجهُّم », ولكن لم يكن لي بد من العمل لرفعِ الخطر الواقع علينا في أسرع وقتٍ ممكن.
قبل البدء بالإصلاحات العميقة جدَّا، قُمت بتعيين وزيرٍ أوَّل مِن خارج الطَّبقة السِّياسيَّة. وذلك لأنِّي انتُخِبتُ بفعل تحالف واسعِ النِّطاق.
السِّيرة الذَّاتيَّة للوزير الأوَّل عبدو امبي كانَت مناسبةً جدَّاً لهذا الوضع الَّذي كان يبدو فيه كلُّ شيءٍ مُستعجلاً.
في 18 أبريل، أثاروا ضجَّةً ضدِّي، وذلك عندما زعمَتِ المعارضة بأنَّني سارعتُ للذَّهاب إلى فرنسا بهدفِ لقاء الرئيس نيكولا ساركوزي، الَّذي كان في أوجِ حملة انتخابيَّة. إنَّني لم أُخفِ، في يوم من الأيَّام، علاقات الصَّداقة الَّتي تربطني به، ولكني لم أذهب إلى فرنسا مِن أجل جلبِ استمالتِه أو من أجلِ دعمِه. ورجعت من هذا السَّفر بوعدٍ بمبلغ 130 مليون يورو، تلقينا منه 50 مليوناً بواسطة خَلَفِ ساركوزي، فرانسوا هولاند، قبلَ نهاية العام. تمَّ هذا التَّسلُّم، بعد أن أبدى هذا الأخير موافقتَه التَّامَّة على تنفيذ التزاماتِ سَلَفِه تجاهنا. من دون هذا المبلغ من المال، ما كُنَّا لِنتمكَّن من إنهاء الأزمة فيما يتعلَّق بإضراب المعلِّمين أو بدفع رواتب بقيَّة الموظَّفين.
لم يَكُنْ هناك بُدٌّ من إجراء إصلاحات وتعديلات سريعة، وإلَّا ما كان يمكن لوضعنا، في ذلك الوقت، أن يستمرَّ.
عندما وصلتُ إلى سُدَّةِ الحُكم، وجدتُ عدداً لا ينتهي من اللِّجان الحكوميَّة وهيئات رقابيَّة وإداريَّة مُتداخلة ومتناقضة. وكانت كلُّ هيئة تذهب في اتِّجاهها الخاصِّ دونَ أدنى تنسيق مع بقيَّة الهيئات.
إضافة إلى كلِّ هذا، فإنَّ رواتب مُدراء هذه الهيئات كانَت مُغريةً للغاية! وكانت توصيات صندوقِ النَّقد الدُّوليِّ واضحةً وصارمة في مطالبتها بضرورةِ تخفيض مستوى النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة. فنسقُ نفقات الدَّولة كان أعلى بكثير من إمكانيَّاتها الفعليَّة.
كِدْتُ أن أفقدَ صوابي، لمَّا اكتشفتُ وجودَ وكالة وطنيَّة للموانئ الجديدة في السِّنِغال(ANPS)، بينما لم يكن في السِّنِغال أيُّ ميناء جديد.وكانت هناك أيضاً إدارة صغيرة لبناء مطارات صغيرة (DLPA)، الَّتي لم أعرف الهدفَ مِن وجودها في الحقيقة.
دهشتي من إكتشاف هيئات لا معنى لها
وكانت الدَّهشة أيضاً شديدة باكتشافِ هيئة تُسمَّى »الوكالة الوطنيَّة للسُّلطة العليا للصحَّراء » (ANHAD)، كما اكتشفنا أيضاً المكتبَ السِّنِغاليَّ للمُلكيَّة الصِّناعيَّة والابتكار التِّكنولوجيِّ (OSPIIT). ليس هناك أيَّة غرابة في وجود مثلِ هذه الهيئة الأخيرة، لكنَّ المشكلة هي وجود الوكالة السِّنِغاليَّة للمُلكيَّة الصِّناعيَّة والابتكار التِّكنولوجيِّ (ASPIIT) في الوقتِ نفسه.
طلبتُ إنهاءَ ما لا يقلُّ عن 59 من مثل هذه الهيئات بإيعاز من المفتِّشيَّة العامَّة للدَّولة (IGE).
إنَّنا ورثنا هياكلَ كثيرة من الاستعمار، الَّتي أكلَ عليها الدَّهر وشَرِبَ. مثلاً، أخذنَا من الاستعمار طريقةً في الإدارة تقتصر على تسيير الأمور، لا على تطويرِها.إن موظَّفِي الإدارة المدنيَّة عندنا، يعرفون جيِّداً القضايا المحلِّيَّة ويسافرون من مقاطعة إلى أُخرى، كما توفَّرَ لهم نظامٌ استخباراتيٌّ دقيق. فالجمارك ومصلحة الضَّرائب عندنا تُشكِّلان هيئتَينِ كبيرتَينِ ومُمتازتينِ للخدمات الماليَّة، مع كلِّ هذا، لا بُدَّ من ابتكار أهداف أُخرى لهذه المصالح. فالتَّفتيش مثلاً، لا يعني، بالضَّرورة، الزَّجر والإهانة. فلا بُدَّ مِن إيجاد توازن في الأمور من خلال إصلاحات يتمُّ تنفيذها لتحقيق مَردوديَّة أكبر في مجالِ جبايةِ الدُّخول الَّتي تُغذِّي ميزانيَّتَنا. ولا بُدَّ، بصفة أكثر أساسيَّة، من إيجاد إصلاحات عميقة للوصول إلى خدمات عموميَّة فعَّالة وموارد بشريَّة عالية الكفاءة. فَلِتَحقيقِ هذه الأهداف كلِّها، وضعتُ خُطَّة « السِّنِغال النَّاهض »(PSE).
إنَّ عقليَّةَ رفعِ التَّحدِّيات والقدرة على استباق الأشياء، ساعدتنا كثيراً. فَبِفضلِ تسلُّحِنَا بهذه الرُّؤى التَّحويليَّة، وبدعمِ الشَّعب المُتجدِّد لنا خلالَ الانتخابات التَّشريعيَّة في يوليو 2012، قمتُ بإيجاد برنامج لإجراء تخفيضٍ في النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة وعَقلَنَة النَّفقات العموميَّة كلِّها. وهكذا ألغيتُ السَّفر في الدَّرجة الأولى بالطَّائرة لأعضاء الحكومة ولبقيَّة الموظَّفين الكبار، كما أوجبتُ سقفاً لرواتب مدراء الوكالات والشَّركات الوطنيَّة.
كلُّ هذه الإجراءات، سمحَت لنا بفتح فضاءات واسعة في الموازنة العامَّة، مكَّنَتنا من تقديم الدَّعم الماليِّ لتخفيف فاتورات الكهرباء عن المواطنين. هذه الكهرباء الَّتي كان إنتاجها يُعاني، بشدَّة، من عدم الاستقرار. كما تَمكَّنَّا بهذا التَّوفير من إغاثة السُّكَّان الَّذين كانوا يعانون من أزمة غذائيَّة حادَّة، وذلك بدعم القطاع الزِّراعيِّ الَّذي كان يعيش وضعاً صعباً يُنذر بالخطر.إنَّ هذه الإجراءات مكَّنَتنَا مِن توفير ما يصل إلى 169 مليار فرنك سيفا.
لقد دعمت الدَّولة التَّحوُّلات النَّوعيَّة الَّتي تجري في البلد. وعندما يصلُ النَّاس إلى درجةِ الالتزام بأنفسِهِم بالآليَّات المنطقيَّة الموضوعة لتسيير الأمور في مجال السُّوق، فسيُمكِّنُ ذلك للدَّولة أن تدعمَ تعاقدات مع المتدخِّلين في السُّوق، وتنسحب هي شيئاً فشيئاً من بعض الفضاءات. ومثل هذا الأمر، لا يمكن أن يتحقَّق في المستقبل القريب، ولكن لا بُدَّ مِن التَّفكير والعمل للوصول إليه. إنَّنا في مرحلة حرجة، يتعيَّن علينا فيها تغيير طرائق الإنتاج لدينا. لا بُدَّ مِن اللُّجوء إلى استخدام الآلةِ شيئاً فشيئاً، كما يجب دعمُ البحوث في مجال الهندسة الزِّراعيَّة لتحديث الزِّراعة لدينا. الدَّولة يجب أن تُشكِّلَ مُحرِّكاً، لكن على الأفراد أن يأخذوا العدَّة اللَّازمة للنُّهوض بأعباء تطوير وتحسين مصيرهم شيئاً فشيئاً.
مكامن فخر ولايتي الرئاسية الاولى
لو طُلِبَ مِنِّي ذِكرُ الأمور الَّتي تُشكِّل مكامنَ فخرٍ لديَّ في ولايتي الرِّئاسيَّة الأولى خلال سبع سنوات، فسأسوقُها كالتَّالي: تحقيق العدالة وتكافؤ الفُرَص في المجال الاجتماعيِّ. عملنا كثيراً في هذا المجال من خلال مشروعات مثل (PUDC)، البرنامج العاجل لتنميةِ المجتمعات المحلِّيَّة، وكذلك (PUMA)، البرنامج العاجل لتحديث الطُّرُق المحوريَّة والمناطق الواقعة في الحدود. وهذا المشروع يستجيب للحاجاتِ الأساسيَّة للَّذين يعيشون في المناطق الحدوديَّة والأماكن النَّائية.
وفيما يدخل في سياسةِ التَّنمية والحماية الاجتماعيَّة الَّتي انتهجناها قمنا بتحديدُ الحدِّ الأدنى القانونيِّ لمعاش المتقاعد. ذلك أننا لم نكتفِ بزيادة مُتكرِّرة في معاشات المتقاعدين، بل وضعنا حدَّاً قانونيَّاً أدنى لمعاش المتقاعد، قريب من الحدِّ الأدنى القانونيِّ للرَّواتب.
من ابتكاراتنا أيضاً، هناك النَّفاذ الصِّحِّيُّ الشَّامل. هذه السِّياسة الَّتي يُسمِّيها بعض النَّاس »التَّغطية الصِّحِّيَّة الشَّاملة »، تسمح الآنَ بعد ثلاث سنوات من تطبيقها لـ47 في المائة من السِّنِغاليِّين بالاستفادة من هذه الخدمات في مجالِ العِلاج الصِّحِّيِّ. وهذا يعني أنَّه خلال ثلاث سنوات أُخرى على الأكثر، إذا استمرَّت هذه الجهود، سنصلُ بالفعل إلى تغطية صحِّيَّة شاملة للجميع.
وهناك أمورٌ أُخرى تُشكِّل بالنِّسبة لي فخراً عظيماً منها التَّحوُّل الكامل لآليَّات الإنتاج الاقتصاديِّ لدينا.
إننا أنشأنا هيئات اقتصاديَّة ضخمة. وإحدى هذه الهيئات تتمثَّل في القطار السَّريع الوطنيِّ (TER) الَّذي سيعمل 100 في المائة بالكهرباء، وسيربط هذا القطار بين دكَّار وجامنياجو، والَّذي سيصل في عام 2021 إلى مطار بليز ديان الدُّوليِّ. وسرعة هذا القطار هي 160 كيلومترا في السَّاعة، مع القدرة على نقل 150 الف راكب يوميَّاً. وهذا يعني أنَّه سيقطع مسافةَ رحلته بين العاصمة والمطار في ظرف 40 إلى 50 دقيقة.هذا التَّغيير الجذريُّ في نظام النَّقل في دكار وضواحيها، سيكون مقروناً ببرنامج آخَر لحافلات سريعة تكون مُزوَّدة بطرقها المُخصَّصة لها في النَّقل (BRT). كلُّ هذه الإنجازات تدخلُ في إطار خطَّة « السِّنِغال النَّاهض ».
في مجالِ التَّعليمِ أيضاً، قُمنا باستثمارات ضخمة جدَّاً للوصول إلى أفضل المعارف العصريَّة، وخاصَّةً في مجال الرَّقميَّات.
مدينة جامنياجو
إنَّ مدينة جامنياجو الَّتي تبعد عن دكار حوالي 30 كيلومترا، ستكون مدينةً جديدة وكبيرة تُشكِّل قُطباً عصريَّاً للأبحاث التِّكنولوجيَّة المتطوِّرة والابتكار، وستكون هذه المدينة أيضاً محلَّاً يحتضن أكثر من نصف الوزارات. هذا سيُمكِّنُنا من تخفيف الاكتظاظ عن مدينة دكار، مع انسيابيَّة أكثر عقلانيَّة في حركة النَّقل، وشغل أنسب للمحيط. وبالتالي لابُدَّ أن نكونَ جادِّين وواقعيِّين، وأن ندرك بأنَّ هذه المشاريع ليسَت، بعد، مختومة بختم « نجاحٍ مَضمون »، بل توجد هناك مخاطر مُتعدِّدة منها: عدمُ ضمان الاستقرار في مؤسَّسات الدَّولة، ومحاربة بعض النَّاس للتَّغيير, وضعف في تحريك الموازنات الماليَّة اللَّازمة، وعدم توفُّر الموارد البشريَّة الضَّروريَّة لإحداث التَّغيير, والتَّأخُّر الحاصِل في تطبيق الإصلاح من جرَّاء المحيط القاتم للأعمال والمال وتحديث الإدارة العموميَّة والنَّفقات الاجتماعيَّة الطَّارئة، والمفاجئات المُتقلِّبة للطَّقس (الجفاف والفيضانات), والقدرة المحدودة في جلبِ الموارد الماليَّة، بالإضافة إلى النَّقص الحاصل في المتابعة والتَّقييم للأعمال. بيد أن تركَ المحاولة وعدمَ الإصرار في المحاولة، يعنيان اختيار الفشل منذ البداية. وهذه العقليَّة المتقاعسة لن تخدمَ الوطن!
على الرَّغم من كلِّ هذه الصُّعوبات، فإنَّ برامجنا في مجال تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعيَّة والتَّنمية الشَّاملة، أخرجَت ملايين السِّنِغاليِّين مِن الفاقة الكبيرة. وأومنُ بأنَّه بقي الكثير مِمَّا يجب علينا عملُه، وأعتمد في القيام بهذا على الجاهزيَّة المُتحمِّسة لشعبنا، الَّذي يعرف كيف يرفع التَّحدِّيات المنصوبة أمامَه بفضلِ عبقريَّتِه وحرصه على العمل.
الدَّولة ليسَتْ أنا!
إنَّ رئيسَ الجمهوريَّة يرمز إلى جميع التَّطلُّعات، ويُمثِّل كلَّ الآمال، وقد يخيبُ ظنُّ البعضِ أحياناً، ولكنَّ المهمَّ هو الحزمُ والعزمُ في القناعات، وفي وضع خطط المستقبل.
هناك خيارانِ أمام الرَّئيس. إمَّا إهدار إمكانيَّات المستقبل، واعتبار أنَّه « مِن بعدي الطُّوفان »، والبحثُ عن الحلول ذات المدى القريب فقط، والسَّعي وراء شعبيَّة مُصطَنَعة ومَبنيَّة على طرائق ديماغوجيَّة. أو العمل المبنيُّ على الاستدامة.
لن اتذوق الثمار
عندما وضعتُ خطَّتي بالتَّعاون مع مُساعِدِيَّ للإصلاح الشَّامل في السِّنِغال، كنتُ أستهدف أفقاً زمنيَّاً، لن أكون في السُّلطة أثناءَه. لقد وضعتُ سنةَ 2035 وجهةً لبوصلتي. أعرف بأنَّني في هذا الوقت، لن أتذوَّقَ ثمارَ ما زرعتُه، وهو بلد صاعد في أفق 2035 مع مجتمعٍ مُتضامن في دولة القانون. وكانت هذه هي المُثُل الَّتي نرمي إلى تحقيقها في خطَّة « السِّنِغال النَّاهض ». لا شكَّ أن الجانب الاقتصاديَّ على درجة عالية جدَّاً من الأهمِّيَّة. ومِن المعلوم أن الأمور الماليَّة والاقتصاديَّة تُشكِّل الرَّافعات الدِّاينامكيَّة للمجتمع، ولكنَّ السِّياسة هي الموجِّهَة للمالِ والاقتصاد، ولقد انعتقَ الاقتصاد على المستوى العالميِّ الشَّامل.
إن الأمور الماليَّة لم تعد تخضع لرقابةِ الحكومات، ولكنَّ الواقع يدلُّ على أنَّه حينما ينهار سعرُ مادَّة أوَّليَّة، فإنَّ ذلك يؤثِّر مباشرةً على البلد الَّذي كان ينتجه.
وعلى الرَّغم من كلِّ هذا، فإنَّ الدُّول تبقى قويَّة دائماً. أن إعلاناً سياسيَّاً واحداً يمكن أن يؤثِّر على سعرِ البورصات. لذلك يكون أصحاب المال مُضطرِّين إلى أخذ ذلك بعين الاعتبار. كما أن سكَّ النُّقود والمعاملات الماليَّة وقوانين تنظيم السُّوق، هي مِن صلاحيَّات الدَّولة. إن على الدَّولة تنظيم السُّوق، بوضعِ معايير وضوابط للقطاعاتِ الَّتي تقع ضمن مسؤوليَّتنا، ولكن بعدَ وضع أُسس واضحة للتَّنمية، فإنِّي، أرى أنَّه يمكن للدَّولة أن تتركَ القطاعَ الحرَّ ليحلَّ محلَّها بشكلٍ طبيعيٍّ.
رفع الرَّواتب إلى الحدِّ القانونيِّ الأدنى
عندما قمتُ برفعِ الرَّواتب إلى الحدِّ القانونيِّ الأدنى، الأمر الَّذي لم يحدث منذ 1995، أحدثَ هذا القرارُ تأثيراً كبيراً في الجوانب الماليَّة والاقتصاديَّة. وأنا الآن بصددِ إيجاد راتب أدنى قانونيٍّ للمزارعين. أن تحقيق مثل هذا الإصلاح سيكون أمراً مُهمَّاً في بلد مثل السِّنِغال. كلُّ هذه السِّياسات تندرج في إطار خُطط « السِّنِغال النَّاهض ».
وهذه الخطَّة تسعى لتحقيق الإصلاحات في ثلاثة محاور:
1 ـ تحوُّلٌ نوعيٌّ في المنشآت الاقتصاديَّة بواسطة تقوية الآليَّات الحاليَّة للنُّموِّ، وتنويع القطاعات الجديدة الَّتي تخلق الثَّروة وفرص العمل والتَّنمية الشَّاملة، مع قدرةٍ كبيرة في التَّصدير وجلب الاستثمارات. وهذا المحور يدخل في إطار تنمية أكثرَ توازناً لترقية المجتمعات المحلِّيَّة وتشجيع قيام مراكز ذات ثقلٍ اقتصاديٍّ كبير، لتحفيز الطَّاقات والقدرات الكامنة لدى جميع المجتمعات المحلِّيَّة.
2 ـ تحسينٌ مَلموسٌ لظروف حياة جميع السُّكَّان، ومحاربة أكثر فاعليَّة لعدمِ تكافؤ الفرص على الصَّعيد الاجتماعيِّ، مع الحفاظ على المصادر الأساسيَّة للثَّروات والعمل على بروز متجمعات محلِّيَّة حقيقيَّة.
3 ـ ترسيخ دعائمِ الأمن والاستقرار والحُكم الرَّشيد، وحماية الحرِّيَّات ودعم دولة القانون بتهيئة أفضل الظُّروف المؤدِّية إلى السَّلام الاجتماعيِّ والتَّفتُّق الكامل للقدرات على الابتكار. هذه النُّقطة الأخيرة تتعلَّق بوظائف جوهريَّة يُقال عنها بأنَّها سياديَّة، لا يستطيع القيام بها إلَّا الدَّولة نفسُها.
وتأتي العدالة في طليعة هذه الأمور السِّياديَّة، لأنَّه لا يمكن خصخصتُها بأيِّ حالٍ من الأحوال. يجب على الدَّولة أن تُهيِّئَ الأوضاع الَّتي تتحقَّق فيها العدالة للشَّعب على أُسس مناسبة.
دعم العدالةً
منذ بداية فترتي الرِّئاسيَّة، عملتُ على تزويد أجهزة العدالة بالوسائل اللَّازمة للقيام بعملِها على أحسن وجه. وكنتُ شخصيَّاً أُتابع قضايا التَّربُّح غير الشَّرعيِّ من الأموال العامَّة. فمنذ سنة 1982، تمَّ إنشاء محكمة خاصَّة لمحاربة هذا التَّربُّح، كلُّ الَّذي عملته أنا، هو إعادة فتحِ تلك المحكمة، وتعيين قُضاة لها. هكذا بدأ هؤلاء القضاة يُباشرون أعمالهم، واستجوبوا بعضَ الأشخاص. وكانت ملاحقة هؤلاء الأشخاص أو عدم ملاحقتهم راجعةً إلى قرار العاملين في العدالة. وقمتُ أنا بنفسي بالإعلان عن مُمتلكاتي وفقَ الدُّستور، وكنتُ أوَّل رئيسٍ قام بهذا الإعلان. برهنتُ أن كافَّة مُمتلكاتي اكتسبتُها بعرقِ الجبين. ما أكثرَ الأقاويل حولَ مُمتلكاتي، الَّتي يشكل أعلاها قيمة على الإطلاق هو منزلي الواقع في حيِّ ميرموز، الَّذي حصلتُ عليه في سنة 2006 لمَّا كنتُ وزيرا أول. وهو عبارة عن فيلَّا تتكوَّن مِن أربع غرف في الطَّابق الأرضيِّ, ثمَّ عملتُ على بناءِ طابقٍ عُلويٍّ ثانٍ ما بين 2011 و 2012. أنا أسكنُ الآن في هذا المنزل.
وبعدَما تمَّ تفعيل محكمة مُحاربة التَّربُّح غير المشروع، بدأتْ تُمارس عملَها بكلِّ استقلاليَّة. إنَّنا في السِّنِغال، لا نعتبر أن الفصلَ بين السُّلطات أمرٌ ينصُّ عليه الدُّستور فقط.
إنَّني خفَّضتُ النَّفقات الاستهلاكيَّة الجارية للدَّولة، وفرضتُ رقابةً مُشدَّدة على النَّفقات العموميَّة، كما وضعتُ محاربةَ اختلاس المال العامِّ في طليعة الأولويَّات. إن الَّذين ينهبون المالَ العامَّ، يجب أن يعلموا بأنَّهم لن يُفلتوا من العقوبات القانونيَّة، وأنَّهم سيُعاقبون مهما كانت الجهة الَّتي ينتسبون إليها. إنني أطالب الجميعَ بالسُّلوك المثاليِّ في هذا المجال. لو كان أحد أعضاء حكومتي أو أحد أفراد أُسرتي، وقعَ تحت طائلة المساءلة الماليَّة القانونيَّة، فإنِّي سأترك العدالة تقوم بعملها بكلِّ تأكيد.
في تصوُّري للحُكم، أعتبر أن مُحاربة اختلاس المالِ العامِّ والرَّشوة، ليست قضيَّة أخلاقيَّة فقط، إنَّها ضروريَّة جدَّاً في سبيل تأمين الممتلكات العموميَّة والثَّروات الَّتي هي مُلك للجميع.
إنَّ جهودنا في هذا المجال، مكَّنَتنا من توفير مبالغ ضخمة لتمويل برامج عادلة مِن أجل تحسين ملموس لحياة الملايين من المواطنين في مختلف المجالات.
كما سبق أن ذكرتُ، فإنَّ خطَّتي الممتدَّة إلى أفق 2035، سيتمُّ إنجازها بواسطة خبرات وطنيَّة وعالميَّة. أنا أؤمن بأنَّ التَّخلُّف ليس قَدَراً حتميَّاً. فقد وصلنا في وقتٍ قياسيٍّ جدَّاً إلى نسبة سبعة في المائة، من نموِّ النَّاتج المحلِّيِّ الإجماليِّ. ومع كلِّ هذا النُّموِّ، وحِرصاً منِّي على جعلِ هذه الثَّروات مُستدامةً ومُحقِّقة للتَّنمية الشَّاملة، فإنِّي عملتُ على إيجاد خطَّة اقتصاديَّة واجتماعيَّة على أساسٍ تضامنيٍّ مع الجميع.
إذًا، توفَّرَت لدينا وسائل عمليَّة لتحقيق تنمية طويلة المدى، التي تسمحُ لوطننا بمقاومة الصَّدمات الاقتصاديَّة الخارجيَّة العنيفة، مُتمثِّلةً في هذه الهزَّات الاقتصاديَّة االخارجيَّة (الأزمات الاقتصاديَّة وإملاءات الهيئات الماليَّة على الدُّول والكوارث الطَّبيعيَّة ……..).
سحبت السلطات المالية جواز سفره الدبلوماسي يوم الخميس من الإمام محمود ديكو ، وهو شخصية دينية وسياسية بارزة ومنتقد للسلطات الانتقالية ، حسبما علمت من الوفد المرافق له.
لم تقدم السلطات علنا أي تفسير لسحب جواز سفر محمود ديكو صاحب النفوذ الديني.
ومع ذلك ، يأتي ذلك بعد أربعة أيام من الاستفتاء على دستور جديد ، والذي عارضه الإمام بشكل صريح ، وستة بعد خطبة خطبة عنيفة من جانبه ضد السلطات الانتقالية.
سُحب جواز سفر الإمام ديكو الدبلوماسي في مطار باماكو لدى عودته من مؤتمر عُقد في موريتانيا المجاورة ، حسبما أفاد عضو مقرب من الوفد المرافق له تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية هذا العمل ضد شخصية بارزة.
حصل الإمام ديكو على جواز السفر هذا في عهد الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا ، الذي أطاح به في أغسطس 2020.
كان الإمام شخصية الوصاية على شهور الاحتجاج التي سبقت إقالة الرئيس كيتا. في البداية دعم السلطات الانتقالية، قبل أن يصبح ناقدًا متحمسًا.
وأشار أحد أعضاء الأجهزة الأمنية ، الذي تحدث أيضًا شريطة عدم الكشف عن هويته ، إلى « أخطاء فنية » في جواز السفر.
تمكن الإمام ، الذي استمع إليه كثيرًا في مالي ، من العودة إلى دياره.
في الأشهر الأخيرة ، كان أحد قادة جبهة متنافرة تشكلت ضد دستور جديد. شجب الإمام والمنظمات الدينية المؤثرة الحفاظ على مبدأ علمانية الدولة في النص.
وسلم الجمعة ، خلال اجتماع عام للرفض ، نزهة شرسة ضد السلطات الانتقالية الذي « صادر ثورة الشعب » لعام 2020 على حد تعبيره.
وصوت الماليون على النص يوم الأحد. يجب أن تكون النتائج معروفة يوم الجمعة.
شبكة بيئة ابوظبي، عماد سعد، الامارات العربية المتحدة، 23 يونيو 2023
-زكي نسيبة: جامعة الإمارات هي جزء رئيسي وشريك استراتيجي هام لتحقيق التوجهات والطموحات الاستراتيجية الوطنية ذات الصلة بالتغير المناخي
-مريم المهيري: خارطة الطريق خطوة حقيقية لإدماج الشباب والبحث العلمي
-أحمد مراد: خارطة طريق جامعة الإمارات إلى COP28 وما بعده
أطلقت جامعة الإمارات العربية المتحدة صباح اليوم خارطة الطريق الخاصّة بها لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ COP28 الذي تستضيفه دولة الإمارات في مدينة إكسبو دبي، خلال شهر نوفمبر المقبل وما بعده (2023-2026)، وذلك بحضور معالي مريم بنت محمد المهيري، وزيرة التغيّر المناخي والبيئة، ومعالي زكي نسيبة – المستشار الثقافي لصاحب السمو رئيس الدولة – الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات بالإضافة إلى ممثلي عدد من المؤسسات الحكومية من الشركاء الاستراتيجيين.
وأشار معالي زكي نسيبة في كلمته الافتتاحية إلى أن جامعة الإمارات هي جزء رئيسي وشريك استراتيجي هام لتحقيق التوجهات والطموحات الاستراتيجية الوطنية ذات الصلة بالتغير المناخي، مؤكداً على أن خارطة طريق الجامعة ستعمل على دعم وتشجيع العمل بما يتماشى مع استراتيجية الدولة وجدول أعمال COP28، من خلال التركيز على ثلاثة عناصر ذات صلة بالجامعة: البحث والابتكار، تمكين الشباب، وتعزيز شراكاتنا المحلية والدولية، وتهدف هذا الخارطة إلى دعم الجهود الوطنية في تحقيق المبادرة الاستراتيجية في الحياد المناخي 2050.
ولفت معالي زكي نسيبة إلى أن خارطة طريق جامعة الإمارات لمؤتمر الأطراف COP28 تتضمّن 35 مبادرة تحمل أهدافاً ونتائجاً ملموسة يمكن قياسها، وقد بدأ العمل في البعض منها، وسيستمر الكثير بعد انقضاء COP28، مُشيراً إلى هذه الخارطة سوف تُسهم في توسيع سجلّ دولة الإمارات في البحث عن حلولٍ عملية لتغيّر المناخ، من خلال التركيز على الطاقة المُتجدّدة، والحدّ من النفايات وإعادة استخدام الموارد الطبيعية.
واختتم معاليه: « سوف نستفيد من خبرتنا في مجال الزراعة وتكنولوجيا المياه، والحلول العلمية والهندسية التي تستغل النظام البيئي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وسنستخدم معرفتنا وخبرتنا لتعزيز التغيير في السلوك البشري الذي هو في الأصل السبب في تغير المناخ. وننوي المساعدة في تقليل الشكوك وعدم القدرة على التنبؤ بتأثيرات الاحتباس الحراري ».
وخلال كلمتها، أكدت معالي مريم المهيري أن الشباب يمكنهم أن يلعبوا دور أكبر في رحلة الإمارات نحو الحد من التغير المناخي وخلق مستقبل مستدام من خلال العلم والابتكار والإبداع، مشيرة إلى أن مؤتمر الأطراف COP28 هو فرصة للحكومات والمنظمات والجامعات والعلماء والأعمال لطرح رؤاهم وخبراتهم حول كيفية جعل العالم أكثر استدامة. وقالت معاليها: « تعكس خارطة طريق جامعة الإمارات العربية المتحدة لمؤتمر الأطراف COP28، خطوة حقيقية لإدماج الشباب والبحث العلمي في جهود مواجهة التغير المناخي على كافة المستويات، حيث تمثل الجامعة التي أتشرف كوني أحد أعضاء مجلس أمنائها، أحد الصروح الأكاديمية والعلمية المرموقة على مستوى الدولة والمنطقة، وأنا واثقة بأن خارطة الطريق ستكون مساهمة ملموسة من الجامعة خلال عام الاستدامة لدعم جهود الدولة في وضع رؤية متطورة لإيجاد حلول لتحديات التغير المناخي وكيفية التكيف معها، بالإضافة إلى تحقيق الحياد المناخي في الدولة بحلول عام 2050 ».
وأضافت معاليها: « باستخدام ما تملكونه من علوم ومهارات وعقول مبدعة، يمكنكم أن تقدموا لنا وللعالم حلولاً استثنائية في مختلف القطاعات، بداية من دعم مصادر الطاقة المتجددة والنقل المستدام والقضاء على الجوع في العالم، وانتهاءً بتغيير عادات وسلوكيات المجتمع لجعل العالم أكثر استدامةً وتطوراً وازدهاراً ».
وقد عرض الأستاذ الدكتور أحمد علي مراد – النائب المشارك للبحث العلمي في جامعة الإمارات خارطة طريق جامعة الإمارات إلى كوب 28 وما بعده تحت شعار « تمكين شبابنا للتغلب على آثار التغير المناخي » والتي تتميز بالشمولية وتضم عدد من الفعاليات التي بدأت ما قبل كوب 28 وتستمر إلى ما بعده وتركز على تمكين الشباب والتعاون المحلي والدولي من خلال البحث العلمي والابتكار. واستعرض الدكتور أحمد مراد الفعاليات المختلفة المسابقات الطلابية كالمناظرات العلمية الطلابية حول العمل المناخي، ماراثون تقنية المعلومات حول استخدام الذكاء الاصطناعي للاستدامة البيئية والعمل المناخي، مسابقة تمثيل البيانات بصورة مرئية حول الوعي بالتغير المناخي، مسابقة الفن وأهداف التنمية المستدامة. كما وتتضمن الخارطة ستة مؤتمرات ومنتديات دولية خلال الفترة من سبتمبر 2023 وحتى نوفمبر 2024، منها منتدى الجامعات للتأثير حول الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة والمعني بالمياه النظيفة والصرف الصحي بالشراكة مع مؤسسة التايمز للتعليم العالي، المؤتمر العالمي للجيوفيزياء الهندسية في دورته السابعة حول دور الجيوفيزياء في التنمية المستدامة والتغير المناخي، المؤتمر الدولي المشترك في التكنولوجيا المالية واستدامة المالية والمحاسبة في عالم متغير، المؤتمر الدولي الثاني في إدارة واستدامة الموارد المائية في المناطق الجافة. كما أن هناك عددا من المبادرات بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس وجامعة موناش بأستراليا وجامعة سنغافورة للإدارة.
ويساهم في هذه المبادرات عدد من الشركاء الاستراتيجيين في تنفيذ المبادرات: وزارة الخارجية، وزارة التغير المناخي والبيئة، شبكة الجامعات المناخية، تريندز للبحوث والاستشارات، الهلال الأحمر الإماراتي، التحاد النسائي العام، ايليت اجرو، هيئة الأمم المتحدة للمرآة، خدمات. وتهدف خارطة جامعة الإمارات إلى كوب 28 وما بعده إلى دعم الجهود الوطنية في تحقيق مستهدفات أهداف التنمية المستدامة والمساهمة في نجاح جهود كوب 28.
في هذه الحلقة من « السنغال في القلب »، يتحدث الرئيس السنغالي ماكي صال في مذكراته عن ظروف عزله من الجمعية الوطنية (البرلمان) والإهانات التي تعرض لها، وعما أخبره به صديق عن بعض الخطط السرية لرئاسة الجمهورية الهادفة إلى تدميره. كما يروي مسار تأسيس حزب « التحالف من أجل الجمهورية »، وقصة تعيين الابن المدلل للرئيس عبد الله واد وزيرا لعدة وزارات، وهذا جلبَ له لقَبًا تهكُّميًا هو « وزير شؤون السماء والارض »،إضافة إلى إخفاق كريم واد في الظفر بعمدية داكار العاصمة.
يتوقف الرئيس صال عند جولته في مختلف أرجاء السنغال وخاصة القرى والمناطق النائية، وهي جولة جعلته يلتقي الناس ويتعرف على أوضاعِهم ويستنشق عبيرَ نكهة حياتهم. وهكذا بدأ مسيرةً طويلةً جدًا. وكان يقارن نفسه، في هذه الجولة الشَّاملة لكافَّة أراضي السِّنِغال، مع ماو تسي تونغ، متذكرا مقولتَه حولَ ضرورة البدءِ بالأرياف لتطويق المُدن في سبيل الانتصار. وفي ما يلي الحلقة الثامنة.
كان مِن الممكن جدًا، أن يكون عزلي من الجمعيَّة العموميَّة الوطنيَّة (البرلمان) سببًا لإهانتي. على كلِّ حال، هذه الإهانة هي ما كان يهدف إليها خصومي. أحدُ أصدقائي المُسمَّى هارون جاه، وهو رجل أعمال مُقيم في واغادوغو، وصلَت إليه بعض الخطط السِّرِّيَّة لرئاسة الجمهوريَّة الهادفة إلى تدميري. أخبرَه بهذه الخطط أحد مُستشاري واد، الأكثر عداوةً لي. هذا المستشار قال له يومًا: « إنَّ ماكي صال يريد أن يلعب لعبة خطيرة معنا، لكنَّه سيندم ».
في 1 ديسمبر 2008، دعوتُ إلى مؤتمر صحفيٍّ للإعلان عن تأسيس حزبي « التَّحالف من أجل الجمهوريَّة ».
التمرد
تكوَّنت مجموعة نضاليَّة معروفة باسم (Fippu/التَّمرُّد) تضم بعض الأصدقاء الأوفياء لي. ولم يكن الأمر، في البداية، حزبًا سياسيًّا بالمعنى التَّقليديِّ للكلمة، إنَّما كان، بعبارة أصحَّ، حركة سياسيَّة مُتولِّدة، تتكوَّن أساسًا من الطَّلبة اللذين يعارضون، بشدَّة، القرارات التَّعسُّفيَّة للرَّئيس عبد الله واد.
وتمَّ عقدُ المؤتمر الصَّحفيِّ في أحد فنادق مدينة دكار.وذكرتُ خلال المؤتمر الصَّحفيِّ أهمَّ المبادئ الَّتي ننوي إقامةَ عملِنا السِّياسيِّ عليها. وحاولت صياغةَ هذه المبادئ في العبارات التَّالية:
خدمة الوطن قبلَ خدمة الحزب.
التزامي النِّضال نابعٌ مِن استلهامي المستمرِّ مِن أحد مبادئ حياتي وهو « عَظَمَتُنا تكمن في قرارنا بأن نكون أقوى من أوضاعنا ».
الاقتناع بأنَّ العمل السِّياسيَّ، يمكن القيام به على نحو يتوافق ويتناغم مع الضَّمير المهنيِّ والأخلاق والأمانة.
عزَّة النَّفس يجب أن تكون أجملَ لباس للإنسان في جميع أحواله، لأجل هذا، كنتُ أرفض، دائمًا، كلَّ ما يُهدِّد عزَّة النَّفس، وأنَّه إذا كان التَّنكُّر لمبادئي هو الطَّريق لكي أعيش، فأنا أرفضُ ذلك تمامًا.
النِّضال من أجل أن تبقى الجمهوريَّة مصونة في مبادئها الأصليَّة. وقمتُ بهذا النِّضال في وجه أخطار كانت تُنذر بسيادة النَّزعة الاستبداديَّة المبنيَّة على المحسوبيَّة وتقديم الأقارب.
التحالف من أجل الجمهورية
التقينا جميعًا حولَ هذه القِيَم. ولأجلِ هذا، أطلقنا على الحزب الَّذي كَوَّنَّاه معًا اسم « التَّحالف من أجل الجمهوريَّة ». التَّحالف، لأنَّه لم يكن لنا بُدٌّ مِن تضافر الجهود وتوحيد الاتِّجاهات لحماية القضايا الأساسيَّة في بلدنا.
بعدَ الإفصاح عن برنامج الحزب شرعنا في إنجاز العمل الجادِّ، مع العلم أن معسكر رئيس الجمهوريَّة لم يتركنا من دونَ محاولة عرقلتِنَا. وهكذا تمَّ طردُ نائبين برلمانيَّينِ قريبَينِ منِّي من الجمعيَّة العموميَّة الوطنيَّة.
كانت الطَّريقة المُستخدمة جديرة بالأنظمة الدِّكتاتوريَّة الشُّموليَّة! كان رجال السُّلطة يتتبَّعون الصُّوَر، فكلُّ مَن رأوه معي في صورة يعتبرونه مَطرودًا من حزبهم عمليًا. ذلك أن هناك قانونًا مُفصَّلًا على المقاس، ينصُّ على أن أيَّ نائب برلمانيٍّ إذا غادر حركتَه السِّياسيَّة، فإنَّه يفقد، في الحال، ولايتَه الانتخابيَّة. وهكذا لَووا أعناقَ النُّصوص، وتمَّ طردُ امبي نجاي ومصطفى سيسه لولا بكلِّ استخفافٍ لمشاعر مَن انتخبوهما بصفة شرعيَّة!.
وهناكَ حدثٌ أيضًا في سنة 2009، لم يكن هو الآخَر، أقلَّ إثارةً للتَّعجُّب!
كريم واد نجل الرئيس السنغالي السابق عبدالله واد
وزير شؤون السماء والارض
هذا الحدث يكمن في دخول ابن الرئيس واد، كريم واد، في الحكومة وتعيينه وزير الدَّولة المُكلَّف التعاون الدُّوليِّ والتَّدبير المجاليِّ والنَّقل الجوِّيِّ والمُنشآت، وهذا التَّعيين جلبَ له لقَبًا تهكُّميًا هو « وزير شؤون السَّماء والأرض »!
هدفي الأوَّل كان يتمثَّل في انتخابي، مِن جديد، عُمدةً لمدينة فاتيك. وكنتُ أرى أنَّه يجب عليَّ أن أتمتَّع بولاية سياسيَّة وبقلعة سياسيَّة تابعة لي أيضًا، لكي أوجد في أرضيَّة صلبة، لأنَّني كنت مُجرَّدًا من كلِّ شيء، إلَّا مِن كوني رئيسًا لحزبٍ سياسيٍّ جديد. وبذلك أصبحتُ مُعارضًا مع أنصار قليلين ووسائل مادِّيَّة هزيلة.
انطلاقا من ذلك ، قرَّرتُ مواجهة عبد الله واد، وكنتُ على عِلم تامٍّ بأنَّه لن يتردَّد في بذل كلِّ ما في وسعه لسحقي ومحقي وتدميري! في هذه اللَّحظة، بدأت حياتي تأخذ منحىً آخَر، مُهمًا للغاية. وكنت قد ارتأيت بأنَّني، إذا أردتُ تحقيق غايتي إلى أقصى الحدود، لا بُدَّ لي من القيام بجولة تشمل كافَّة بقاع السِّنِغال ومناطقها، تجعلني ألتقي بالنَّاس وأتعرَّف على أوضاعِهم وأستنشقُ عبيرَ نكهة حياتهم. وهكذا بدأتُ مسيرةً طويلةً جدًا. وكنت أقارن نفسي في هذه الجولة الشَّاملة لكافَّة أراضي السِّنِغال، مع ماو تسي تونغ، وأنا أتذكَّر مقولتَه حولَ ضرورة البدءِ بالأرياف لتطويق المُدن في سبيل الانتصار.
في ما يتعلَّق بنا، لم يكن لنا برنامج إيديولوجيٌّ، إنَّما كُنَّا نُدرك ضرورةَ مغادرة المدن للذَّهاب في سبيل اكتشافِ جميع بقاع السِّنِغال، بما فيها القُرى النَّائية جدًا والأكواخ المُهملة للغاية، حيث لا توجد الكهرباء، والحصول على الماء لا يتأتَّى إلَّا مِن مكان بعيد.
كنتُ أفكِّر في الانتخابات الرِّئاسيَّة المقبلة، لكنِّي كنتُ أريد، أوَّلًا، ترسيخ الحزب السِّياسيِّ الجديد، على امتداد التُّراب الوطنيِّ، وفي كافَّة الأقاليم.
كان أصدقائي ينظرونَ إليَّ بعيون ملؤها التَّعجُّب، لأنَّهم لم يكونوا يرونَ فائدةً تُذكَر في هذه الرِّحلة المُنهكة! وكانوا يرون بأنَّ الانتخابات الرِّئاسيَّة ستتمُّ أهمُّ حلقاتِها في المدن الكبيرة مثل دكار وتياس وكولخ وزيغيشور وسان لويس. وكنتُ أردُّ على هؤلاء بأنَّنا نسينا، منذ مُدَّة طويلة، المناطق الرِّيفيَّة العميقة والنَّائية جدًا في السِّنِغال، كما نسينا هؤلاء السُّكَّان الَّذين لا يرون ظِلًا لأدنى موظَّف حكوميٍّ.
شكَّلَت الانتخابات المحلِّيَّة في سنة 2009 معيارًا كبيرًا في هذا المجال.
قمتُ بجولة استغرقَت قرابة ثلاث سنوات قطعِت خلالها 80 ألف كيلومتر، تساوي ضعفَي محيط الأرض.
في قرية ’’بوكي سابوندو’’
هناك لقاءٌ أثَّرَ في نفسي تأثيرًا عميقًا، جرى في قرية تُسمَّى « بوكي سابوندو »، وكنتُ بصحبة بعضِ المُقرَّبين، من ضمنهم فاربانغوم، أحد رفقاء السَّاعة الأولى. في ذلك اليوم، قطعنَا مسافة ثماني ساعات بالسيَّارة، خارج الطَّريق المُعبَّدة، كي نصلَ إلى هذه القرية الَّتي تُشكِّل أرضًا لا يرغب فيها أحد، وتقع في أعماقِ مقاطعة كانيل في شمال السِّنِغال.
كنتُ أتحدَّث مع أحد أعيان القرية، فقال لي: « المرَّة الوحيدة الَّتي تلقَّينا فيها زيارة من أحد مُمثِّلي الدَّولة، كان في شخصٍ دَرَكيٍّ جاء لإلقاء القبض على أحد أهالينا »، ثمَّ أضاف قائلًا: « قبل مدَّة وجيزة، قُمنا بدفنِ ابنٍ لي، سقطَ من حصان فمات، لأنَّ المستشفى بعيدٌ جدًا ».
في قرية « مباجانين »، الواقعة في منطقة سالوم، قرب ماليمهودار، قال لي شيخُ القرية المُسنُّ: « يا سعادة الرَّئيس، (كان النَّاس يسمُّونَني بهذا بوصفي رئيسًا سابقًا للجمعيَّة العموميَّة الوطنيَّة) إن تقاليد الضِّيافة تقتضي منِّي أن أُقدِّمَ إليك، أوَّلًا، الماء للشُّرب، لكني عاجز عن القيام بذلك، لأنَّ النِّساء خرجنَ، منذ الصَّباح، للبحثِ عن الماء. لأجل هذا الأمر، لا أستطيع تقديمَ الماء إليك ».
منذ مُدَّة طويلة، زُوِّدَت القرية الأولى بالطَّاقة الشَّمسيَّة، والقرية الثَّانية ببئر ارتوازيَّة.
إنَّ هذه النَّماذج لحالات تمسُّ شغافَ القلب، وتحملُك على عمل شيء واقعيٍّ مَلموس.
إنَّ هذه الجولة لِملاقاة السِّنِغاليِّين غيَّرتني، رأسًا على عقب، وولَّدَت لديَّ إرادة قويَّة لبذل كلِّ ما في وسعي في سبيل تنمية البلد. وضعت، مرَّةً أخرى، سرج التِّرحال على جوادي في سبيل مُلاقاة مواطنين بُسطاء في أماكن نائية جدًا. هنالِك أدركتُ تمام الإدراك، أنَّه مع إخلاصنا ومع الأعمال الَّتي تمكنَّا مِن إنجازها، وعلى الرَّغم مِمَّا ظننَّا أنَّنا قُمنا به من نتائج، فإنَّنا لا نزال بعيدين كلَّ البُعد عن الغاية المطلوبة،وبالتالي يجب تغيير نمط الرُّؤية في هذا الإطار.
الرئيس السنغالي السابق عبدالله واد
إعادة ترتيب الاولويات السياسية
إنَّ هذه الرِّحلة جعلتني أقتنعُ بضرورة التَّفكير في إعادةِ ترتيب الأولويَّات السِّياسيَّة القائمة حينها. من المهمِّ جدًا العملُ على حلِّ المشاكل الَّتي تُمثِّل قواسم مشتركة بين مُختلف القُرى والتَّجمُّعات الَّتي زرتُها في السِّنِغال.
هناك ثلاثة مطالب شكاوى كانت تتكرَّر دائمًا وهي: إمَّا انقطاع التَّيَّار الكهربائيِّ، أو انعدام الكهرباء كلِّيًا، أو انعدام الماء أو عدم وجود الطُّرق المُعبَّدة. وكان مِن أهمِّ المطالِب أيضًا: توفير فرص عمل النِّساء في المناطق الرِّيفيَّة.
كنتُ أُقيم شهرًا كاملًا خارج دكار، وكنتُ كلَّما ذهبتُ إلى إقليم، أزور جميعَ مقاطعاته ومحافظاته، وأبيتُ في بعضِ الأحيان في ضيافة أحد سُكَّان هذه القرى، أو في منزل أحد الأصدقاء مِن السِّنِغاليِّين في الشَّتات. وهناك بعض المقاطعات الَّتي كُنَّا ننام فيها في النُّزل أو في منازل على شكل فنادق.
إنَّ السَّفَر في طرق غير مُعبَّدة، كان يُعرِّض عجلات السَّيَّارات للتَّشقُّق والانفجار.
بفضلِ هذه الرِّحلة ، اكتسبتُ معرفةً أفضل بالسِّنِغال وشعبِه وثقافاتِه. وبسببِ ذلك أيضا ،أدرجت في برنامجي الأوَّل الأولويَّات المُستعجَلة التَّالية: بناء الطُّرق الجيِّدة، وتزويد النِّساء بالمعدَّات اللَّازمة لتخفيف عملهنَّ، وتزويد الجميع بالماء والكهرباء.
بدأتُ العمل بهذا البرنامج المعروفِ باسمِ PUDC (البرنامج الاستعجالي لتنمية المجتمعات المحلِّيَّة)، بدعمٍ كبير من برنامج الأمم المتَّحدة للتَّنمية (PNUD). اليوم. هناكَ دول إفريقيَّة كثيرة تقتدي بنا في هذا المجال.
إنَّ تنمية المناطق الرِّيفيَّة وتطويرها، تعتبر أفضل وسيلة لإيقافِ الهجرة، إلى حدٍّ بعيد. إنَّنا، إذا لم نُهيِّئ لسُكَّان الأرياف فرصًا مناسبة، فإنَّهم لا يُفكِّرون إلَّا في الهجرة. إذا لم نفهمْ هذه الحقيقة، لن نفهم جذورَ موجة الهجرة المُتدفِّقة الَّتي تزلزل أوروبَّا والعالمَ اليوم.
سماع صوت الشعب
إنَّ هذا البرنامج يُشكِّل مَفخرةً لنا، وهو نتيجة مَلموسة لكلِّ مَا رأيتُه وسمعتُه من النَّاس مباشرةً خلال الرِّحلة الَّتي قمتُ بها في أعماق البلد. خلالَ أكثر من سنتين، كنتُ في سفر لملاقاة السِّنِغال في أعماقه، هذا السِّنِغال الصَّامت في معاناته الشَّديدة. قمتُ بكلِّ هذا لسماع صوتِ الشَّعب.
انطلقت الرِّحلة من دكار إلى كيديرا، ثمَّ من ماتَمْ إلى أوسوي، مرورًا بأراضي كجور وباوول وسين وسالوم وجولف وفيرلو وفوتا وبامبوكوباكاووفولادو وبلاد باساريوكازمانس.خلالها أدركتُ، بعمق، العطشَ الشَّديد الَّذي يعيشه النَّاس في بعض المناطق، وكذلك الظَّلام الدَّامس الَّذي هُم فيه، وقسوةَ الأعمال المفروضة على أخواتِنا الرِّيفيَّات، ونقص الطُّرق الجيِّدة لنقلِ المنتجات والغَلَّات الزِّراعيَّة لبيعها في الوقت المناسِب. إن هؤلاءِ المزارعين الأبطال، الَّذين لا يعتمدون إلَّا على سواعدهم لزراعة أراضيهم، تمكَّنتُ مِن مشاهدة الفقر الحقيقيِّ الَّذي يعيشونَه، بأُمِّ عيني.
إنَّ القيام بهذه الرِّحلة كان أمرًا مُهمًا للغاية. فمثل هذه الرِّحلات تجعلكَ أكثرَ تواضعًا وتضامُنًا، كما تطبعُ فيكَ، إذا كان عندَك قلبٌ نابِض ولو قليلًا، مشاعرَ الرَّحمة والعَطف والشَّفَقة. إن هذه المشاهد تُحرِّك فيكَ المشاعرَ الجيَّاشة وأنت تشاهد معاناةَ النَّاس، وتسأل نفسَك: ما هي الغاية مِن العمل السِّياسيِّ؟ أو ماذا أنجزنا، بالفعل، في سبيل حلِّ مشاكل مواطنينا؟
إنَّني أمارس الضُّغوط، بصفة مُستمرَّة، على أعضاء حكومتي، لأنَّ واجبنا المُتمثِّل في الحصول على النَّتائج الملموسة، هو الَّذي ينبغي أن يكون هَمَّنَا الأوَّل والدَّائم، خلالَ هذه المُدَّة الوجيزة الَّتي سنقضيها على رأس الحكومة.
لقد قلبت هذه الرِّحلة الاستطلاعيَّة، رأسًا على عقب، تصوُّري وفهمي للتَّنمية، بل وللحياة، بصفة عامَّة. إن المفهومَ الشَّامل للتَّنمية المُندمجة تشكَّلَ عندي، خلال هذه الرِّحلة، وترسَّخَ لديَّ بعد ذلك، شيئًا فشيئًا.
ذكرتُ في خطابي الأوَّل للأُمَّة،بوصفي رئيسًا للجمهوريَّة، بأنَّ مهامي الجديدة أعتبرُها خدماتيَّة خالصة، أي أنني سأكونُ خادمًا للشَّعب، و لن أجعلَه خادمًا لي. هذه المهام الخدماتيَّة الخالصة تتمثَّل في تقديم الأجوبة المناسبة للتَّحدِّي المُركَّب، المُتمثِّل في بناء الوطن على كافَّة الأصعدة، وتحقيق الاندماجِ الاجتماعيِّ، ومن أجل بناءِ سنغال يشعرُ فيه الجميعُ بأنَّ الوطنَ وطنُهم. وهذا يعني الوصولَ إلى مجتمع يتمتَّع بالاستقرار وتضافر الجهود نحوَ المُثُل المشتركة مِن رفاهية يشترك الجميعُ في التَّمتُّع بها. ولأجلِ هذا، فإنِّي بدأت عملًا طويلَ النَّفَس مِن أجل إيجاد طريقة عادلة لتوزيعِ ثرواتنا. ولكي نتقاسمَ هذه الثَّروات، لا بُدَّ أن تكون متوفِّرة، أوَّلًا، بينما بلدنا السِّنِغال، في سنة 2012،كان يبدو وكأنَّه يلفظ أنفاسَه الأخيرة في المجال الاقتصاديِّ.
وُلِدَ ’’التَّحالُف من أجل الجمهوريَّة’’ في ديسمبر 2008، ولكنَّه حققَّ خطواته الأولى في النَّجاح خلال انتخابات 2009 المحلِّيَّة. وهذا النَّجاح، تمَّ بفضل هذه الرِّحلة الَّتي قمتُ بها في أعماق السِّنِغال، الأمر الَّذي كان يُعتبر رهانًا غيرَ معقول من شخصٍ منبوذٍ مع بضعة أفراد من الأنصار. إن هذا النَّجاح بدأ، الآن، يتحقَّق في الواقع العمليِّ، بعد أن أصبحتُ المعارضَ الأوَّل للرَّئيس واد وحكومته. ولعل مِن سوء حظِّ واد، أنَّه لم يدرك هذه الحقيقة إلَّا في وقت مُتأخِّر، بعد أن فاتَه القطار!.
’’يونو يوكوتي’’ أو الطَّريقُ الحقيقيُّ للتَّنمية
كانَت الحملة الانتخابيَّة في عام 2009 المحطَّة الأولى في الطَّريق الَّذي سيوصلني إلى السُّلطة، ليس تعلُّقًا بها، ولكن لتنفيذِ الإصلاحات السِّياسيَّة الَّتي كنتُ أراها ضروريَّة.
إنَّ السِّياسة لا تعني الانتصارَ على الخصمِ وإطلاق عبارات قاتلة وتشويش سمعة الطَّرف المقابل، بل إنَّها بالأساس تصميمُ تصوُّرات واقتراحُ حلولٍ عمليَّة لتتقدَّم الأمور إلى الأمام. للوصول إلى هذا الهدف، لا بُدَّ أن يكون صوتُك مَسموعًا.
كانَت رحلتي الَّتي قمتُ بها داخل البلد، تنقطع في بعض الأحيان ونحن في مُنتصَف الطَّريق، في شمال السِّنِغال أو في جنوبِه. وكان هذا الأمر يرجع إمَّا إلى نفاد الوقود أو اقتراب الموازنة مِن النَّفاد، بحيث لا يبقى إلَّا ما يُمكِّننا من الرُّجوع إلى دكار، ريثما نجد دعمًا ماليًا آخَر.
لم تكن تتوفَّر لديَّ الوسائل اللَّامحدودة الَّتي تتمتَّع بها الأحزاب الكبيرة للقيام بالرِّحلات السِّياسيَّة كما ينبغي. وكانت هذه الحَملة، هي المُناسَبَة أيضًا للتَّأكيد على أن السِّياسةَ ليسَت استثمارًا للحصولِ على مزيد من المال، وإنَّما تعني الإيمانَ بأقوالنا ونوايانا.
في هذه المرحلة، كان ’’التَّحالف من أجل الجمهوريَّة ’’حزبًا وليدًا للتَّوِّ، ولم يكن سيرُ الأمور فيه يعتمد إلَّا على المُمولِّين المُشجِّعين له والدَّاعمين الَّذين يُنفقون عليه مِن جيوبِهم السَّخيَّة.
بدأت هذه التَّضحيات مِن مساهمات أعضاء الحزب، مهما كانت وسائلهم المادِّيَّة. ولم يكن بُدٌّ، أيضًا، من إقناع بعض المعارضين القُدامى لواد للالتحاقِ بنا. وكان هذا الأمر صعبًا، لأنَّهم كانوا يعتبرونَني مِن النِّظام الَّذي أدَّعي محاربته اليوم. وكان من الصَّعب جدّا، عدمُ تصديقهم في زعمهم هذا، ولكنِّي كنتُ أقول لهم بأنَّني لم أتخلَّ عن معسكر واد بطيب نفسِي، ولكنْ لأسبابٍ موضوعيَّة، تمثَّلَت في الأعمال والقرارات التَّعسُّفيَّة الَّتي كان يصدرها واد ضدِّي.إن هذه الأمور الموضوعيَّة هي الَّتي سبَّبَت القطيعة بيني وبينَه،وجعلتني أُصبح معارضًا لحزبي السَّابق، لأنَّه كان قد اتَّخذَ اتِّجاهًا مُخالفًا لرؤيتي. فقد أدَّى الحزب الحاكم خدمةً كبيرة لي عندما تجاوز كلَّ الحدود في سبيل مُحاربتي. فقد سجن عبد الله سالي سال بتهمة أنَّه أرسل لي مبالغ ماليَّة من الغابون!.
في أحدِ الاجتماعات السِّياسيَّة المُخصَّصة لمحاربتي، جاء مُثيرو الشَّغَب لإحداث البَلبلة، وحدثَ اضطرابٌ أدَّى إلى سجن طالبة جامعيَّة اسمها تيريز فَايْ بدعوى أنَّها كانت تسعى لتنفيذ مؤامرة ضدَّ الدَّولة. وإثرَ هذه التُّهمة، ذهب وزيرُ العدل نفسُه إلى القناة التلفزيونية الوطنيَّة ليتحدَّث عن انقلاب ضدَّ الدَّولة، مع تقديم أسماء مُدبِّري هذا الانقلاب المزعوم إلى الجمهور.وهنا لا بُدَّ أن أذكرَ بأنَّ هذه الملاحقات توقَّفَت بسرعة.
الرئيس ماكي صال وزوجته مريم فاي
منزلي مراقب دائمًا
كان منزلي تحتَ مراقبة دائمة، لأجلِ هذا، لم أكنْ أسمح لنفسي بتركِ أيٍّ مِن أمتعتي وملفَّاتي في البيت، وكنتُ أحملُها معي حتَّى حين أركب الطَّائرة.
في يوم من الأيَّام، كان الوضعُ مُثيرًا جدًا، ذلك أنِّي كنتُ على سفر مع زوجتي مريم إلى باماكو. وكالمعتاد، فإنِّي لا أقوم بتسجيل أمتعتي بنفسي في المطار، مخافةَ أن يعرفوا بأنَّها لي فيدسُّوا فيها أمورًا مَحظورة، لأنَّه لا بُدَّ مِن أخذ جميع أنواع الحيطة. وهذا الموقف لم يكن مَبنيًا على هوسٍ وهميٍّ، بل أقول لكم بأنَّه جرت، بالفعل، محاولة القيام بمثلِ هذه الأمور ضدِّي، لأجلِ هذا، كان يتعيَّن عليَّ أن آخذَ كلَّ حذَري. وحدثَ أنَّنا جلسنا في الطَّائرة قريبين من الرَّئيس الَّذي خلفَني على رأس الجمعيَّة العموميَّة الوطنيَّة. وكُنَّا، أنا وزوجتي وهو، في صفٍّ واحد. نزلنا في باماكو، أمَّا هو، فواصل سفرَه. كان الجوُّ مُتوتِّرًا بعضَ الشَّيء عند النُّزول، ذلك لأنَّ مريم كانت تدرك بأنَّه يتعيَّن عليَّ أن أقوم بحملِ حقائبي إلى مخرج الطَّائرة. عندئذٍ قالت لي: « لا ينبغي أن تظهرَ في شكلِ رجلٍ فقدَ سُلطتَه، انزلْ وواصلْ سيرَك، سأقوم أنا بمحاولة حملِ حقائبِك بدلًا منك ».
أخذتُ محفظتي اليدويَّة فقط، وسلَّمتُ على زميلي السَّابق. أمَّا مريم، فحاولت حملَ الحقيبتَين الثَّقيلتَين، ثمَّ هرعَ لمساعدتها مضيف الطَّيران حتَّى باب الطَّائرة. ولِحُسن الحظِّ، فإنَّ الشَّخص الَّذي جاء لاستقبالنا، لمَّا رأى زوجتي تحاول حملَ الحقيبتَين، ساعدَها في الحال. لم يكن بإمكاني أن أحملَ هاتين الحقيبتَين أبدًا، لأنَّها ما كانت لتقبلَ ذلك، ولأنَّها كانت مُستعدَّة لتُضحِّي بحياتها في سبيلِ حملهما. إنَّني مَدين لمريم بدَينٍ عظيم، لكونها زوجة وفيَّة ومناضلة بطلة في حزبي. إنَّنا عِشنا أوضاعًا صعبة للغاية، ولكنَّها لم تتزحزح.
كريم واد يخفق في الفوز ببلدية دكار
في السَّاحة السِّياسيَّة، كانت الأوضاع تنفرج، شيئًا فشيئًا، بالنِّسبة لي، وحصلَت إخفاقاتٌ انتخابيَّة كانت تكشف للجميع ضعفًا واضحًا يعاني منه الحزب الحاكِم. من هذه الإخفاقات أن كريم واد، الابن المُدلَّل للرئيس،أخفقَ في الفوز ببلديَّة دكار، إضافة إلى كونِه هُزِمَ هزيمة نكراء في المكتب الانتخابيِّ الَّذي صوَّت فيه . أمَّا حزبي، فقد حقَّقَ انتصارًا ساحقًا في مناطق مُتعدِّدة، وأصبحتُ مِن جديد عُمدة لمدينة فاتيك بدعمٍ من تحالف « بينو سيكيل سنغال » (التَّحالف مِن أجل رفع معنويَّات السِّنِغال).
نجحتُ في تحقيق رهاني هذا بعدَ أربعة أشهر فقط من طردي من رئاسة الجمعيَّة العموميَّة الوطنيَّة.
جاءَت الأزمة الدُّستوريَّة في 23 يونيو 2011 لتُكمِلَ حلقات الطَّلاق البائن بين الرَّئيس عبد الله واد والغالبيَّة العُظمى من الشَّعب السِّنِغاليِّ. حدث هذا بعد أن أبدى واد حرصَه على فرضِ ابنِه على رئاسة الجمهوريَّة من خلال إجراءات إصلاحيَّة دستوريَّة لتحقيق هذا الغرض، ولكنَّه هيَّجَ الشَّعبَ السِّنِغاليَّ ضدَّه، وجرى تنظيم مظاهراتٍ عنيفة للغاية في البلد، لم يُرَ لها مثيلٌ منذ عشر سنوات، واضطرَّت الحكومة إلى التَّراجع، الأمر الَّذي أثبتَ أن سلوكَ طريق آخَر إمكانيَّةٌ قائمة.
تحالف » بينو سيكيل سنغال «
تمَّ عقدُ اجتماعات سياسيَّة كثيرة وضخمة، شاركَ فيها حزبي وقوى سياسيَّة أُخرى في إطار تحالف « بينو سيكيل سنغال ». كنتُ أدرك تمامًا أن مثل هذه النَّشاطات السِّياسيَّة في المدن مُهمَّة للغاية وضروريَّة، لكن مع ذلك، لا بُدَّ مِن التَّوغُّل في أعماق القُرى والأرياف والأماكن النَّائية أيضًا، لأنَّ الذَّهاب لملاقاة السِّنِغاليِّين هو الَّذي يساعدنا على كسب القلوب،و بالتَّالي النَّجاح في الانتخابات.
عندَ اقتراب سنة 2012،كانت جميعُ الإشارات حمراء بالنِّسبة للحزب الحاكِم. وأخطرُ هذه الإشارات كانت تتمثَّل في الخبرِ الَّذي كان يُفيد بأنَّ دفعَ رواتب العاملين في الوظيفة العموميَّة السِّنِغاليَّة، مُعرَّضٌ للتَّوقُّف بسببِ صعوبات ماليَّة للدَّولة، معَ العِلم بأنَّ انتظامَ دفعِ هذه الرَّواتب، كان من المكتسبات الثَّابتة منذ الاستقلال.
مريم فاي زوجة الرئيس ماكي صال
الراتب يحدد مسار التصويت
كانت الأزمة الاقتصاديَّة عميقةً في السِّنِغال,ومنَ المعلوم أن الرَّاتب هو الَّذي يُحدِّد مسارَ التَّصويت. والأمر كان أخطر، عندما لم تجد السُّلطة الحاكمة حلَّا آخَر إلَّا بتحميل ذوي الرَّواتب المتدنِّية نتائجَ هذه الأزمة بالتَّفكير في عدمِ دفعِها.
كانت الدُّيون قد وصلَت إلى 3041 مليار فرنك سيفا، تشكل 700 مليار منها الدُّيون الدَّاخليَّة. وبدا مِن المستحيل أن يستمرَّ هذا الوضع لمدَّة طويلة.
في جميع الانتخابات الرِّئاسيَّة يتحدَّث النَّاس عن الشِّعارات الَّتي يرفعها المترِّشحون عادةً. وحركة « سوبِي » (التَّغيير) لعبد الله واد، كانت تُشكِّل نموذجًا ذكيًَّا في مجالِ رفع مثلِ هذه الشِّعارات. أمَّا أنا، فقد اخترت في الانتخابات الأولى، الَّتي شاركَ فيها حزبي، شعارَ « ديكل نكور » (إحياء الشَّرَف)، ثمَّ تحوَّل إلى شعار « ديكلياكار » (إحياء الأمل). وفي 2012، اختارَ تحالفُنا، بين الدَّورة الأولى والثَّانية من الانتخابات، شعار « بينو بوكوياكار » (الاتِّحاد لأملٍ واحد)، وكان اتِّحادنا يهدف إلى طردِ واد مِن رئاسة الجمهوريَّة.
منافس ضعيف يتقدم بهدوء
قبلَ الانتخابات بأشهر، كان الصَّحفيُّون والمحلِّلون السِّياسيُّون يصفونَني بأنَّني المنافِس الضَّعيف الَّذي يتقدَّم بهدوء، وربَّما يُفاجئ الجميع. وكان لي شعار آخَر أقلُّ إثارةً هو « يونو يوكوتي » (طريق التَّنمية).
ما كنتُ أريد أن أكونَ فقط، زعيم تيَّار »أيُّ أحدٍ آخَر إلَّا واد » (TSW)،ولكنِّي كنتُ أريد،أيضًا،أن أبرهنَ على إرادتي الصُّلبة لإجراء تغييرات عميقة في السِّنِغال،لدفعِه نحوَ مستقبل أفضل كثيرًا.
فمنذُ الجولة الأولى،حصلتُ على المركز الثَّاني،حيث حصل الرَّئيس المنتهية ولايتُه على 34.81 في المائة، بينما حصلتُ أنا على 21.58 في المائة.
جدير بالذِّكر أن واد كان قد استنفد كافَّة ناخبيه المحتمَلين، بحيث لم يعد لديه أيُّ مخزونٍ إضافيٍّ من الأصوات. وكان الجوُّ مُتوتِّرًا جدًا بين الجولة الأولى والثَّانية من الانتخابات،حتَّى أن الصَّحافة العالميَّة كانت تطرح تساؤلات، وتتوقَّع حدوثَ مظاهرات عنيفة،ولكن قوَّات الأمن قامَت بدورها في تهدئة الأوضاع ومنعِ جميع الأطراف من تجاوز الحدود المَسموح بها.وانضمَّ إلى جانبي كافَّة أحزاب مجموعة مُترشِّحي المعارضة فيما بين الجولة الأولى والثَّانية من الانتخابات.
في نهاية الجولة الثَّانية، انتُخِبتُ بنسبة 56.80 في المائة من مجموع الأصوات، بتاريخ 25 مارس 2012.
اعتراف واد بالهزيمة
عشيَّة هذا اليوم،وقبل إعلان النَّتائج النِّهائيَّة،اتَّصلَ بي الرَّئيس المنتهية ولايتُه ليُهنِّئني بفوزي عليه،مُعترفًا بهزيمته. أحسَّ أنَّه يشعر بالمرارة، لأنَّه تكلَّم معي كرجل دولة حقيقي ومسؤول، وبدأت أُحيي في نفسي الأملَ بأنَّ العشرين سنة الَّتي عشناها معًا، ستأخذ، الآن، مسارًا أكثرَ هدوءًا، ولكن مع الأسف الشَّديد، فإنَّني اكتشفتُ في سنة 2012 أن عبد الله واد بدا حانقًا وساخطًا إلى أبعد الحدود.
في 20 أبريل 2012، أدَّيتُ اليمينَ الدُّستورية، بعد أن أصبحتُ الرَّئيس الرَّابع لجمهوريَّة السِّنِغال. تمكَّنتُ مِن تحقيق هذا الانتصار، بفضلِ مسيرتي الطَّويلة المصحوبة بالاكتشافات والاستطلاعات والعملِ الميدانيِّ المُنظَّم، ومعرفتي العميقة بالأوضاع الَّتي تنتظرني.