في وداعٍ لم يحن بعد… رسالةٌ من قلبٍ ينبض بالألم

0

يا إخوتي وأصدقائي الأعزّاء، ويا كلَّ من عرفني أو لم يعرفني بعد… عندما أُغلق عينيَّ إلى الأبد، وأُسلِّم الروح إلى بارئها، ستُقام لي جنازةٌ تُخلَّد في ذاكرة الوفاء. سيترك الجميعُ أشغالهم اليومية، ويُعلِّقون حياتهم للحظات، ويقطعون المسافات الطويلة والطرقات الوعرة، بقلوبهم قبل أقدامهم، وبأموالهم قبل أوقاتهم، ليشهدوا لحظةَ الوداع الأخير.

ستُنثر محاسني كالياسمين على قبري الجديد، وتُوارى عيوبي تحت طبقات التراب النديّ. وفي كلِّ حلقةٍ ومجلسٍ، سيُردَّد بصوتٍ حزين: «كان طيّب القلب، رقيق المشاعر، متقنًا لعمله، رؤوفًا بأهله، واصلًا لحبل الأخوّة، محبًّا للخير، مبتسمًا في وجوه الجميع».

ثم تُرفع صورتي في الحالات والستوريات، وتُغمر بالتعليقات الرقيقة والدموع الصادقة، وكأنّ الدنيا قد فقدت قمرًا من أقمارها، وكأنّ جبل الأحزان الذي كان ينوء به صدري لم يكن موجودًا أصلًا.

لكنّي اليوم… هنا، أتنفّس بينكم. واللهِ إنّ في صدري جبلًا ثقيلًا من الأحزان يضغط على قلبي، وخوفًا تُكابده روحي كلَّ ليلة، ومرضًا مزمنًا يأكل جسدي رويدًا رويدًا، ويُنهك قواي، وليس في يدي ما يسدّ ثمن الدواء أو يُخفّف من لهيب الألم.

أريدُ هذه الطاقة الغالية الآن. أريدُ هذا الحبّ الصادق قبل أن يتحوّل إلى ذكرى مؤلمة. أريدُ أن أشعر أنّكم إخوتي وأصدقائي في الحياة، لا في الموت فقط. أريدُ أن ألمس يدَ العون وأنا أقف على قدميَّ، لا وأنا ممدودٌ على سرير التراب.

الدنيا دارُ كسبٍ وزرع، والآخرة دارُ حصادٍ وجزاء. فإذا كنتم ستزرعون لي الورد على قبري، فازرعوه اليوم في قلبي. وإذا كنتم ستدفعون المال في سبيل توديعي، فأعطوني منه اليوم ما يُعينني على البقاء والاستمرار. وإذا كنتم ستقطعون الدروب الطويلة لأجلي، فتعالوا اليوم تزوروني، أو تسألوا عنّي، أو تمدّوا لي يدَ المساعدة قبل أن يضيق الوقت.

أنا لا أطلب الدنيا بأسرها، ولا أريد إلا أن أشعر أنّي لست وحدي تحت هذا الجبل الثقيل. أريدُ أن أُنجز ما تمنّته نفسي، وأترك أثرًا طيّبًا قبل أن أرحل. أريدُ أن أكون شاهدًا على وفائكم حيًّا، لا أن أسمع عنه بعد رحيلي.

رحم اللهُ من عرف قدر أخيه حيًّا، فأسعده ووقف معه، قبل أن يواريه الثرى ويبكي عليه بدموعٍ لا تنفع الميّت ولا تُفرّج عن الحيّ.

إخوتي… أنا هنا الآن. فلا تؤخّروا الوفاء حتى يصبح تأبينًا.

بقلم : محمد الخليفة اتيام الفارس

اللهمعونك #رسالةمنقلبمكسور #الوفاءفيالحياة

Leave A Reply