بقلم الباحث والمؤرخ / الحاج مور الجلوفي
في زمنٍ كان الناس فيه، والمسلمون خاصة، يعيشون حالةً من الحيرة والاضطراب؛ كان عامة الناس حيارى أمام المستعمر الغاشم الذي مدّ لهم يدَ «المدنية» المزعومة، وسعى إلى سلخهم من إنسانيتهم وثقافتهم الزنجية والإسلامية الأصيلة، ليُلبسهم ثوب التغريب القائم على المادية واللادينية. فصارَ المسلمون بين مطرقة الجاهلية الإفريقية وسندان الغزو الفكري الغربي.
وفي تلك الأيام الحالكة، التي كان فيها بعض الأمراء يبيعون مُلكهم من أجل السلطة والجاه، ويمزج بعض المسلمين بين تعاليم الدين الحنيف والعادات التدويّة الموروثة البالية، ظهر في ساحة الدعوة السنغالية رجالٌ كانوا كالشمس في رابعة النهار. تمسكوا بالكتاب والسنة النبوية الشرفية، وسعوا إلى تجسيد الفكرة الإسلامية التي تُعدّ أساس البنية الاجتماعية السنغالية منذ القرن الحادي عشر الميلادي، لقيادة الشعب نحو المجد والسعادة، رغم قلة إمكاناتهم وكثرة خصومهم الذين استحوذوا على وسائل النهضة والتقدم، فكانوا أصحاب النفوذ في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية.
نهض هؤلاء العلماء المصلحون لمواجهة الغزو الفكري الغربي (المواجهة السلمية) فأسسوا المدارس والزوايا والجوامع لمجابهة تلك التحديات. ومن أبرز هؤلاء العباقرة الذين نشروا الإسلام وثقافته في جميع ربوع السنغال: العالم العلامة، والمصلح الفهامة، السني الصوفي التجاني، مولانا السيد الحاج مالك سي التواوني مقرا، (حوالي عام ١٩٠٠م) الوالوي مولدًا، (حوالي عام ١٨٥٣م) والجلوفي نسبًا.
طاف السيد الحاج مالك سي المدن والقرى (مثل: اندر، فوت طور، جانغول، كجور، والو) في وقت مبكر من حياته طلبًا للعلم، ووقوفًا على أحوال البلاد والعباد. وسهر الليالي في سبيل التحصيل العلمي حتى نصب له كرسي التدريس والإرشاد بمدينة «اندر» بعد عودته من الحج حوالي عام (١٨٨٩م/١٨٩٠م)
وعلى الصعيد السياسي، وجد البلاد تحت هيمنة الإدارة الفرنسية. وخلال رحلاته بحثًا عن أرضٍ صالحة لبذور دعوته الإصلاحية، ذهب السيد الحاج مالك إلى منطقة “انجامبور” وصادف ذلك خروج الملك “ألبوري» من جلوف (عام ١٨٩٠م)، كما سبقت ذلك وفاة الشيخ المجاهد محمد الأمين درامي (عام ١٨٨٨م) بعد وفاة الامير البطل والمجاهد “لتجور جوب” (عام ١٨٨٦م) فعاد إلى مدينة «اندر» ليُوطد علاقاته الأخوية والدينية مع العلماء الأجلاء الذين ألفهم فيها منذ أن كان طالبا في تلك المدينة التاريخية. وفيها عرف البيض كرم هذا الشيخ ونبله بعد ان شككوا في اموره، ودخلوا بيته من غير أبوابه.
وبعد أن توثقت تلك العلاقات، عزم السيد الحاج مالك سي على الانتقال إلى قرية “انجارند” التاريخية، حيث رسم ببركة جهوده وآثاره الخالدة بصمةً راسخة لتاريخ هذه القرية في سجل الدعوة الإسلامية بالسنغال.
“انجارند”
لم يؤسس السيد الحاج مالك سي رضي الله عنه قرية “انجارند” وإنما حوّلها إلى رباطٍ إسلامي تربّى فيه أتباعه وأصحابه الأوائل، الذين حملوا رسالة الإسلام ونشروا ثقافته في مختلف أنحاء السنغال.
جمع السيد الحاج مالك سي في هذه القرية بين التعليم والتربية والتزكية والعمل، فكانت أشبه بمعسكرٍ إسلامي متكامل. وكان اهتمامه الأول تكوين مسلمين محسنين، قادرين على مواجهة تحديات زمانهم بكل ما أوتوا من قوة. فاكرمه معاصروه من العلماء والساسة؛ كتب فيه المؤرخ الفرنسي بول مارت كلمات جميلة، واجمل منها كلمات حفيده الشيخ احمد التجاني سي المكتوم التي يقول فيها:
وكان يرى مستعمرا مثل طالب
يؤدب حتى لا يسي بفعاله
وقد أدرك الشيخ مالك بعد دراسته للواقع الذي يعيش فيه بأن الجهاد الأول للمسلم هو جهاد النفس، وأساسه المحافظة على شرائع الدين ومن أهمها الصلوات الخمس التي هي قوام هذا الدين الحنيف، الذي هو المعسكر الأول للانسان الذي يريد التغيير والنهضة. فربّى أتباعه على أداء الصلوات في أوقاتها، (واوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) وعزز ذلك بالمنهج التجاني في التربية والإرشاد، (طريقة الحمد والشكر) القائم على تعظيم النوافل والعناية بالأوراد والأذكار. فكانوا يقرؤون حزبين من القرآن الكريم يوميًا، ويحافظون على الأوراد الصباحية والمسائية. يقول المكتوم:
أمناء نهجك في تعدد سعيهـم أمناء هذا العالم الجثمــــــــان
فكأنهم في الذكر والأدبِ الذي
في الذكر من ملإ السما الروحاني
ولم يقتصر اهتمامه على الجانب الروحي، بل عني كذلك بالجانب الاقتصادي الذي يحفظ للمرء دينه وعرضه؛ فربّى أتباعه على الجد والاجتهاد في الزراعة والعمل والإنتاج، كما شجعهم على تعلم الحرف والصناعات المختلفة كالصياغة وغيرها، ويقول التجاني المكتوم:
أمناء نهجك في تعدد سعيهـم أمناء هذا العالم الجثمـــــان
وكأنهم وقت النشاط لأهلهم ولقومهم بوظيفة السلــــــطان
كما حرص رحمه الله على توثيق أواصر العلاقات الاجتماعية بين أتباعه وبين المسلمين جميعا، فكان يؤكد عليهم تعلم العقيدة الصحيحة، والتمسك بالكتاب والسنة مهما كانت الظروف.
ومن الاحداث التاريخية في “انجارند” يُروى بأن السيد الحاج مالك سي كان ينتظر طلابه يوما لأداء صلاة الجماعة، فتأخروا لانشغالهم بالعمل في الحقول، فلما طال انتظاره، ذهب إليهم وذكرهم بأنه وأنصاره من حزبِ وكتب قصيدته الشهيرة:
لا تتركنَّ حبَّ دارِ فناءٍ
فتُخسرَ في الدارين دونَ مِراء!
ثم بيّن لهم مكانة الصلاة وأثرها في تربية الفرد وإصلاح المجتمع، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
وجاء في القصيدة قوله:
وتاركُ أوقاتِ لخدمةِ شيخه
كعابدِ أصنام دونَ مِراء!
وبعد سنواتٍ من التعليم والتربية والتزكية، غادر السيد الحاج مالك قرية “انجارند” ثم توجه نحو ارض “تواوون” مقره النهائي، وانطلق تلامذته ايضا سفراء للدعوة إلى مختلف الأقاليم السنغالية؛ فمنهم من استقر في أرض “جلوف” مثل الشيخ الحاج داوود جاه في قرية “امبلخ” وغيره. ومنهم من انتقل إلى “اندكارو” ونشروا فيها الثقافة الإسلامية مثل الحاج سعيد النور تال وجل علماء “لِيبُو”. ومن هؤلاء من سافر إلى ارض “انجامبور” مثل أسرة “سار” في قرية “بود” ومن المناطق السنغالية التي استقر فيها اتباعه لنشر الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية؛ مدينة “اندر” واكن فيها العالم العلامة الشيخ إبراهيم جوب مؤلف كتاب (تحفة الإخوان) ومن الذين استقروا في “فوت طور” الشيخ “بابَ انجونعو” وغيره. فالشيخ الحاج مالك سي رضي الله تعالى عنه بواسطة هذا الرباط “انجارند” قام بنشر الإسلام والثقافة الإسلامية في جميع ربوع السنغال رغم تراكم العبقات وكثرة العراقل وذلك بواسطة منهجه السلمي الفريد من نوعه الذي وصفه الدكتور عثمان جاه في كتابه (التجانية في الادب السنغالي العربي) ب “لا سلم ولا حرب” وإن كان البعض يرجعون اصل هذا المنهج الى السيد “مهتما غاندي” وإن السيد الحاج مالك سي هو رائد هذا المنهج حيث تبناه قبل ذهابه إلى الحج عام (١٨٨٨م)