مقال : النسوية السنغالية بين استيراد الأفكار وإهمال خصوصية المجتمع

0


ــــــــــــــ
لم تعد قضية المرأة في السنغال مجرد قضية اجتماعية تبحث عن تحقيق العدالة أو توسيع دائرة المشاركة في التنمية، بل تحولت في بعض الأوساط إلى ساحة تتصارع فيها المرجعيات الفكرية، وتتجاذبها مشاريع ثقافية متباينة. وبينما يرفع بعضهم شعار الدفاع عن المرأة، نجد أن الخطاب نفسه ينزلق – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاج معارك نشأت في بيئات غربية لها ظروفها التاريخية والدينية والسياسية الخاصة، ثم يُراد إسقاطها على مجتمع سنغالي له هويته الإسلامية والإفريقية، وكأن المجتمعات كلها نسخة واحدة، أو أن التاريخ الإنساني يسير في طريق واحد لا يتغير.
ولا ريب أن الإسلام سبق جميع المواثيق الحديثة في تقرير إنسانية المرأة وكرامتها، فأثبت لها حق التملك، وحق التعلم، وحق اختيار الزوج، وحق الإرث، وجعلها شريكًا في التكليف والثواب والعقاب. ولذلك فإن الاعتراض ليس على الدفاع عن المرأة، وإنما على تحويل النسوية إلى أيديولوجيا تنطلق من فرضية الصراع الدائم بين الرجل والمرأة، حتى أصبحت الأسرة – في بعض الخطابات – تُصوَّر وكأنها مؤسسة لإنتاج الهيمنة الذكورية، لا فضاءً للمودة والرحمة والتكامل.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: العدالة والمساواة. فالعدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه بحسب طبيعته ووظيفته ومسؤوليته، أما المساواة المطلقة فهي التسوية بين المختلفين في جميع الأحكام والوظائف، وهي فكرة لا يقرها الواقع الإنساني قبل أن ترفضها الشريعة. فالاختلاف بين الرجل والمرأة ليس اختراعًا ثقافيًا، بل حقيقة فطرية وبيولوجية ونفسية، ولذلك لم تبنِ الشريعة العلاقة بينهما على مبدأ التماثل، وإنما على مبدأ التكامل.
وقد أشار الإمام ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية إلى أن التشريع الإسلامي راعى الفطرة الإنسانية في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، وأن الأحكام الأسرية جاءت لحفظ العمران البشري، لا لإقامة علاقة تفاضل بين الرجل والمرأة. كما قرر الإمام الشاطبي في الموافقات أن جميع أحكام الشريعة تدور على تحقيق مصالح العباد، وأن أي قراءة للأحكام تعزلها عن مقاصدها قراءة ناقصة لا تعبر عن حقيقة التشريع.
ولذلك فإن تصوير القوامة على أنها امتياز ذكوري دائم، أو تصوير الطاعة الزوجية على أنها استعباد للمرأة، هو قراءة مبتورة للنصوص الشرعية. فالقرآن يقول: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”، فجعل السكن والمودة والرحمة أساس العلاقة الزوجية، لا الهيمنة ولا الصراع. كما قال سبحانه: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة”، وقد بين الإمام الطبري والإمام القرطبي أن هذه الدرجة ليست تفضيلًا في الإنسانية، وإنما زيادة في المسؤولية المرتبطة بالنفقة والقوامة وإدارة شؤون الأسرة، بدليل قوله تعالى: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”، فربط القوامة بالتكليف والإنفاق، لا بالتسلط أو احتقار المرأة.
وهذا ما يؤكده أيضًا الإمام ابن القيم عندما يقول إن الشريعة كلها عدل ورحمة ومصلحة وحكمة، وأن كل ما خرج عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليس من الشريعة وإن أُدخل فيها بالتأويل. فالشريعة لا يمكن أن تكون أداة لظلم المرأة، كما لا يمكن أن تكون ذريعة لإلغاء الفوارق الفطرية التي أقام الله عليها نظام الأسرة.
ومن الناحية الاجتماعية، يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم أن المجتمع لا يقوم على الأفراد وحدهم، بل يقوم على ما سماه الضمير الجمعي؛ أي منظومة القيم والمعتقدات والعادات التي تمنح المجتمع وحدته واستقراره. فإذا فُرضت على المجتمع منظومة قيم لا تنتمي إلى تاريخه وثقافته، حدث ما يسميه دوركايم بحالة الاضطراب أو التفكك القيمي. ومن هنا فإن استيراد النموذج النسوي الغربي، دون النظر إلى خصوصية المجتمع السنغالي، لا يحقق الإصلاح، بل قد يخلق صراعًا بين منظومتين مختلفتين في المرجعية والأهداف.
ويعزز عالم الاجتماع آخر، هذا المعنى من خلال مفهومه الشهير “الهابيتوس”، الذي يبين أن الإنسان يتشكل داخل بيئته الاجتماعية والثقافية، وأن الأفكار التي تولد في مجتمع معين تكون مرتبطة بشروطه التاريخية. ولذلك فإن نقل الأفكار من سياق إلى آخر دون إعادة قراءتها يمثل قطيعة مع الواقع أكثر مما يمثل مشروعًا للإصلاح. فالغرب الذي أنتج النسوية الحديثة عاش تاريخًا طويلًا من الصراع بين الكنيسة والمرأة، وبين السلطة الدينية والحقوق المدنية، أما المجتمع السنغالي فقد تشكلت هويته في ظل الإسلام والتصوف والعلاقات الأسرية الممتدة، وهي سياقات مختلفة جذريًا، ومن الخطأ التعامل معها بمنطق واحد.
ومن هنا يمكن فهم بعض مظاهر الخطاب النسوي الذي بدأ يظهر في بعض الأوساط الثقافية والأكاديمية، حيث يُعاد إنتاج مفاهيم صيغت في بيئات أخرى، ثم تُقدم وكأنها حقائق عالمية لا تقبل النقاش. وليس المقصود رفض كل فكرة وافدة، فالحكمة ضالة المؤمن، وإنما المقصود أن تخضع كل فكرة لميزان العلم، وأن تُقرأ في ضوء الشريعة وخصوصية المجتمع، لا أن تتحول إلى معيار يُحاكم المجتمع نفسه على أساسه.
وإذا كان استيراد الأفكار دون نقد يمثل إشكالًا في حد ذاته، فإن الإشكال الأكبر يظهر عندما تتحول تلك الأفكار إلى معيار للحكم على المجتمع، فيُتهم كل من يخالفها بأنه معادٍ لحقوق المرأة أو أنه أسير لعقلية تقليدية. وهذه الثنائية الحادة لا تخدم الحوار العلمي، لأن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالفهم العميق لخصوصياتها التاريخية والدينية والثقافية.
ومن المظاهر التي تستحق التأمل بروز خطاب نسوي في بعض الأوساط الأكاديمية، ومن بينها بعض المستعربات اللاتي تلقين جزءًا من تكوينهن أو دراساتهن في الخارج. وليس الاعتراض على الدراسة خارج الوطن، فهي باب واسع لاكتساب المعرفة والانفتاح على التجارب الإنسانية، بل إن كثيرًا من أبناء السنغال عادوا من الجامعات العالمية أكثر اعتزازًا بهويتهم وأكثر قدرة على خدمة وطنهم. إنما الإشكال يظهر عندما يتحول الاحتكاك بثقافة معينة إلى قناعة بأن النموذج الذي عايشه الإنسان في تلك البيئة هو النموذج الوحيد الصالح لكل المجتمعات، فيُقاس المجتمع السنغالي بمقاييس لم تنشأ فيه ولم تتشكل داخل تاريخه.
وهنا يلفت عالم النفس فيكتور فرانكل الانتباه إلى حقيقة عميقة، إذ يرى أن الإنسان لا يحقق إنسانيته بمجرد امتلاكه الحرية، بل حين يكتشف المعنى الذي يوجه تلك الحرية. ولذلك كان يؤكد أن الحرية إذا لم تقترن بالمسؤولية تحولت إلى عبء وإلى فراغ وجودي. وهذه الرؤية تلتقي مع المنهج الإسلامي الذي لا يفصل بين الحق والواجب، ولا بينالحرية والتكليف، فكل حق يقابله واجب، وكل مسؤولية تحكمها منظومة أخلاقية تحفظ الفرد والأسرة والمجتمع.
ومن جهة أخرى، يقرر أحد عالم النفس الاجتماعي أن المجتمعات لا تستقيم إذا بُنيت على قيمة أخلاقية واحدة، كالحرية الفردية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متوازنة تشمل العدل، والوفاء، والرحمة، والاحترام، والمسؤولية، وصيانة الأسرة. ومن ثم فإن اختزال قضية المرأة في التحرر من كل سلطة أو في رفض كل توزيع للأدوار داخل الأسرة يغفل أن الأسرة ليست مؤسسة صراع، وإنما مؤسسة تعاون وتكامل.
وفي المقابل، يبرز أحيانًا خطاب آخر داخل بعض البيوتات الدينية السنغالية، أو شريحة منها، حيث يُتصور أن الانتساب إلى أسرة ذات مكانة روحية أو علمية يكفي لإضفاء الشرعية على الآراء المطروحة في قضايا الشريعة والأسرة، وتلك المرأة صاحبة نظرية تسمية المولود ليست ببعيدة. غير أن الإسلام لم يجعل معيار العلم هو النسب، وإنما المعرفة والاجتهاد. قال تعالى: “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وقال سبحانه: “إنما يخشى الله من عباده العلماء”. فالانتساب إلى بيت علم فضيلة، لكنه لا يغني عن التحصيل، ولا يمنح صاحبه سلطة علمية بمجرد الاسم أو اللقب.
ولهذا فإن قضايا المرأة والأسرة لا ينبغي أن تكون ميدانًا للشهرة الإعلامية أو للخطابات العاطفية، وإنما تحتاج إلى أهل الاختصاص في الشريعة والعلوم الاجتماعية والنفسية، لأن بناء الأسرة أعظم من أن يُختزل في شعارات مستوردة أو في قراءات سطحية للنصوص.
إن الشريعة الإسلامية لم تؤسس العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الهيمنة، كما يحاول بعض الخطاب النسوي أن يصورها، ولم تؤسسها كذلك على أساس التماثل المطلق الذي يلغي الفطرة، وإنما أقامتها على ميزان دقيق يجمع بين الحقوق والواجبات. قال تعالى: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”، فبدأ بإثبات الحقوق قبل ذكر المسؤوليات، ثم قال: “وللرجال عليهن درجة”، وهي درجة فسرها جمهور المفسرين بأنها درجة مسؤولية وتكليف، لا درجة كرامة أو إنسانية، إذ إن القرآن نفسه حسم معيار التفاضل بقوله: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
ومن هنا فإن الدعوة إلى إلغاء كل الفوارق بين الرجل والمرأة ليست دعوة إلى العدالة، وإنما إلى تجاهل الفطرة التي خلق الله الناس عليها. والعدل لا يعني التشابه في كل شيء، وإنما يعني أن يؤدي كل طرف دوره في إطار من المودة والرحمة والتعاون.
إن السنغال ليست صفحة بيضاء تُكتب عليها الأفكار الوافدة كيفما شاء أصحابها، وإنما هي أمة لها ذاكرتها، وتقاليدها، وعلماؤها، ومدارسها الصوفية، وتجربتها التاريخية الخاصة. وكل مشروع فكري يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بأن يبقى غريبًا عن وجدان المجتمع، مهما وجد من صدى في بعض النخب.
إن المرأة السنغالية ليست بحاجة إلى أن تُستورد لها معارك الآخرين، وإنما تحتاج إلى تعليم رصين، وتأهيل علمي، وفرص عادلة، وحماية لكرامتها، مع الحفاظ على الأسرة بوصفها الحصن الأول للمجتمع. كما أن الرجل السنغالي مطالب هو الآخر بأن يفهم القوامة باعتبارها تكليفًا ومسؤولية، لا امتيازًا واستعلاءً.
إن أخطر ما تواجهه السنغال اليوم ليس وجود أصوات تدافع عن المرأة، فالدفاع عن المرأة دفاع عن نصف المجتمع، وإنما الخطر الحقيقي هو أن يتحول بعض الخطاب النسوي إلى مجرد صدى لأفكار مستوردة، يردد شعارات لم ينتجها العقل السنغالي، ولم تفرزها حاجات المجتمع، ولم تشهد لها الشريعة ولا التجربة التاريخية بالنجاح. فليس كل ما يلمع في الغرب ذهبًا، وليس كل أزمة عاشتها أوروبا قدرًا يجب أن تعيشه السنغال.
إن من يظن أن نهضة المرأة تبدأ بإعلان الحرب على الأسرة، أو بتفكيك الأدوار التي أقامها الإسلام على أساس العدل والتكامل، إنما يزرع بذور أزمة اجتماعية قبل أن يقدم مشروعًا للإصلاح. والأفكار التي تُقاس بقوة التصفيق في الندوات، لا بقدرتها على بناء الإنسان وحماية المجتمع، سرعان ما تذبل عندما تصطدم بواقع الحياة.
ولذلك، فإن المسؤولية العلمية والأخلاقية تقتضي من كل من يتحدث باسم المرأة أو باسم الدين أن يتجرد للحق، وأن يدرك أن الألقاب، ولا الشهرة، ولا الانبهار بالنماذج الأجنبية، تصنع فكرًا راسخًا أو تمنح صاحبها سلطة علمية. فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالعلم، والصدق، وفهم الواقع، واحترام مقاصد الشريعة.
وسيظل المجتمع السنغالي، مهما تعالت بعض الأصوات، أوفى لهويته من أن يستبدل مبدأ المودة والرحمة بفلسفة الصراع والمغالبة، وأعمق وعيًا من أن يخلط بين الحرية والانفلات، أو بين العدالة والتماثل، أو بين الإصلاح واستنساخ التجارب الأجنبية. فالأفكار التي تنمو خارج تربة المجتمع قد تثير الضجيج زمنًا، لكنها لا تصنع حضارة، ولا تبني أسرة، ولا تكتب مستقبل أمة.

عثمان سك سفير الأزهر
كولاك 15 يوليو 2026م

Leave A Reply