مقال: دعوة إلى مراجعة المحافل القرآنية لدى الشباب في السنغال

من الملاحظ في السنوات الأخيرة انتشار جمعيات ومجموعات شبابية كثيرة في أوساط القراء في السنغال، تحمل أسماء مختلفة، من قبيل: «أحباب الحصري»، و«قراء السنغال»، و«الحصريات»، و«جرعات القرآن»، و«أهل الروضة»، وغيرها من الأسماء والشعارات التي تتخذها هذه المجموعات عنوانًا لأنشطتها ولقاءاتها.

ولا شك أن لهذه الجمعيات أثرًا إيجابيًّا في جذب الشباب إلى القرآن الكريم، وتشجيعهم على التلاوة وتحسين الأداء، وهي جوانب لا ينبغي إنكارها. غير أن كثرة هذه الجمعيات وتكرار لقاءاتها يدعوان إلى دراسة واقعها، والنظر في آثارها الإيجابية والسلبية، ومراجعة الوسائل التي تعتمدها في خدمة كتاب الله تعالى.

فليس الاعتراض على الاجتماع لتلاوة القرآن والاستماع إلى القراء، وإنما موضع النظر هو الكيفية التي تُنظَّم بها هذه اللقاءات، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والثمرات العلمية والتربوية التي تتركها في نفوس المشاركين.
إن مجرد الاجتماع في قاعة، وتناوب القراء على المنصة، واستماع الحاضرين إلى التلاوات واحدًا بعد الآخر، قد يحقق قدرًا من التشجيع والمتعة الروحية، لكنه لا ينبغي أن يكون الغاية الكبرى من هذه الأنشطة؛ إذ إن خدمة القرآن أوسع من مجرد تلاوته في المحافل، وأعمق من مجرد تحسين الصوت أمام الجمهور.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير هذه اللقاءات، وتوجيهها نحو برامج تجمع بين جمال التلاوة، وإتقان الأداء، وتعلم القراءات، ودراسة علوم القرآن، وفهم معانيه والعمل به.
أولًا: هل يكفي جمال الصوت لخدمة القرآن؟
إن جمال الصوت نعمة عظيمة يهبها الله لمن يشاء من عباده، وإذا اجتمع حسن الصوت مع صحة القراءة، وإتقان أحكام التجويد، وحفظ القرآن الكريم، والعلم بقراءاته، والعمل بتعاليمه، كان ذلك من الخير العظيم الذي ينبغي أن يُشكر الله عليه.
لكن ينبغي للشباب أن يدركوا أن جمال الصوت وحده لا يصنع عالمًا بالقرآن، ولا يجعل صاحبه مقرئًا متقنًا، ولا يمنحه بالضرورة أهلية تعليم كتاب الله للآخرين.
فثمة فرق بين حسن الصوت وإتقان التلاوة، وفرق بين إتقان التلاوة والتبحر في القراءات، وفرق بين ذلك كله وبين العلم بمعاني القرآن وأحكامه ومقاصده.
ولذلك ينبغي للشاب الذي رزقه الله صوتًا حسنًا أن يسأل نفسه: ماذا قدمت بهذه النعمة لكتاب الله؟ وكم حفظت من آياته؟ وما الذي تعلمته من علومه؟ وهل أسهمت في تعليم الآخرين وتصحيح قراءاتهم؟
إن هذه الأسئلة أولى بالاهتمام من الانشغال بعدد المحافل التي يشارك فيها القارئ، وعدد المتابعين الذين يجتمعون حوله، ومقدار الشهرة التي يحققها.
ثانيًا: ماذا نتعلم من سيرة الشيخ الحصري؟
إن من يتخذ الشيخ محمود خليل الحصري رحمه الله تعالى قدوة له، ويعلن محبته له، ينبغي أن يتأمل سيرته العلمية، وألا يقتصر في الاقتداء به على محاكاة صوته وأدائه.
فالشيخ الحصري لم تقتصر خدمته للقرآن على التلاوة في المحافل والمناسبات، بل عُرف بإسهاماته في الإقراء والتعليم، وبعنايته بالتجويد والقراءات، وبما تركه من أعمال علمية في هذا المجال.
ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه محبوه على أنفسهم هو: ماذا أخذنا من منهجه العلمي، إلى جانب التأثر بصوته وأدائه؟ وهل نسعى إلى أن نكون معلمين ومقرئين متقنين، كما نسعى إلى أن نكون أصحاب أصوات جميلة؟
إن محبة العلماء والقراء لا تتحقق بمجرد الانتساب إليهم، أو رفع أسمائهم في الشعارات، أو إقامة اللقاءات التي تحمل أسماءهم؛ وإنما تظهر في الاقتداء بهم في الخير، والسير على نهجهم في العلم والعمل والإخلاص.
ثالثًا: حين تتحول المحافل إلى عائق أمام التعلم والعمل
إن من أخطر ما ينبغي التنبه إليه أن تتحول المشاركة في المحافل القرآنية من وسيلة للتشجيع على التعلم والإتقان إلى غاية في ذاتها.
فقد ينشغل بعض الشباب بكثرة اللقاءات والمناسبات، ويحرصون على حضورها في مختلف المناطق، حتى يستنزف ذلك أوقاتهم وجهودهم وأموالهم، ويؤثر في دراستهم أو أعمالهم أو مسؤولياتهم الأسرية.
وقد يدفع التعلق بهذه المحافل بعضهم إلى البحث عن برامج التدريس عن بُعد، لا لحاجة علمية ملحة، بل رغبة في الحصول على مرونة أكبر تتيح لهم حضور اللقاءات المتكررة. ولا يعني ذلك أن التعليم عن بُعد مذموم في ذاته، فهو وسيلة نافعة إذا أُحسن توظيفها، وإنما الإشكال أن يصبح الانشغال بالمحافل سببًا في التقصير في المسؤوليات المهنية والتعليمية.
ومن المؤسف أن يظن بعض الشباب أن كثرة الظهور أمام الجمهور وتكرار المشاركة في المناسبات كافيان لصناعة التميز القرآني، مع أن الإتقان الحقيقي يحتاج إلى الصبر والمثابرة، وملازمة الشيوخ المتقنين، والمراجعة المستمرة.
ولا يصح تعميم هذه الملاحظات على جميع الجمعيات أو الشباب، لكن هذه الظواهر، متى ظهرت، تستحق المعالجة والنصح، حرصًا على مستقبل الشباب وصيانة لرسالة القرآن الكريم.
رابعًا: أبرز السلبيات التي تستدعي المراجعة
من الإنصاف الاعتراف بأن هذه اللقاءات قد تشجع الشباب على التلاوة، وتتيح لهم تبادل الخبرات، وتعرّف الجمهور بأصوات جديدة. غير أن هذه الإيجابيات لا تمنع من النظر في بعض السلبيات التي قد تصاحبها، ومنها:

  1. ضعف المحتوى العلمي: حين يقتصر البرنامج على تتابع القراء في التلاوة دون تخصيص وقت للتعليم والتصحيح والتوجيه.
  2. إهدار الوقت والمال: حين تتكرر اللقاءات على نحو يضر بالتزامات المشاركين الدراسية والمهنية والأسرية.
  3. تغليب الشهرة على الإتقان: حين يصبح الظهور أمام الجمهور هدفًا يتقدم على الحفظ والمراجعة والتعلم.
  4. الخلط بين جمال الصوت والأهلية العلمية: حين يُقدَّم صاحب الصوت الجميل على أنه مرجع في القراءة والتعليم دون النظر في مستواه العلمي وإتقانه.
  5. ضعف المردود التربوي: حين تنتهي اللقاءات دون متابعة للمشاركين أو خطة لتطوير مستواهم.
    ومن الجوانب التي تستحق عناية خاصة مسألة الاختلاط في بعض القاعات، وما قد يصاحبه من مظاهر لا تنسجم مع الضوابط الشرعية والآداب التي ينبغي مراعاتها في المجالس القرآنية.
    فقد تُشاهد في بعض اللقاءات فتيات يجلسن أمام الرجال، ويرفعن أصواتهن بمحاكاة أصوات القراء، مع اعتماد أساليب في الأداء قد لا تتناسب مع الوقار المطلوب في هذه المجالس.
    وليس المقصود من ذلك الانتقاص من المرأة أو إنكار حقها في تعلم القرآن وإتقانه وتعليمه، بل التأكيد على ضرورة تنظيم هذه الأنشطة بما يراعي الضوابط الشرعية، ويحفظ كرامة المشاركين والمشاركات.
    فخدمة القرآن لا تنفصل عن الالتزام بآدابه وأخلاقه.
    خامسًا: كيف نجعل المحافل القرآنية أكثر نفعًا؟
    إذا كانت هذه الجمعيات ترغب حقًّا في خدمة القرآن الكريم، فإن بإمكانها تطوير أنشطتها، وتحويل لقاءاتها إلى مناسبات تجمع بين التلاوة والتعليم والتكوين، وذلك من خلال الخطوات الآتية:
  6. تنظيم دورات في التجويد النظري والتطبيقي: لتعليم الأحكام وتصحيح أخطاء المشاركين على أيدي معلمين متقنين.
  7. إنشاء حلقات للحفظ والمراجعة: حتى لا يقتصر الاهتمام على أصحاب الأصوات الجميلة، بل يشمل كل من يرغب في حفظ كتاب الله وضبطه.
  8. العناية بالقراءات القرآنية: بتعريف الشباب بالقراءات المتواترة، وتدريب المؤهلين منهم على أصولها وفرشها وفق مناهج علمية صحيحة.
  9. استضافة العلماء والمقرئين المتقنين: لتقديم دروس في علوم القرآن، وأحكام التلاوة، وآداب حملة القرآن، وطرائق الإقراء.
  10. ربط التلاوة بالتدبر والعمل: بتخصيص فقرات لتفسير الآيات، وبيان هداياتها، واستخراج الدروس التربوية والأخلاقية منها.
  11. مراعاة مسؤوليات الشباب: بتنظيم اللقاءات في أوقات مناسبة، وتجنب التنقلات المتكررة التي لا تحقق فائدة علمية واضحة.
  12. تقويم الأنشطة وقياس نتائجها: بحيث يكون معيار النجاح هو ما يكتسبه المشاركون من إتقان وعلم، لا مجرد كثرة الحضور أو عدد المناسبات.
    إن تطوير هذه البرامج من شأنه أن يجعل الجمعيات القرآنية أكثر نفعًا، وأن يحوّل جهودها إلى مشاريع تعليمية وتربوية ذات أثر مستمر.
    سادسًا: رسالة إلى الشاب الذي رزقه الله صوتًا حسنًا
    أيها الشاب، يا من رزقك الله صوتًا جميلًا في تلاوة كتابه، اعلم أن هذه النعمة أمانة ومسؤولية، وأن من شكرها أن تسخرها فيما يرضي الله تعالى.
    احرص على حفظ القرآن الكريم وإتقانه، وملازمة الشيوخ المتقنين، وتعلم أحكام التجويد، ثم التدرج في دراسة القراءات وغيرها من العلوم المتعلقة بكتاب الله، بحسب استعدادك وما يتيسر لك من أسباب التعلم.
    ولا تجعل إعجاب الناس بصوتك يحجب عنك حقيقة مستواك العلمي، ولا تسمح للثناء أن يصرفك عن مجالس التعليم والتصحيح؛ فالعاقل من جعل ثناء الناس حافزًا على مزيد من التعلم، لا دليلًا على بلوغ الغاية.
    واعلم أن الشهرة ليست دليلًا على العلم، وكثرة الدعوات إلى المحافل ليست شهادة بالإتقان، وأن أعظم ما تقدمه للقرآن أن تتلوه على الوجه الصحيح، وأن تتعلمه بأمانة، وأن تعلّمه للناس بإخلاص.
    سابعًا: المحبة الصادقة تظهر في الاقتداء والعمل
    يا من تعلن محبتك للشيخ الحصري رحمه الله تعالى، تذكر أن محبة العلماء والقراء ليست مجرد كلمات تُقال، ولا أسماء تُرفع، ولا مناسبات تُقام؛ بل من أصدق علاماتها الاقتداء بهم في الخير، والسير على طريقهم في العلم والعمل.
    وقد قال الشاعر:
    تعصي الإله وأنت تظهر حبه
    هذا لعمري في القياس شنيع
    لو كان حبك صادقًا لأطعته
    إن المحب لمن يحب مطيع
    وقد أحسن جدنا الحاج مالك سي رضي الله عنه حين قال في كتابه «خلاصة الذهب»:
    وليس نفعٌ على حبٍّ بلا عملِ
    وتابعنَّ سنةَ المختارِ تغتنمِ
    فإذا كان الشاب يحب القرآن، فإن من مقتضيات هذه المحبة أن يجتهد في حفظه وإتقانه وفهمه والعمل به. وإذا كان يحب إمامًا من أئمة القراءة، فليجعل من سيرته العلمية حافزًا إلى التعلم والتعليم، لا أن يقتصر على محاكاة صوته أو الانتساب إلى اسمه.
    خاتمة: ابحثوا عن الإتقان لا عن الشهرة
    إخواني في الله، يا أحباب الحصري، ويا أعضاء جمعيات القراء في السنغال، ويا القائمين على المحافل القرآنية، إنني، أخوكم المحب لكم الخير، أدعوكم إلى إعادة النظر في برامجكم، ومراجعة أهدافكم، والسعي إلى تطوير أنشطتكم بما يحقق المقصود من خدمة كتاب الله تعالى.
    إن جمال الصوت موهبة من الله، أما الإتقان فيُكتسب بالتعلم والتدريب والممارسة والمراجعة. وقد تمنح المحافل القارئ خبرة في الأداء أمام الجمهور، لكنها لا تغني عن ملازمة المعلمين المتقنين والتلقي عن الشيوخ المؤهلين.
    وقد قال الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى:
    وليس بينه وبين تركه
    إلا رياضة امرئ بفكه
    فابحثوا عن الإتقان والتميز، لا عن الشهرة والظهور! واغتنموا فرص التعلم، ولا تجعلوا المحافل المتكررة تصرفكم عن مجالس العلم.
    واعلموا أن القرآن الكريم لم ينزل ليُتلى في المحافل فحسب، بل أُنزل ليُحفظ ويُتقن، ويُتدبر ويُفهم، ويُعمل بأحكامه، وتُترجم هداياته إلى واقع الحياة.
    فلنجعل غايتنا أن نكون من أهل القرآن علمًا وعملًا، وأن نجمع بين جمال التلاوة، وصحة الأداء، وحسن الخلق، والإخلاص في خدمة كتاب الله تعالى.
    اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وحسن التلاوة، وصحة الفهم، وصدق الاتباع، وبارك في شباب المسلمين، واجعلهم خدامًا لكتابك علمًا وتعليمًا وتربيةً وتكوينًا.

بن مالك توري الفاسي

Leave a Reply