كتب / محمد الأمين سيسي
مع إشراقة شهر أكتوبر ، عادت المدارس السنغالية إلى الحياة من جديد، إيذانًا بانطلاق موسم دراسي يحمل معه آمالًا متجددة للتلاميذ والطلاب، وتطلعات الأسر إلى مستقبل أفضل لأبنائها. غير أن هذه البداية، التي يفترض أن تكون مناسبة للفرح والتفاؤل، تأتي محمّلة بتحديات اقتصادية واجتماعية وميدانية، تطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية المؤسسات التعليمية لاستقبال التلاميذ، وقدرة الأسر على تحمل أعباء الموسم الدراسي الجديد.
وكما جرت العادة، لم تبدأ الاستعدادات من أبواب المدارس، بل من الأسواق، حيث انشغلت الأسر بشراء الحقائب والملابس والأدوات المدرسية، قبل الانتقال إلى مرحلة التسجيل في المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة.
وبين فرحة الاستعداد لعام جديد وقلق توفير مستلزماته، وجدت أسر كثيرة نفسها أمام مصاريف متزايدة، لا سيما في المدارس الخاصة التي تشكل رسوم بعضها ومتطلباتها عبئًا ثقيلًا على محدودي الدخل.
إن افتتاح المدارس ليس مناسبة عابرة، بل حدث يظل محفورًا في ذاكرة الإنسان مهما تقدّم به العمر.
ولا أزال أتذكر ذلك اليوم الأول الذي دخلت فيه المدرسة بعد حفظ القرآن الكريم؛ كنت متشوقًا إلى تلك اللحظة، أترقبها بشغف، وأنتظر أن أخطو أولى خطواتي في عالم التعليم النظامي. وما زلت أستحضر ذلك النص الأول في كتاب القراءة، الذي كان يتحدث عن افتتاح المدارس، وكأن كلماته ما زالت حاضرة أمامي بكل تفاصيلها. إنها ذكريات لا تمحوها السنوات، لأنها ترتبط ببدايات التكوين وأحلام الطفولة وأولى خطوات بناء المستقبل.
لكن بين ذكريات البدايات الجميلة وواقع المدارس اليوم، تقف تحديات حقيقية تعترض طريق آلاف التلاميذ والأسر في السنغال. فمع انطلاق الموسم الدراسي، تتداخل الصعوبات الاقتصادية مع مشكلات البنية التحتية والطرق، وتزداد المعاناة في بعض المناطق بسبب الأمطار والفيضانات التي تجعل الوصول إلى المؤسسات التعليمية أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه انطلاقة الموسم الدراسي تداعيات الأمطار والفيضانات التي شهدتها مناطق من السنغال، ولا سيما في دكار، حيث تسببت المياه في غمر طرق ومنشآت، وأعاقت حركة التنقل في عدد من المواقع.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه بعض المؤسسات التعليمية صعوبات ميدانية، إذ غمرت المياه بعض المدارس أو محيطها، وأصبح الوصول إليها متعذرًا أو محفوفًا بالمخاطر. وفي مثل هذه الحالات، لا تقتصر المشكلة على التلاميذ وحدهم، بل تمتد إلى المعلمين والإدارات والعاملين في المؤسسات التعليمية، الذين قد يعجزون بدورهم عن الوصول إلى أماكن عملهم.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ما جدوى الإعلان عن افتتاح المدارس وبدء الدراسة في موعد محدد، إذا كانت بعض المؤسسات لا تزال محاصرة بالمياه، ولا يستطيع التلاميذ أو المدرسون الوصول إليها؟
إن إعلان افتتاح الموسم الدراسي يمثل خطوة إدارية ضرورية، لكنه لا يعني بالضرورة أن العملية التعليمية قد انطلقت فعليًا في جميع أنحاء البلاد. فهناك فرق واضح بين فتح أبواب المؤسسات رسميًا وبين توفير الظروف الميدانية التي تسمح باستئناف الدراسة بصورة طبيعية وآمنة.
ومن ثم، فإن نجاح العودة إلى المدارس لا ينبغي أن يُقاس بالموعد المعلن وحده، بل بمدى قدرة المؤسسات التعليمية على استقبال التلاميذ، واستعداد الفصول الدراسية، وسلامة الطرق المؤدية إليها، وتوافر الحد الأدنى من الشروط الصحية والأمنية اللازمة لممارسة التعليم.
وتتحمل الحكومة السنغالية مسؤولية أساسية في ضمان استمرارية التعليم، خصوصًا في الظروف الاستثنائية التي تفرضها الفيضانات والأمطار الغزيرة. وهذه المسؤولية لا تتوقف عند الإعلان عن افتتاح المدارس، بل تشمل اتخاذ التدابير اللازمة حتى لا يتحول الطقس أو ضعف البنية التحتية إلى سبب يحرم التلاميذ من حقهم في الدراسة.
وأول هذه الواجبات هو إجراء تقييم ميداني عاجل للمؤسسات التعليمية المتضررة، وتحديد المدارس التي غمرتها المياه أو أصبحت طرق الوصول إليها غير آمنة، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضررًا. وينبغي أن يتم هذا التقييم بالتنسيق بين وزارة التربية الوطنية والسلطات المحلية والجهات المكلفة بالحماية المدنية وإدارة المياه والصرف الصحي.
أما المدارس التي لا تزال مغمورة بالمياه، فيجب العمل على تصريفها وتنظيفها، وفحص سلامة المباني والفصول والمرافق الصحية قبل السماح باستقبال التلاميذ من جديد. فاستئناف الدراسة في بيئة غير آمنة قد يعرّض الأطفال والعاملين لمخاطر صحية وميدانية لا مبرر لها.
كما ينبغي وضع ترتيبات مؤقتة للمؤسسات التي يتعذر فتحها في موعدها، بما في ذلك توفير فضاءات بديلة آمنة عند الإمكان، أو اعتماد حلول تعليمية مناسبة بحسب طبيعة المنطقة ومدة التعطل، حتى لا يتحمل التلاميذ وحدهم ثمن التأخر في معالجة الأضرار.
ومن الضروري أيضًا تحسين التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية، بدل الاكتفاء بإصدار الإعلانات العامة. فالمواطنون والأسر بحاجة إلى معلومات واضحة بشأن المدارس التي أصبحت جاهزة، وتلك التي لا تزال تواجه صعوبات، والإجراءات المتخذة لمعالجة الوضع، والموعد المتوقع لاستئناف الدراسة في المؤسسات المتضررة.
وعلى المدى البعيد، لا يمكن معالجة هذه المشكلة في كل موسم أمطار من خلال التدخلات الطارئة وحدها. بل يتطلب الأمر خطة مستدامة لحماية المؤسسات التعليمية من الفيضانات، وتحسين شبكات تصريف المياه، وصيانة الطرق المؤدية إلى المدارس، ومراعاة المخاطر المناخية عند بناء المؤسسات الجديدة أو توسعتها. إن تكرار هذه المشكلات يفرض مراجعة جدية لمدى استعداد البنية التحتية التعليمية لمواجهة الظروف المناخية، حتى لا يصبح الموسم الدراسي رهينًا للأمطار في كل عام.
وخلف هذه المشكلات الميدانية، تواجه الأسر السنغالية تحديات اقتصادية لا تقل صعوبة. فمستلزمات الدراسة ورسوم التسجيل والنقل والغذاء تمثل أعباء متزايدة، في وقت لا تسمح فيه الظروف المعيشية لكثير من العائلات بتلبية جميع الاحتياجات بسهولة.
كما أن بعض المزارعين لم يتمكنوا بعد من جني محاصيلهم أو تحقيق دخل يساعدهم على مواجهة مصاريف الموسم الدراسي، الأمر الذي يزيد الضغط على الأسر التي تعتمد على النشاط الزراعي مصدرًا رئيسيًا للرزق.
وتضاف إلى ذلك تكاليف المواصلات وارتفاع أسعار الأدوات المدرسية وتعدد المطالب المالية، وهي عوامل قد تدفع بعض الأسر إلى تأخير تسجيل أبنائها أو تعجز عن توفير بعض احتياجاتهم الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، يصبح دعم الأسر محدودة الدخل ضرورة ملحّة، سواء من خلال برامج المساعدات الاجتماعية أو تخفيف الأعباء المرتبطة بالالتحاق بالمدارس، مع ضمان ألا تؤدي الظروف الاقتصادية إلى حرمان أي طفل من حقه في التعليم.
وفي القرى النائية والمناطق المعزولة، تتضاعف معاناة التلاميذ، وتصبح الرحلة إلى المدرسة تحديًا يوميًا حقيقيًا. فهناك من يقطعون مسافات تتجاوز سبعة كيلومترات يوميًا ذهابًا وإيابًا للوصول إلى مقاعد الدراسة، في ظروف شاقة تستنزف طاقتهم وتؤثر في تحصيلهم الدراسي، ولا سيما خلال موسم الأمطار، حين تصبح الطرق أكثر صعوبة وخطورة.
والأكثر إيلامًا أن بعض التلاميذ يضطرون إلى مغادرة قراهم والانتقال إلى قرى أخرى أو إلى المدن المجاورة لمواصلة تعليمهم، بسبب غياب المدارس الإعدادية أو الثانوية في مناطقهم. ويترتب على ذلك أعباء إضافية على الأسر، التي تجد نفسها أمام خيار صعب بين تحمل تكاليف الإقامة والمعيشة لأبنائها بعيدًا عن المنزل، أو مواجهة خطر انقطاعهم عن الدراسة.
ومن هنا، تبرز ضرورة وضع خطة وطنية لتقريب المؤسسات التعليمية من التجمعات السكانية، وبناء المزيد من المدارس الإعدادية والثانوية في المناطق المحرومة، إلى جانب تطوير النقل المدرسي وتوفير الدعم للتلاميذ الذين يضطرون إلى متابعة دراستهم بعيدًا عن أسرهم. فليس من العدل أن تتوقف فرص الطفل في مواصلة تعليمه على مكان ولادته أو قدرة أسرته المادية على توفير تكاليف التنقل والإقامة خارج قريته.
وفي سياق متصل، تبرز قضية المدارس الخاصة التي تستحق وقفة جادة من الجهات المعنية. فعلى الرغم من الدور الذي تؤديه هذه المؤسسات في استيعاب أعداد كبيرة من التلاميذ والمساهمة في العملية التعليمية، فإن بعض ممارساتها، ولا سيما ارتفاع الرسوم وتعدد المطالب المالية، تثير تساؤلات حول قدرة الأسر على الاستمرار في تحمل هذه الأعباء.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الحكومة في تعزيز الرقابة على المدارس الخاصة، وضمان شفافية الرسوم الدراسية، ومراجعة التكاليف الإضافية، والتأكد من احترام القوانين والضوابط المنظمة للقطاع. فالتعليم حق أساسي، وليس من المنطقي أن تتحول بداية العام الدراسي إلى مصدر قلق مالي دائم للآباء والأمهات، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الاحتياجات الأسرية.
إن انطلاق الموسم الدراسي لا ينبغي أن يظل مجرد شعار يتكرر في وسائل الإعلام والبيانات الرسمية، بينما لا تزال بعض المؤسسات غير قادرة على استقبال التلاميذ بسبب المياه أو تدهور الطرق أو نقص التجهيزات.
فالمطلوب من الحكومة ليس فقط تحديد موعد افتتاح المدارس، بل ضمان توافر الظروف التي تجعل هذا الافتتاح حقيقة ملموسة في حياة التلاميذ والأسر. ويتطلب ذلك الانتقال من القرارات الإدارية إلى المعالجة الميدانية، ومن التدخل بعد وقوع الأضرار إلى التخطيط المسبق للحد منها.
كما أن نجاح الموسم الدراسي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمؤسسات التعليمية والأسر والمجتمع المدني. غير أن مسؤولية الدولة تظل محورية في توفير البنية التحتية المناسبة، وتحقيق العدالة في توزيع المؤسسات التعليمية، وحماية حق الأطفال في التعلم، مهما كانت ظروفهم الاجتماعية أو الجغرافية.
في نهاية المطاف، تبقى فرحة افتتاح المدارس واحدة من أجمل اللحظات التي يعيشها الإنسان، لما تحمله من أمل وطموح وذكريات لا تُنسى. لكن هذه الفرحة لن تكتمل إلا عندما تصبح العودة إلى المدرسة مناسبة للأمل لدى جميع الأسر السنغالية، لا موسمًا جديدًا للقلق والديون ومواجهة المصاريف المتزايدة، أو انتظار انحسار المياه وفتح الطرق.
فالتلميذ الذي يقطع كيلومترات طويلة سيرًا على الأقدام يستحق فرصة تعليمية كالتلميذ الذي يصل إلى مدرسته بوسائل النقل، والطفل الذي يعيش في قرية نائية يستحق أن يحلم بمستقبل أفضل كغيره من أطفال المدن. كما أن التلميذ الذي حاصرته مياه الأمطار يستحق أن يجد مدرسة آمنة وجاهزة، لا أن تضيع أيامه الدراسية بسبب مشكلات كان بالإمكان الحد منها بالتخطيط والاستعداد.
إن التعليم استثمار في مستقبل السنغال، وتحقيق العدالة التعليمية مسؤولية لا تحتمل التأجيل. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس أن تعلن افتتاح المدارس فحسب، بل أن تعمل على ضمان أن يتمكن كل طفل من دخول فصله الدراسي، في بيئة آمنة، وبفرص متكافئة، بعيدًا عن الفقر والفيضانات وبُعد المسافة.
فالمدارس لا تُفتتح حقًا بمجرد إعلان ذلك رسميًا، وإنما حين تُفتح أبوابها فعلًا أمام التلاميذ، وتصبح الطريق إليها آمنة، وتتوفر فيها الظروف التي تضمن تعليمًا مستقرًا ومنصفًا للجميع.
محمد الأمين سيسي






Leave a Reply
You must be logged in to post a comment.