مقال: سيميائيات “الماء” في الكتابات الخديمية : دراسة صوفية معجمية

الكاتب : أحمد بمبا غاي

الماءُ سِرّ الوُجودِ وأصله، وأساس الحياة ومنبعها. وهو على امتداد تاريخ البشرية مصدر للنمو والازدهار ورمز للإنبات والإثمار وأداة للإحياء والإطهار.
ويعد الماء من أعظم نعم الله ورحمته على خلقه، إذ جعله أصل الحياة للعباد والبلاد كما أشار سبحانه في محكم تنزيله : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}( سورة الأنبياء: ٣٠).

وتزخرُ نصوصُ الشيخ أحمد بمبا، بطابعها الصوفي، بلفظةِ الماءِ وحقولها الدلالية، لِتُعبّرَ عن تجربةٍ روحيةٍ فريدة ومسيرةٍ عرفانيةٍ عميقة، حافلة بلغة الإشارة والإبهام.

​ولقد استخدم العبد الخديم رمزيةَ الماءِ ودلالاتِها في مسيرته الفكرية والروحية لأغراضٍ مختلفة؛ وتحاولُ هذه الورقةُ فكَّ شفراتِها واستنطاقَ علاماتِها للوصولِ إلى مقاصدِها.

أ – الماء نُسغ الحياة

يُشكل الماءُ عنصرا ضروريًّا للحياة ويرمز إلى الخصوبة والنضارة والنماء، وبغيابه تتوقف النشاطات وتُشَلُّ الحركات. وفي التراث الديني تمثل هذه المادة الحيوية دلالات معنوية ; إذ ترتبط بأسرار الخير والبركة والرحمة بغض النظر عن خصوصيتها الحيوية كماء زمزم مثلا.
والشيخ الخديم عندما أسس مدينته “طوبى” سنة (1888م) وسط سهول “بَوُلْ” الماحلة، استغاث الله ربه في قصيدته التأسيسية “مطلب الفوزين” أن يمن أهلها ماءً جاريا يجلب الرغد والرخاء :

وَمَسْكَنِي سَلِّمْ مِنَ الفُجَّارِ / وَامْنُنْ عَلَى الْأَهْلِ بِمَاءٍ جَارِ

فاستجاب له ربه، بعد سنوات من القحط والجفاف ، وانفجر الماء فيها، وسماه “عَيْنَ الرَّحْمَةِ” ثم ألف قصيدة للمناسبة مقيدة بقوله تعالي :
“وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا” فقال حامداً شَاكِراً :

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْجَزِيلِ النِّعْمَةِ / عَلَى خُرُوجِ مَاءِ عَيْنِ الرَّحْمَةِ
دُعَائِيَ اسْتَجَبْتَ بِالْمَسَرَّهْ / بِلَا مُعَادَاةٍ وَلَا مَضَرَّهْ
وَطَّنْتَنِي يَا حَافِظِي فِي طُوبَى / فَلْتَكْفِهَا الشُّرُورَ وَالْخُطُوبَا
فَجَّرْتَ يَا رَحْمَانُ “عَيْنَ الرَّحْمَةِ” / مَعَ سَلَامَةٍ وَخَيْرِ نِعْمَةِ
جُدْتَ لَنَا بِالْمَاءِ وَالْأَرْزَاقِ / يَا خَيْرَ مُعْطٍ نَافِعٍ رَزَّاقِ
أَسْقَيْتَنَا خَيْرَ مِيَاهٍ يَرْتَوِي / شَارِبُهَا وَخَيْرَ فَوْزٍ يَحْتَوِي
ضُمَّ فُؤَادَ شَارِبٍ مِنْهَا إِلَى / أَفْئِدَةِ الَّذِينَ فَازُوا بِالْإِلَى
عَنِ الْقُلُوبِ اغْسِلْ بِهَا كُلَّ عُيُوبْ /وَعِنْدَكَ اجْعَلْهَا مَفَاتِحَ الْغُيُوبْ
يَارَبَّنَا يَارَبَّنَا يَارَبَّنَا / يَارَبَّنَا سَقَيْتَنَا يَارَبَّنَا

ويحمل الماء أحيانا دلالات الشر والتدمير كالطوافين والسيول والفيضانات،ولذلك كان الشيخ يستعيذ منها :
وَشَرِّ ذِي الْقُرْبِ وَشَرِّ النَّائِي / وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَشَرِّ الْمَاءِ.

فازتْ قلامي بمدح المُنتقى وبه / كفاني الله ضُرَّ الماء والشَّررِ

وقوله في قصيدة “ولقد كرمنا” :
مَلِّكْنِيَ الْعَامَ يَا وَهَّابُ فَوْقَ رَجَا
ئِي وَلْتَرُضْ لِيَ أَعْدَاءً وَمُسْلَانَا

مُسلان : مفرد مُسْل ويجمع مُسُلٍ وأمسلة ومسايل وهي السيلان.

ب – سيمياء الماء عند خادم الرسول :

فإن كان الماء يمثل الحرية والجمال والوجود بشكله اللامتناهي عند الرومانسيين، فإنه يرمز عند الصوفية المدد و الجمال والحب الإلهي والوجود المطلق.

وأهم دلالات الماء السيميائية عند العبد الخديم : الفيوض الربانية، والفيوض المحمدية، والمعين القرآني :

ولِي هب مالا يُرى لغَيرِي / فِي الله والذِّكرِ وأُذن خيرِ (نور الدارين).

1- إن ما مدّ الله سبحانه وتعالى لعبده الخديم من البُشر(مدَّ لي الله البُشر)، و جمع له مِن المُنَى (لِيَ ولِي المُنى جَمعْ)، ونشر له من اليُمْنِ (ويُمنَه لِيَ نَشَرْ) قَاده شاكرا سبحانه وتعالى على تلكم النعم المُتَدفّقة عليه ظاهرةً وباطنة ، مُشبها جوده وعطاؤه بالوبل والمطر والفيض والغيث :

تفضل على اليوم يارب بِالمُنى / بفتحٍ وفيضٍ يخجل الوبْلَ منصَبَا (قصيدة رضيت عن المولى)
له خِطابِي وأرجو فَوق مطْلَبَتِي / من جُودهِ النافِع الميمُون كَالمطَر(قصيدة ياذا البُشارات)
ساقَ العطايا بلا كدٍّ ولاسببٍ / لنا بفيض كَوبلٍ جَا بِتَوْ كَافِ (قصيدة فسيكفيكهم الله).

ومن أهم هذه النعم استيعابه وارتوائه من الفيوضات الإلهية والبحار النورانية والفتوحات الربانية المتمثلة بالتجليات والكشوف والفتوح والمعارف والأسرار الإلهية . ولتلقي هذه التجليات الربانية جعل قلبه “وعاءً” استمداد واستسقاءً لها مصّاً ورَشفاً وعباَّ.

كؤوسك تَسقِينِي بها ذا بُشارةٍ / ولي قدت فيضا أخجل البحر والفلْكَا
لِيَ اصرفْ كُؤوس القومِ ولتَسْقِني بها / ووسع وهب المَصَّ ياربِّ والعَبّا
يقصدون بالكأس : كأس المعرفة والمحبة الإلهية.

ومن الحقول الدلالية التي استعملها الشيخ أحمد الخديم – رضوان الله تعالى عليه _ كحاوية “récipient” لتلقي الفيوض الإلهية البارزة (وفيض ربِي بَارزُ) :
ظَرْفُ: الوعاءُ (والجمع ظُرُرف) : اُكْتُبْ لِأَفْضَلِ الْوَرَى بِذِي الْحُرُوفْ / بُشَارَةً كَمَا مَلَأْتَ لِي الظُّرُوفْ

  • الذَنُوبُ : (الدَّلو العظيمة) :
    وحُطَّ ما عليه من ذنُوبِ / يَا مَالئاً بجاهه ذَنُونِي

-الجُرب :والجِرابُ : (وِعاءٌ من إهاب الشَّاء يُوعَى فيه
الزاد وقيل خاص باليابس ) :
خِطَابِي بِلَفْظِ اللَّهِ وَهْوَ عَلَا / بِهِ حَبَانِي بِمَا لِي قَدْ مَلَا الْجُرُبَا

القدح :
عِلْمٌ وَسَعْيٌ وَآدَابٌ وَمَعْرِفَةٌ / لِي قُدْتَهَا يَا بَشِيرًا قَدْ مَلَا الْقَدَحَا

-النّحي : ويعني الزِقّ (وعاء السمن) : أَلَانَ لِيَ الْقَهَّارُ بِالْمُصْطَفَى النَّبِي / قُلُوبَ الْوَرَى حَمْدِي لَهُ مَالِئًا نِحْيِي

-الزِقُّ : وجمعه زقاق وأزقاء ( وِعاءٌ مِنْ جِلْدٍ يُمْلأُ بِالسوائل) : له خِطابِي وزقاقي زَمجا / وقد كَفانِي خَرجا وخَمجا
زمج قرِبته : أملأها.

-دلو وجمع دلاء :
وَانْشُرْ عَلَيْنَا بَرَكَاتِ الْفَاتِحَهْ / وَاجْعَلْ دِلَاءَنَا لِعَذْبٍ مَاتِحَهْ
المَتْحُ : جَذْبُكَ رِشاءَ الدَّلْو تَمُدُّ بيد وتأْخذ بيد على رأْس البئرمَتَحَ الدلوَ يَمْتَحُها مَتْحاً
الماتِحُ المُسْتَقِي الذي يملأُ الدلو من أَسفل البئر.
المِهْدَى : الإِناء يُهْدَى فيه :
هَبْ لِي بِكَونِكَ وَهَّاباً بِلاَ سَبَبٍ / مافَاقَ ظَنِّيَ وامْلَأْ ربِّ مِهْدَايَا

وتصف العبد الخديم غالبا “الحاويات” بالمِلء والزَّمج والمَتْح والدّهاقِ والفيض والوكْف (“وفيضي وَكَفَا” أي فاض وتدفق) وهذه تدل على الإستغراق والكثرة والسعة والانفتاح كما أشار إليه الغزالي في رسالته اللدنية.

​ومن أنواع المياه التي عُبّ بها ريّاناً الشيخِ الخديم: العلم اللدني والمعرفة الغيبية التي وهبه إياها الله سبحانه وتعالى؛ حيث يناجي ربه طالبًا تفجير ينابيع الغيب في قلبه:

​فَجِّرْ يَنَابِيعَ مِيَاهِ الغَيْبِ … فِي أَرْضِ قَلْبِي وَلْتُزَحْزِحْ رَيْبِي
​فَجِّرْ يَنَابِيعَ مَاءِ الغَيْبِ يَا صَمَدِي … فِي القَلْبِ مِنِّي وَزِدْنِي فَوْقَ مَظْنُونِي
​لِي بِكَوْنِكَ وَهَّاباً مُنَايَ مَعاً … حَتَّى أَكُونَ بِمَاءِ الغَيْبِ رَيَّانَا
​طَرِبْتُ بِأَنِّي كَيِّسٌ بِانْتِبَاهِهِ … وَأَنِّي رَيَّانٌ بِأَصْفَى مِيَاهِهِ
​ (
​وأصفى مياهه هو “الزُّلَال الشَّبِم” (أي البارد العذب الصافي) ، والزلال الصافي كما أشار إلى ذلك بقوله في مفاتح الجنان:

​اللهُ كَانَ لِي بِمَا … يُبْقِي زُلَالاً شَبِمَا
​غَداً وَلِي قُوتَاً بِمَا … قَادَ وَخَيْرَ رَغَدِ

​وقوله أيضاً في قصيدة يوم مولده:

​إِلَى اللهِ بِالمُخْتَارِ وَجَّهْتُ مَا بِهِ … حَوَيْتُ زُلَالاً صَافِياً خَيْرَ مَوْرِدِ

-الفيض المحمدي

فإن كان الماء أصل الوجود، فإن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيد الوجود. فإذا يرمز الجمال والحب فإن مخدوم العبد الخديم هو عين الجمال والمحبة. فهو النبي الجواد الكريم، والبحر العظيم والقاموس المحيط.

وهو صلى الله عليه وسلم مَن رَوَّا خديمه ببحره الخضم في غيبته البحرية و دأظ ظُروفه خديمه بما فاق ظنونه، كما يشهده هو بنفسه في قصيدته مقدمات الأمداح :

ظَمِأتُ وجِئتُ البحْرَ فِي البَحْرِ خَادِماً
لِمَنْ أَخْجَلَ اليَاقُوتَ مَا كَانَ يَلْفَظُ
ظُرُوفِي مَعاً وَجَّهتُهَا قَبْلُ للنَّبِي
وَكُلاًّ بِمَا فَاقَ المُنى صَارَ يَدْأَظُ

ودأَظْت السّقاء ملأته(لسان العرب)
ولذلك جعله نصب أعينه، ووساطة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى يتبعه ويخدمة مدحا وصلاة شعرا ونثرا :

عليكَ أُثنِي بِأبكارٍ أجيءُ بها
من الفيوض التي تنصبُّ ويدانا (ولقد كرمنا).
وقوله في منن الباقي القديم :
للبحر قد وجهت عند البحر / مدحا به قد صرتُ مثل بحر
قدمني في البر والبحر معا مدح الذي برا وبحرا جمعا
محمد بر وبحر لم يُرا / فيما نظيره ولن يرى
البحر الأول يقصد به النبي صلى الله عليه وسلم الذي جوده دِيَم:
وَإِنَّنِي أَعْبُدُ الْمَوْلَى بِهِ أَبَدًا / ذَا خِدْمَهٍ لِشَفِيعٍ جُودُهُ دِيَمُ
والثاني: غيبته البحرية (نفيه في غابون) الذي صار فيها بحرا غطمطما :
قلت وَأَيَّامِي ازْدَرَتْ أُمُوسِي وَفُزْتُ بِالْقَامُوسِ فِي الْقَامُوسِ
والثالث هو نفسه : نبهتكم معا على كد بدا / لي قبل أن أكون بحرا مزبدا.

وأما القرآن الكريم فقد جعله مورده الصافي ومنهله الكافي. وكان ورده المعين وسَقيه العذب ، وكان يمثل له غذاء روحيا وشرابا صافيا يغني الجوع والظمإ :
إن شاء ربي أقرأ القرآنا / ولم أك جائعا أو ظمئانا
لي يجود بالطعام والشراب منزله الأكرم من غير خراب
رفعني منذ قرأت السبعا / باق يرويني ويبقى الشبعا.
وبقرآة القرآن وتدبره صار مورد الظمئان :
ناجاني المنزلُ بالقرآن / حتى غدوتُ مورد الظمئان.

المُعين القرآني

الختام :

وما يحظي الماء من سيمياء الخير والبركة، والفتح والفيض، والمعرفة والمحبة، والنمو والاذدهار، والإحياء والإرتقاء تضرع العبد الخديم لله سبحانه وتعالى، في خاتمة مسيرته الفكرية و والروحية، في أن يجعلها في ماء مداده الذي يمثل قصائده الربانية. وهو قوله في كتابه “نور الدارين”

واجعلْ مِدَادِي فَوقَ كُلِّ مَاء / بَرَكَةً كَمطَرِ السَّماءِ

ليسقي بها النفوس والعقول كما تحيي الأمطار الأرضَ بعد موتها.

خديميات المهجر ٤
أحمد بمبا غاي ؛ABG
باريس 16/10/26

Leave a Reply