Blog

  • ليبيريا: ويا يعترف بالخسارة أمام المعارض جوزيف بواكاي

    ليبيريا: ويا يعترف بالخسارة أمام المعارض جوزيف بواكاي

    اعترف رئيس ليبيريا منتهي الولاية جورج ويا بخسارته في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي خاضها الثلاثاء الماضي أمام خصمه المعارض المخضرم جوزف بواكاي.

    وقال ويا في كلمة بثتها الإذاعة الرسمية للبلاد، إن حزبه خسر الجولة الثانية « لكن ليبيريا ربحت »، مضيفا أن النتائج المعلنة ورغم أنها ليست نهائية، إلا أن خصمه « سجل تقدما لا يمكننا تعويضه ».

    وأوضح نجم كرة القدم السابق الذي انتخب عام 2017 رئيسا لليبيريا، أنه اتصل ب »الرئيس المنتخب جوزف بواكاي لتهنئته على فوزه ».

    وأظهرت النتائج التي نشرتها اللجنة الانتخابية مساء الجمعة حصول بواكاي البالغ من العمر 78 عاما على 50,98% من الأصوات مقابل49,11% حصل عليها ويا، وذلك بعد فرز 99% من الأصوات.

    وقد احتفل عدد من أنصار بواكاي بفوزه أمام أحد مقار حزبه في العاصمة مونروفيا، وسيتولى جوزيف الذي خسر في الجولة الثانية من الانتخابات عام 2017، الرئاسة لمدة 6 سنوات في البلاد الناطقة بالإنكليزية والبالغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، وتعد من ضمن الأفقر في العالم.

    وكان بواكاي قد تولى منصب نائب رئيسة البلاد السابقة إيلين جونسون سيرليف بين عامي 2006 و2018، والتي كانت أول امرأة تنتخب رئيسة لدولة إفريقية، كما تولى مناصب عدة في البلاد بالقطاعين العام والخاص.

    وقد عرفت ليبيريا خلال الفترة ما بين  عامي 1989 و2003، حربين أهليتين طاحنتين، أسفرتا عن مقتل أكثر من 250 ألف شخص.

  • إدارة معهد الحاج عبد الله نياس بكولخ تقدر جهود البعثة الأزهرية في خدمة التعليم العربي الإسلامي و العلمي والثقافي في السنغال .

    إدارة معهد الحاج عبد الله نياس بكولخ تقدر جهود البعثة الأزهرية في خدمة التعليم العربي الإسلامي و العلمي والثقافي في السنغال .

    رسالة شكر وتقدير إلى جمهورية مصر العربية من مدير الدراسات بمعهد الحاج/ عبدالله نياس.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على من أنزل عليه (وقل رب زدني علما) تعليما مستمرا متجددا وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد: –
    أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان بالجميل لجمهورية مصر العربية ممثلة في سفارتها بالسنغال من خلال معالي سعادة السفير المحترم/ خالد عارف سفير جمهورية مصر العربية بدكار-السنغال.
    والسادة أعضاء السفارة، وأعضاء البعثة الأزهرية بدولة السنغال
    وممثلي السلطات الحكومية ورجال الإعلام.
    وممثلي المعاهد العربية الإسلامية والمنظمات الإسلامية.
    إن ما تقوم به جمهورية مصر العربية من دعم للتعليم العربي الإسلامي والجهود العلمية والثقافية لجدير بالذكر والتنويه لجمهورية مصر العربية التي قطعت أشواطا طويلة على صعيد التنمية في عهد فخامة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي.
    باسم جميع المعاهد العربية الإسلامية والجامعات.
    نقدم إلى سعادتكم ومن خلالكم (الشعب المصري) الشقيق تهانينا الصادقة ومن خلالكم إلى فخامة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية.
    وإلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر الشريف ( حفظهم الله ورعاهم)
    إن الإخوة الإسلامية والعلاقات التاريخية العريقة المتميزة التي تربط بلدينا وشعبينا الشقيقين (مصر والسنغال) تفرض علينا هذا الموقف في هذا المناسبة المباركة ونحن والحمد الله نألفكم ونألف شعبكم العظيم ونحن في ذلك خلف لسلف نسجوا عبر عصور عديدة هذه العلاقة التي تتعدد خيوطها وتمتد وتجدد بإذن الله كتجدد الشمس في إشراقها، لأنها علاقة مبنية على ما يرضى الله تبارك وتعالى.
    وها أنتم تزيدونها عمقا وتأصيلا ببعثاتكم التعليمية البعثة الأزهرية.
    إن تاريخ مصر بلد الأزهر الشريف في عالمنا الإسلامي والسنغال بصفة خاصة لمن دواعي الفخر والاعتزاز تاريخ مشرف بالعطاء وبذل المعارف ونشر أنوار الكتاب والسنة.
    قابل الله إحسانكم بإحسان، ورفع أقداركم في تنفيذ مهامكم الإنسانية والتي تعود إلى شعوبنا وامتنا الإسلامية بالخير والصواب ولا يسعنا سعادة السفير في هذا المناسبة السعيدة إلا أن تجدد لكم ولحكومتكم الموقرة والشعب المصري العظيم على تعاونكم المثالي مع مؤسساتنا التعليمية في طول السنغال وعرضها، والتي ساهمت بجدارة في تخريج دفعات طلابية لمعاهدنا العربية الإسلامية.
    عاش التعاون المصري السنغالي في ظل القائدين المظفرين فخامة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية.
    وفخامة الرئيس/ ماكي صال رئيس جمهورية السنغال.
    أبقى الله مصر بلد الأزهر الشريف منارة للعلم والعلماء في العالم الإسلامي عاشت العلاقة والصداقة بين مصر والسنغال ونرجو من الله العلي القدير أن يديم عليكم الحفظ والنصر و(لمصر) الحبيبة إلى قلوبنا وسائر بلاد المسلمين. إنه سميع مجيب.

    الأستاذ/ إبراهيم إنجاي
    مدير الدراسات معهد الحاج/ عبد الله نياس الإسلامي
    كولخ- السنغال

  • قضية سونكو: المحكمة العليا تلغي قرار محكمة زيغينشور

    قضية سونكو: المحكمة العليا تلغي قرار محكمة زيغينشور

    ألغت المحكمة العليا في دكار قرار محكمة زيغينشور بإعادة عثمان سونكو إلى القائمة الانتخابية. وأحالت القضية للمحاكمة إلى محكمة دكار الخاصة.

    وخلال هذه الجلسة، طلب المدعي العام للمحكمة العليا، عثمان جانج، “رفض استئناف الوكيل القضائي للدولة”، مؤكدا أن محكمة زيغينشور مختصة بالفعل بدراسة طلب إعادة إدراج السيد سونكو في قوائمه.

    للتذكير ، ألغى القاضي في محكمة زيغنيشور صباسي فاي، الخميس 12 أكتوبر، قرار شطب عثمان سونكو من القوائم الانتخابية. وحرم هذا الشطب المعارض المسجون منذ نهاية يوليو الماضي من الترشح للانتخابات الرئاسية 2024.

    وبعد هذا القرار تقدمت الدولة باستئناف أمام المحكمة العليا لإلغاء هذا القرار.

    وفي وقت سابق، قضت المحكمة الإقليمية (الإكواس) في قرارها الصادر صباح يوم الجمعة 17 نوفمبر 2023 بعدم انتهاك أي من حقوق السيد عثمان سونكو تجاه دولة السنغال، حيث ألغت مطالب محاميه.

    ونطقت محكمة العدل التابعة للإكواس عن قرارها بشأن التأييد على حل حزب باستيف، وفيما يتعلق بإخراج عثمان سونكو من القائمة الانتخابية، اعتبرت هذه الدائرة القضائية الإقليمية عن عدم تأهلها فيها.
    دكارنيوز

  • أبوجا / تأييد مرسوم رئاسي عن حل حزب « باستيف » المعارض .

    أبوجا / تأييد مرسوم رئاسي عن حل حزب « باستيف » المعارض .

    أيدت محكمة العدل التابعة للمجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا على قرار دولة السنغال بحل حزب باستيف المعارض.

    و قضت المحكمة الإقليمية (الإكواس) في قرارها الصادر صباح يوم الجمعة 17 نوفمبر 2023 بعدم انتهاك أي من حقوق السيد عثمان سونكو تجاه دولة السنغال، حيث ألغت مطالب محاميه.

    ونطقت محكمة العدل التابعة للإكواس عن قرارها بشأن التأييد عن حل حزب باستيف، وفيما يتعلق بإخراج عثمان سونكو من القائمة الانتخابية، اعتبرت هذه الدائرة القضائية الإقليمية عن عدم تأهلها فيها.

    للتذكير ، أصدرت الداخلية السنغالية في نهاية يوليو الماضي، عن حل الحزب السياسي “الوطنيون في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة” “باستيف” الذي يتزعمه المعارض عثمان سونكو، قبل صدور مرسوم رئاسي تأييدا عليه.

    وكان قد تم توقيف المعارض عثمان سونكو وسجنه في 31 يوليو الأخير بتهمة ارتكاب جرائم مختلفة، بما فيها الدعوة إلى التمرد وهو ما أفضى بالحكومة إلى حل حزبه (باستيف).

    وحسب العدالة السنغالية، فقد تم الحكم على سونكو، المرشح لرئاسيات 2024، في مايو الماضي بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ، بتهمة التشهير بمسؤولي حكومي ، وبالسجن لمدة سنتين في يونيو الموالي في قضية أخلاقية.

    هذا ، و يستمر موضوع ترشح المعارض عثمان سونكو على المحك إثر طعن الدولة على قرار محكمة زغينشور التي أمرت بإعادة المعارض في القائمة الانتخابية، وهو ما لم تنفذها الدولة انتظارا لقرار المحكمة العليا اليوم الجمعة.

    دكارنيوز

  • موروث الطريقة الجهرية من وجهة نظر النقشبندية (الجزء الأول)

    موروث الطريقة الجهرية من وجهة نظر النقشبندية (الجزء الأول)

    بقلم فضيلة الشيخ محمد حبيب العليم عبد الرؤوف اليماني الحسني الحسيني مرشد صوفية الصين

     أوّلا: كيفية تكوّن نقاط الجهرية الحسّاسة وعوامل الخطورة، وسرّ استيعابها وضمّها للتقاليد الوطنية والدينية معا

    يلتزم ميراث النقشبندية باتّباع دقيق للشريعة والسنّة، يجعل من له صلة مقدَّرة بالشيخ أكثر قربا للإسلام، معتبِرا الملِك وقائد الأمة كالروح من جهة، والشعب كالجسد من جهة أخرى، وممتثِلا للناموس الوطني كفرض واجب عليه، لأنه طالما الروح في منأى عن الضلالة فلا علّة ستصيب الجسد.

     ويوافق هذا التوجّه ما جاء في الحديث النبوي الشريف: « السلطان ظلّ الله في الأرض ». معناه أن الله سبحانه وتعالى منح ملِك الأمّة سلطانًا على حياة وممتلكات أفرادها.

    لذا، لولا تدخّل إرادة الله في حفظ عباده لحُرِم كل معارضِ ملكٍ من ممتلكاته ولأُودِيَ بحياته. بموجب هذا التوجّه الإيديولوجي، تبلوَر انسجام الجهريّين مع العُرف الوطني. وهذا ما مَثَّل أساس تشكُّل ميزة الثنائية الخاصّة بالجهرية في ميراث النقشبندية.

    اِنسجم مع قوانين حكومة بلادك، وطبّق أصول الشريعة موازاة مع تعاليم الطريقة، حينها ستتجلّى لك الحقيقة.

    لكلّ فرد حسب ميراث النقشبندية مهمّة وكّله الله بها. يتألّق المسلم بنور نشره لدينه والدعوة له، ما ينعكس في الجوانب الخمسة التالية:

    1. ضع طرقًا جيّدة وأشكالًا جديدة للتنمية المزدهرة.

    2. حافظ على المظهر الأصلي للإسلام وتقاليده الموروثة عن النبي ﷺ، دون زيادة أو نقصان أو تغيير، وكن جادّا وحذرا في تطبيقك لدينك.

    3. فوّض أمرك تمامًا إلى الله واعتمد عليه، وتمسّك بكونك « مؤمنا » تحت كلّ الظروف. رسّخ خُلق الإخلاص لديك، ودَع نفسك من خلال تزكيتها تبعث للعالم بومضات الإشارات الإلهية، وانشر الإيمان الصّحيح. من اللازم على المرء حين يصبح تابعًا مريدًا في النقشبندية أن يصير أكثر حماسا وحبّا للعطاء، وأن يجعل من أقواله وأفعاله وُصلةً لنشر الإيمان السديد.

    4. أطع الله واقبل توجيهاته، وأطع رسوله ﷺ وذوي السلطة عليك، ووجّه إلى الطريق السويّ من قُدّر له أن يكون على صلة بك. هذه قواعد وتقاليد الجهرية من حيث الالتزام، الامتثال، الاتّباع، التطبيق والامتداد. تعتبر طاعة الله ورسوله ومن بيدهم السلطة شكلا من أشكال الموروثات التي جعلت من الجهرية جماعة ثابتة وراسخة على مرّ الزمان.

    5. هناك مبدأ فيما يتعلق بالإدراك، السلوك، الممارسة، النية، الأقوال والأفعال، متمثِّل فيما يلي: « نُفضِّل أن يدين لنا الناس في الدنيا على أن ندين لهم في الآخرة ». بناءً على هذا المبدأ، نستطيع حل أمور عديدة بسلاسة، وإظهار روح وقوّة المثابرة والصبر.

    هناك دومًا مرشد حقيقي، يتمتّع بمنزلة عظمى في كلّ جيل من أجيال النقشبندية، يجب على جميع المريدين أن يكونوا على انسجام معه. وحيث أنهم وُهبوا من الله عقولا حرّة التفكير، تَحتّم عليهم أن يناسقوا بين فهمهم للسنة والشريعة الإسلامية وفهم مرشدهم لها، وذلك بترويض وعيهم وفكرهم الحرّ ليوافق فكر هذا الأخير، والعمل برأيه متى ما تباين مع آرائهم الخاصة.

    يحوز المريد التابعية الحقّة حين يواكب مرشده في دقائق الأمور وعظيمها. المريد الذي يصاحب مرشده ما حيي ولا يتركه، يشاطره نفس الأفكار ويمتثل لتدبيره على الدوام، هو مريد نقشبندي حقيقي.

    في هذا الميراث ينسجم مريد الجهرية فكرا وحُكما مع مرشده، حتى فيما يتعلّق بالمفاهيم والاستنتاجات، فلا يحيد أبدا عن آرائه وتدابيره. وقد تتبلور أحيانا حالة من المعارضة الوجودية، حيث يتصادف أن تتعارض طبيعة أفكاره الوجودية وأراء مرشده، لكنّه رغم ذلك تجده قادرا على الانصياع والموافقة فيسلِّم لرأي وأمر مرشده حين حدوث مثل هذا التضارب. وهذه إحدى سمات المريد الحقيقي.

    بينما يغوص التابع في تأمّل مرشده تأمّلا عميقا يُوهَب تنويرا فجائيا يكوِّن في قلبه صورة خاصّة لمرشده. تتشكّل هذه الصورة على مستوى العقل الحرّ غير المقيّد للمريد، مُحدِّدة بذلك مقامه ومُشيرة إلى وجهته الأخيرة. هكذا يكون امتثال الناس لمرشدهم واتّباعهم لأحكامه.

    ومؤكّد في الجهرية أنّه من واجب مريديها استثمار هذه الحياة المؤقّتة من أجل إيقاظ الرحمة في قلوبهم، واكتساب فضائل ومناقب الصحابة لينضمّوا لزُمرة الأُيّاب إلى الجنّة. يتعلّق الأمر في بادئ الأمر بِـ « التفكير في الآخرين أوّلا »، وهي صفة مشتركة بين الصحابة، تُذكِّر كلّ مريد جهريّ بالسير على آثار فضائلهم وممارساتهم، وتُنبّهه إلى التصرّف اتّباعا لهديهم وإلى ضرورة التفكير بالغير كأولوية في كلّ ما ينوي فعله.

    أصيب أحد الصحابة في عهد رسول الله ﷺ في إحدى المعارك، فشعر بالعطش وأراد أن يشرب. أحضر له قريبه بعض الماء حين سمعه يصرخ « ماء!  ماء! ». في اللحظة ذاتها، صاح صحابي آخر على مقربة منه « ماء!  ماء! ». فامتنع الصحابي المصاب عن الشرب، وطلب من قريبه أن يعطي الماء للصحابي الآخر، قائلاً: « إنّ احتياجه للماء أقوى من احتياجي ».

    فنفّذ قريبه ما طُلب منه. لكن الصحابي الثاني أشار إلى صحابي آخر عطشان أبعد منه، وقال: « إنّه في حاجة للماء أكثر منّي بكثير ».

    فأخذ الرجل الماء -قاطعا مسافة طويلة- إلى الصحابي المصاب بجروح بالغة. لمّا بلغ مكان ذلك الصحابي وجده قد فارق الحياة. ثم أسرع عائدا بالماء إلى الصحابي الثاني، فوجده قد مات أيضا. بعدها ركض إلى قريبه، فلقيَه قد أسلم الروح هو الآخر. ترك الرجل الماء بعدها في ساحة المعركة وعاد إلى بيته باكيا.

    ارتكازًا على الروح المعنوية المستخلَصة من القصّة أعلاه، إنه لمطلوب صرف أولوية تفكير المرء صوب الآخرين قبل أن يفكّر في نفسه، لذا فمؤكَّد في الجهرية كما في موروث النقشبندية أن الصوفية هي خدمة الجميع. فإذا اكتُسِب هذا الوعي بالاستعداد للخدمة والمساعدة، وجب التمسّك به مدى الحياة. وبمجرّد أن ترث هذه الروح، ستكون حينها على طريق العودة للّه. ستتخلّص من الأنانية وتأثير الأنا بداخلك إلى أبعد حدّ، ثمّ ستنأى عن كلّ الخَلق وتتقرّب أكثر إلى الخالق.

    كلّما كان المرء أكثر أنانية، كلّما قلّ اعتباره للآخرين. وكلّما زاد قربه لما سوى الله، كلّما عظُم ابتعاده عن الله. في هذا الميراث، ينظر مريد الجهرية للحياة الدنيا كإجراء بائس، أرض اختبار، مسار قصير مؤقت وسريع الزوال، وحقل خصب للزرع. لذلك، يجب أن نعامل المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء بمشاعر حقيقية وبإحساس من القرابة، وأن نرتبط بالآخرين ونتحدّث إليهم بأفضل أسلوب ممكن. يجب أن نتمسّك بالطاعات الإسلامية الأصيلة الموروثة عن نبينا محمد ﷺ والمرتكزة على مبدأ الإنسانية، من أجل الاندماج في المجتمع وجذب أفراده لدرب العودة إلى الله.

    يجب أن تعتبر نفسك خليفة لله، لديك مسؤوليات وواجبات في تعاملاتك مع الناس وفيما يتعلّق بالعبادات الإسلامية الموروثة عن سيدنا رسول الله ﷺ. اُبذل قصارى جهدك لاستيفاء هذه المسؤوليات ولتكريس نفسك من أجل ذلك. لا تتّخذ أي شيء منتمٍ للحياة الدنيا الزائلة كملكية خاصّة. كن عازمًا على عيش حياة زاهدة، اُثبت على ما هو تامّ المشروعية، وقيّد تحت دائرة الحظر كل قول أو فعل يتنافى وهويّتك الإسلامية.

     بفضل روح الميراث هذه، يمكن لمريد الجهرية أن يعيش حياة زاهدة ويكرّس نفسه من أجل الدين. فتجده يوفّر من مال أكله ونفقاته ليصرفه في سبيل الإسلام، ويقطع مسافات طويلة فقط من أجل الانضمام إلى حلقات الذِّكر. في ظلّ روح تفانٍ كهذه، يحمل المريد زوال الحياة الدنيا كمفهوم راسخ بداخله. من وجهة نظره، ما هذه الحياة إلا مجرّد مرحلة عابرة، وكلّ ما لديه من أشياء سواء كانت مادّية أو معنوية ما هي إلا زوائل ستندثر عاجلا أو آجلا.

    بمقدوره تحمّل حياة الزهد، حياة تقوم في كلّيتها على مبدأ الحلال. يرفض أكل أو استعمال أي شيء غير شرعي أو مشتبَه في أمره. لا يركُن إلى ما لا يتناسب مع هويّته الدينية، لأنْ لا يفقد رتبة المحبّ والمخلص لرسول الله ﷺ ويفقد قيمته وحقيقته كمريد. بفضل هذا الميراث، يفضّل كثير من الناس التضحية بأرواحهم وممتلكاتهم في سبيل الظفر بدار الخلد والنعيم.

    طالما أنّك تُخْلص في اتّباع عادات وعبادات نبيّك ﷺ وصحابته رضي الله عنهم وأوامر المرشد الحقيقي، فأنت تُمسك بيدك « الحبل المتين ». لذا ففي ميراث الجهرية، يُعتبر حبل الله (المرشد الحقيقي) وسبيل الله (ابتغاء وجه الله في كلّ فعل تقوم به) أحد تجلّيات المسلك الصوفي. ما يعني أنه بالحبلين الموروثين من رسول الله ﷺ (الدين الحقّ والمرشد الحقّ)، سيتحقّق لك التوفيق والنجاح في كلّ حياتك.

    لذا تُؤمِن الجهرية بأنّ علامة توفيق العبد تتراءى في الحرص على  سلك سبيل الله وعلى التمسّك بحبله جلّ وعلا.

    لا بدّ لك من تعلّم علم التوحيد إذا كنت ترمي لبلوغ مقام المعرفة الحقّة بوحدانية الله، وهي نقطة مهمّة في هذا الميراث.

    المعلّم والكتاب لا يضمنان لك تشرّب علم التوحيد برمّته بل جزءا بسيطا منه فقط. إذا أردت أن تصل إلى ذروة المعرفة بالله -وذلك أعلى مستويات علم التوحيد- وجب عليك أن تثابر بإصرار على محاولة فهم وإدراك هذا العلم، وأن تأخذ بعين الاعتبار نصح مرشدك لك.

    إذا كنت ترغب في الحصول على « المعرفة الحقّة »، فسيتعيّن عليك اكتسابها على مستوى الروح. كيف يتأتّى لروحك اكتساب هذه المعرفة؟ من اللازم أوّلا أن يكون لديك خبرة روحية في الميراث، وأن تنتمي لبيئة روحانية تعزّز تربيتك الأخلاقية وتدريبك الروحاني كمريد. ويتطلّب ذلك أن تحافظ على حُسن نيّتك، وأن تتخلّص تمامًا من خُبثك، شرورك، سوء أفكارك ومن كلّ ما له صلة بسوء النية والشُّبهات، وأن تحافظ على قلب خيِّر، طاهر وجميل.

     يمكن للتعامل مع الآخرين باعتبارهم جزءا من كينونتك ووضع نفسك تماما في مواقفهم أن يساعد على التقليل من قوّة الخلاف الناتج عن مختلف الاختلافات التي تشهدها العلاقات، أكانت اختلافات مزاجية، قصدية، مفاهيمية أو حُكمية.

    فبعد قبول مريد الجهرية لمثل هذا التراث، سيتبلور باطّراد نوع من التناغم والاتّحاد بينه وبين مريدي الجهرية الآخرين. سيغدون متسامحين وغفورين في كثير من الأمور في سبيل الدين، وسيلتمسون العذر للآخرين بغضّ النظر عما ألحقوه بهم من أذى، مُظهرين لروح القرابة والرحمة لديهم، ولنور عاطفتهم الحقيقية. لذا فإن وجهة النظر التي تقول: « إيلاء الاهتمام للمؤمن فرض » واضحة بشكل خاصّ في ميراث الجهرية.

    وفقًا لتراث النقشبندية، تتطلّب الجهرية تَوافق مريديها مع العادات المحلّية وتكيّفهم مع طرق التعايش مع السكان المحلّيّين. كما تدعو إلى تنسيق الروح الإسلامية للعقيدة الصحيحة مع الشخصية، العقلية، التقدير ومعايير مختلف الجنسيات، لتستطيع مختلف جموع الناس قبول حكم الإسلام، ويتم ذلك بدمج التعاليم والأحكام الصوفية الصارمة شيئا ما وقَولبتها للوصول إلى نقط اتّفاق وإجماع تُرضي كل الأطراف. وهذا ما جعل الجهرية سهلة القبول ومرحّب بها على الدوام.

    يمكن اختصار هذا الفكر في عبارة مأخوذة عن الجيل السابع والأربعين لنسب النبي ﷺ، تقول: « لممارسة الإسلام عليك أن تعرف العادات المحلّية، ولنشر الإسلام عليك أن تتوافق مع أساليب السكان المحلّيّين ».

    من هذا المنطلق، يستفيد مريد الجهرية من أفضل تدريب على الممارسة الروحانية. لذلك، يجدُر بالمريد أن ينشر، على أوسع نطاق، ما يؤْمن به من اعتقاد صحيح، وهذا بالضبط ما تعنيه كلمة « الجهرية ».

    تقع على عاتق كل مريد مسؤولية استمرارية روح النسبة. فابتعد أيها المريد عن ذوي النزعة إلى الراحة المادّية، الميّالين لزيف المجد والبذخ، الساعين للمنفعة السطحية وللعيش المؤقت في الحياة الدنيا، ولا تتورّط معهم في أعمالهم الآثمة. ليكن سعيك للحياة الآخرة، لا إلى أشياء مؤقّتة وزائلة.

      قدِّم الحقائق والبراهين، واهد الناس بغضّ النظر عمّا إذا كانت عبادتهم لما سوى الله ظاهرة أم باطنة (بجعلهم مع الله شركاء تحت غطاء الإعتقاد الصحيح). دُلّهم على الإيمان الصادق والتوحيد الخالص. وجّههم إلى السلوك، المفاهيم، القواعد وسبل الالتزام التي يقتضيها كل من تشريعات الإسلام الأصيل والنهج الأصلي المتوارث عن سيدنا محمد ﷺ.

    تمّ في ميراث النقشبندية تبلور صفات التقوى، الخشية، الإخلاص، التضحية والتلاحم المتين في نفوس التابعين والمريدين الحقيقيين لجهرية الصين. في الوقت نفسه، تمّ بذلك تكوّن نوع من الخطورة تشبه في مبدئها اللدغ الجماعي للنحل. عادة ما يقوم به النحل من مهام هو تجميع العسل، نقل اللقاح، وقضاء الأيام في سلام. غير أنه عند حدوث غزو يفوق قدرة تحمّلهم، يلجأون إلى الاتّحاد معا لتنفيذ عملية اللدغ الجماعية. إنها طبيعة الخطورة التي تشكّلت في الجهرية، والتي من المرجَّح أن تُستغلّ من طرف شخص ذي دوافع خفيّة لإحداث فيض من المشاكل المهدّدة لاستقرار الإسلام وازدهاره.

     ثانيا: المبدأ الأكاديمي فيما يتعلّق بنسبة الميراث

    اُنتقل إلى ميراث الجهرية جزءًا من التوصيات النقشبندية التي تؤكّد على جانبين: أحدهما متعلّق بالروحانيات وقوّة الإرادة، حيث يجب على المرء أن يتمتّع بهاتين الخصلتين، فيما يتعلّق الجانب الآخر بالوعد والحفاظ عليه، فلا يجوز للإنسان أن يُخلف وعدا أعطاه، فإنْ فشل في الالتزام بذلك الوعد، فشل أيضا في الحفاظ على الوعد مع الله.

    لذا اِعمل جاهدا دوما على الحفاظ على وعدك حتّى وإن كان مع الخصم بموجب الحديث الشريف: « من أخلف الوعد مع الناس، أخلف الوعد مع الله ». (نصّ الحديث مترجم فقط وغير منقول حرفيا).

    وموَثّق في كتاب تاريخ النسبة أنه في زمن مضى من تاريخ الجهرية، تم تدمير جيشنا بالكامل حتّى انتهى الأمر باستشهاد كل أفراده، فقط لأن سو سيشيسان حافظ على وعده مع مسؤولي أسرة تشينغ.

    ترتكز مختلف جوانب حياة أهل الجهرية بالأساس على السنة وعلى الأحكام الفقهية الإسلامية التقليدية المتوارثة.

    1. اُحرُص دائما أيها المريد على البقاء بعيدا عن الأميّين من السالكين، ولا تصادق جاهلا أبدًا ما لم تبتغ بصحبته إرشاده وتزكيته.

    2. . حاول قدر استطاعتك أن تكون حاضرا في العبادات الجماعية، كصلاة الجماعة وحلقات الذكر والأمداح وما إلى ذلك.

    كان للجهرية مبدأ يرفض طلب الشهرة أو حتى الانضمام إلى صفوف حكّام البلاد. وعلى ضوء هذا المبدأ، لم يحبّذ العديد من الجهريّين في العهد القديم فكرة اجتياز الامتحانات الامبراطورية أو امتحانات المهن الحكومية، ولم يسمحوا بأن يكونوا ضَمانا (لم يضمنوا أي شيء لأيّ شخص كان، ما عدا إن كان لذلك الشيء غايات دينية). كما أنّهم لم يلجأوا إلى التقاضي (فلم يذهبوا إلى المحكمة لِفضّ نزاعاتهم وحلّ مشاكلهم القانونية)، وابتعدوا عن ربط علاقات بكبار الشخصيات والأمراء والنبلاء، مما أدّى إلى فقدان سبل التواصل والتفاهم ونقل الرسائل فيما بينهم.

    بعد فترة من الزمن، بدأ انتشار المهنة الحكومية بين تابعي الجهرية من الأجيال اللاحقة موافَقة لإشارة الشيخ طبعة الله (ما هوالونغ) رضي الله عنه التي جاءت كالتالي:

    « تختلف جماعتنا عن أفراد عائلة وقاية الله، فهم أناس لم يشغلوا المناصب الحكومية ولم يسعوا للشهرة ولا للسمعة، بينما نحن كأفراد هذا الجيل والأجيال القادمة واجب أن يكون بيننا من يتولّى بعض هذه المناصب ».

    وبناءً عليه، فقد عرف زمن الشيخ طبعة الله رضي الله عنه ظهور أوّل ملامح اهتمام الجهريّين بالمهنة الحكومية وتولّي مناصبها.

    3. توخّ شديد الحذر في الحلال والحرام، أي لا تُقْدم أبدا على أكل شيء حرام.

    قال رسول الله ﷺ: « من أكل لقمة من حرام لم تُقبل منه صلاة أربعين ليلة ».

    وهو دليل قطعي ينهى عن تناول الطعام غير الحلال.

    لا يُسمح للناس العاديين بالذبح، بل يجب أن يتمّ ذلك من قِبل إمام شديد الالتزام بالتشريعات الإسلامية، صالح، طاهر، محترَم ومعترَف به من قبل الناس، لتحظى ذبائحه ببركة أوسع. وهذا يُغني عن الخوض في متاعب وخلافات كثيرة تحدث عند تناول الناس لطعام حرام، سواء أكان ذلك عن قصد أو عن غير قصد، كما أنّه يقلّل من جهة أخرى نسبة الأفراد المنتهكين لحدود الشريعة الإسلامية. اِبقِ عملية الذبح واضحة وجدّية (انتبه لحالة الجزار)، حتّى لا تُطعِم بطنك حراما بالخطأ.

    4. في حالة الزواج، لا يجوز الارتباط بامرأة ذات شهوة لمتع الحياة.

    عوض ذلك، من الضروري الاقتران بشريكة تتوافق بشكل جيّد معك وتحبّ الإسلام، من بإمكانها الاعتناء بالأسرة ودعم الدين، والمساعدة في الخدمة من أجل الشعائر الدينية في التجمعات الاحتفالية والتذكّرية، كبيرها وصغيرها، المرأة الفاضلة ذات الخلُق الحسن. وهذا أمر مستلزَم في ميراث النقشبندية.

    5. من الناحية السلوكية، لا يجوز الضحك بصوت مرتفع لأنه يطفئ نور القلب.

    قال رسول الله ﷺ: « عُرضت عليَّ الجَنّة والنار فلم أَر كاليوم في الخير والشرّ ولو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ».

    لذلك لا يجوز الضحك بصوت عال في ميراث النقشبندية. من يقهقِه بضحكاته يُقلِّل الناس من شأنه، لأنّه نوع من السلوكيات الدونية. اُحرُص غالبًا على أن تستجمع قلبك على استشعار شيء من الأسى، وأن تفكّر في حقيقة أنّك معرّض للإصابة بالمرض في أيّ لحظة، حتّى تتمكّن من شدّ لجام رغباتك وشهواتك.

    لا بدّ للإنسان أن يحسّ بمعاناة أخيه الإنسان، ويتعاطف معه لما يقاسيه من أمراض وشدائد، ويذرف الدموع رأفة بحاله. فقط في هذه الحالة، سيغدو المريد صادقا في سلوكه، تقيّا في عبادته، متحرّيا البساطة في ملبسه ومحبّا لصحبة الباحثين عن الحقيقة، العارفين والحكماء.

    وقد شكّل هذا النوع من الميراث ثروة روحانية في المناطق الفقيرة، فاتّخذ سكّانها الفقر ثروة لهم والمسجد موْطنا لهم، ورافقوا أولياء الله وعاشروهم.

    هذا ما كان عليه النهج النبوي وطريقة التفكير التقليدية لمريدي الجهرية، ممّا ساعد على تجنّب كثير من أوجه الفهم الخاطئ.

    ثالثا: صفات وسلوكيات العارف الحقيقي

    تقوم طريقة التفكير المنبثقة من قلب الحياة الروحانية المتوارثة لدى الجهريّين على عدّة مظاهر.

    تتمثّل إحدى هذه المظاهر في تولية عظيم الأهمّية للنسبة، أو ما يسمّى بالنسبة المتوارثة. ويتمثّل المظهر الثاني في اهتمامها البالغ بأقوال وتصريحات كلّ مرشد جيلٍ على حدة. فقد تمّ عموما جمع هذه المأثورات من قِبل المريدين، فاكتسبت شهرة كبيرة وعُرفت على نطاق واسع، وكان لها تأثير تنسيقي وتحفيزي على الناس وقَوّت ثباتهم الإيماني.

    بالنسبة لأسرة الشيخ الكريمة وأهل الصدق والإستقامة، فهم مكلّفون بـ « ذكر الله مع كل نفَس ». أمّا عامّة الناس، فمكلَّفون فقط بمراعاة القوانين والتشريعات، ما كبُر منها وما صغُر، وعدم تجاوز مبادئ الجماعة المتوارثة. هم مطالَبون ببذل ما يستطيعون من جُهد في ذكر الله، الحفاظ بشدّة على معايير سلوكية معيّنة، وبلوغ الأهداف السامية التي تختلف باختلاف طبيعة كل فرد. لذلك لا يوجد أشخاص  كُثر متمكّنون حقًّا من الالتزام بما هو مطلوب في النسبة من الناحية العملية، لكنّهم عموما من أهل التقوى والورع. نُشرت هذه الأقوال على نطاق واسع حتى عُرفت تقريبا  لدى جميع المريدين.

    الشروط المتعلّقة بالصفات والسلوكيات المتوارَثة:

    اِعتبر نفسك عالَمًا صغيرًا قائمًا بذاته. تأمّل أفعالك باستمرار وحاول تحليلها واستيعابها. تحقّق يوميا من سلوكيّاتك لتَعلَم ما إذا كانت تُرقِّيك أو تَنزل بك إلى الحضيض، ولا تتوقّف أبدا عن التحسين من ذاتك والارتقاء بها. قال رسول الله ﷺ: « من اعتدل يوماه فهو مغبون ».

    لذا، كيفما تكون حالتك اليوم، أَحرِز تقدّمًا غدًا وقم بإجراء تغيير جديد. ثبات علم المرء اليوم لما كان عليه بالأمس هدرٌ لموارده المعرفية، فاحرص في حياتك على تثبيت مُدخَلات علمية يومية، وكن إيجابيا على الدوام. اُهدُف إلى عيش حياة ترتقي مختلَف جوانبها بشكل مستمرّ، وداوم بإصرار على هذا النوع من الممارسات والسلوكيات طوال حياتك.

    بالنسبة للممارسة الروحانية، يُعتبر « البقاء وحيدًا وساكنا » تقليدا متوارثا عند النقشبندية. يجب على المرء أن يكون هادئًا حين بقائه بمفرده حتى يحسّ بقربه من الله تعالى. في الوقت نفسه، لا يجوز له الانفصال عن البقيّة بل العمل سويّا معهم من أجل دينه. دوما ما يكون العمل على « البقاء وحيدًا وهادئًا للوصول إلى الله » مطلوبا في النسبة، أكان ذلك نابعا عن وعي أو عن غير وعي، وكذا التفكّر في كل ذكرى تخطر على البال.

    بمجرّد أن تتبادر الفكرة إلى ذهنك، سَيْطِر عليها وحلِّلها. اُسبُر أغوار نفسك، واكبح جماحها إن وجدتَ الخواطر غير مناسبة. فإذا كانت جيّدة وملائمة، فما عليك سوى التصرّف بناءً عليها. لربّما تتيقّظ جرّاء فكرة صغيرة عابرة.

    تنبّه في الحال إن خطرت على بالك فكرة ما، واحكم عليها بِتأنٍّ ما إذا كانت صائبة أم لا، بهذه الطريقة ستكون في منأى عن معالجتها باستعجالٍ أَعْمى وتَسْلَم من الضلال بعيدا عن معايير الإسلام الحقيقية. ركّز على كلّ شيء من حولك للعثور على الأثر فيه ولاكتشاف البراهين الواضحة على وجود الله.

    رابعا: عُدّ التسابيح

    فقط بذكر الله تقترب القلوب منه سبحانه. يساعد تعداد التسابيح على استجلاب الهدوء ويعتني بالقلب ويحميه. يُشترط القيام بذكر الله وفق عدد معيّن، فمثلا بعد كلّ صلاة، يتمّ ترديد « سبحان الله » 33 مرّة، و « الحمد لله » 33 مرّة، و « الله أكبر » 34 مرّة، أمّا « لا إله إلا الله » فتُردَّد 100 مرّة بعد صلاة الصبح.

     تُعتبر هذه القواعد حِصنا يحمي الإنسان ويحُول دون غوايته من قِبَل الشياطين وتشويشه بزخرف الدنيا الزائف، كما تُعتبر عونا له على استثمار ما أوتي في دنياه لشراء آخرته. عندها تُحقِّق عباداته ذروة كمالها.

    ترتبط كافّة صالحات الأعمال بحمد الله وذكره والثناء عليه. لذا كلّما ارتكبتَ ذنبا عاجِلْ بالاستغفار والتوبة وتَعهَّد بعدم الأوبة. تُب باستمرار، ودُم على صيانة قلبك لئلّا يتعرّض ما بداخل أسوارِ مدينتِه للضياع، أي اِحم حصون قلبك الدفاعية الخمسة من أن تُخترق من طرف إبليس الرجيم وباقي الشياطين.

    ذكِّر نفسك دائما بأنّك في معيّة الله تعالى، لا تتردّد في البوح له بكلّ خوالجك وخواطرك، وتأكّد بأنّه سبحانه قريب عليم. فإن وصلتَ إلى هذه الحال، استبشِر بنيْلك أعلى المقامات بإذن الله.

    عند حرص الجهريّ على اتّباع التقاليد والتمسّك بالميراث يَدخل درب الأمان (حيث يُحفَظ في الدنيا، ويُحمى دينه فيَسْلَم في الآخرة). وبركات هذا الميراث تمسّ حتّى الجاهل عن دينه، فبتعرّفه واتّباعه للميراث يحمي دينه ويَظَلّ بعيدا عن الحرام.

    يُعتبر التأثير غير الملموس أقوى عامل في تقليد الجهرية. فقد أعطى هذا الأخير قيمة عظمى للتفسير القرآني على مرّ زمن التوارث. من بين تفاسير القرآن، نجد « روح البيان » هو المؤكَّد في الأساس، وهو التفسير الأصيل والموثوق بالنسبة لأهل السنة والجماعة بالصين. ثمّ نجد المكتوبات الصوفية في المقام الثاني كأهمّ كتب قديمة متوارثة عند الجهرية.

    بعد سنوات من الممارسة والفهم، نذكر فيما يلي أهم العبارات الموروثة:

    1. « لن يُقتَل وليّ المعرفة الحقّة (المرشد الحقيقي) طالما يوجد له خليفة على الأرض » (منقول من كتاب ‘المكتوب’).

    لن يقدر الأعداء على المرشد الحقيقي فيقتلوه ما دام له خليفة يعيش في هذا العالم، فإن تمكّن لهم قتله، كان ذلك إشارة على انقطاع حبل الوراثة وانتهاء زمن الخلافة وكان هو بذلك خاتم المرشدين.

    2. « يجب على السالك المبتدئ أن يردّد أسماء الله الحسنى جهرًا. في حين يجوز للسالك ذي المقام العالي (الأقرب للكمال) أن يكتفي بذكر القلب. لكن عندما يتعلّق الأمر بنشر الإسلام، فلا بدّ من ترديد أسماء الله الحسنى والدعوة إليها جهرًا والتحلّي بها أخلاقيا وسلوكيا.

    مستحسنٌ خفضُ الصوت عند الذِّكر إن خَشِيتَ إزعاج مَن حولك بعلوّ صوتك، أو خِفتَ الوقوع في دائرة الرياء.

    الجهرية مسمًّى اُستنبط من كلمة الجهر، يُفيد القراءةَ بصوت عالٍ، الدعوة للدّين، وترديد أسماء الله الحسنى بطريقة لا تجعل منك المستمع الوحيد بل كل من حولك أيضا، ليَتمّ بذلك تحقيق التأثير اللازم للدعوة للإسلام.

    3. جاء في كتاب المكتوب: « إنه لمن أهم الأمور تكوين صداقات مع الفقراء من الناس وحماية حقوقهم. كذا توضيح قداسة الإسلام لهم، ورعايتهم وتغذية أرواحهم. إضافة إلى تقديم حلول لما يكابدونه من صعوبات حياتية وإرشادهم إلى الطريق المستقيم. أبدًا لا تقطع الصلة المقدَّرة لك من الله في تهذيب وإرشاد الخَلق منذ لحظة ولادتهم إلى حين مفارقتهم للحياة « .

    بازدياد ترف حياة الإنسان وازدياد ثرواته المادية، غلبت اللامبالاة على سائر أفكاره، ومن ثَمَّ تضخّمت أناه وشهواته وأوهامه. لذا، تدعو الجهرية إلى أن يعيش الإنسان فقيرا معتبرا نفسه مجرّد « مستخلَف » في ما أقامه الله فيه، وأن ينفق كل أمواله في سبيل الله، وأن لا يتوانى في عمل الخير أبدًا.

    قال رسول الله ﷺ بما مفاده:

    « لا تَضُمُّ النار سوى الأغنياء والعصاة، ولا تَضُمُّ الجنّة سوى الفقراء والمهاجرين، ويَدخل الجنّة غنيّ واحد فقط كلّ خمسمائة سَنَة »

    (نصّ الحديث مترجم فقط وغير منقول حرفيا).

    لذلك، وجب على الأثرياء أن يتّصفوا بالحكمة: فلا ينظرون إلى ما رزقهم الله وأخلفهم فيه من ممتلكات على أنه ملكية خاصّة مستحَقّة، بل يعتبرون أنفسهم خلفاء فيه لا غير، ويحملون على عواتقهم قدرا كبيرا من المسؤولية تجاه مختلَف نداءات القضايا الدينية وأعمال الخير. أغنياء الدنيا الظافرون بالجنّة هم فقط الحكماء.

    هم يعتبرون أنفسهم أوصياء على هذه الأموال لا أكثر، وينفقونها في كافّة سُبُل الخير. هؤلاء الأثرياء يدخلون بِدورهم في زمرة الفقراء. من جهة أخرى، يُعتبر مهاجرا كلّ من ترك بيته من أجل دينه. لذا، يسير الجهريّون عادة مئات الأميال لحضور صلاة الجمعة أو صلاة العيد، ويتكبّدون معاناة سفر طويل فقط من أجل حضور حلقات « الأعمال ».

    وندرج هنا قصّة تفيد أنّه: « على رأس كل خمسمائة عام يدخل ثري واحد الجنّة ».

    اقترب رجل فقير من باب الجنّة، فأتى ملاك لاستقباله. في اللحظة ذاتها، همَّ رجل غنيّ بالدخول، فترك الملاك الرجل الفقير فورا وحيّى الغنيّ بترحاب كبير وأدخله الجنة. فغضب الفقير غضبا شديدا متذكّرا أحوال الدنيا، حيث اعتاد الناس تملّق الأغنياء واعتادت الكلاب عضّ خِرَق الفقراء، ولكن بشكل لم يكن يتوقّعه، شاهد المبدأ نفسه ينطبق على الملائكة. بعد أن دخل الغنيّ إلى الجنّة، عاد الملاك مرّة أخرى ليُدخِل الفقير أيضا ».

    فقال الفقير بغضب للملَك: « لم أكن أتوقّع أبدًا أنّك أيضا تحبّ الأغنياء وتكره الفقراء ». فأجابه هذا الأخير: « لقد أسأت الفهم، لقد مرّ علينا خمسمائة عام هنا حتّى تمكَّنّا من مقابلة رجل ثري واحد، في حين أن الجنّة تمتلأ يوميا بالفقراء ».

    فتشكّل في الجهرية، بناءًا على ما سلف، معتقدُ دوام الافتقار إلى الله واعتبار المرء نفسه فقيرا رغم كثرة ماله، وأنّه فقط خليفة في ما أقامه الله فيه من أموال وثروات.

    4. من الضروري إظهار وشرح الجوهر النظري المعقّد للنقشبندية بأبسط وأوضح لغة وطريقة لتشجيع جميع أنواع الناس على قبولها.

    هناك عشر مقامات للترقّي الروحي عند الجهرية. من الراجح أن يُدرك الإنسان اكتمال المقامات التسعة الأولى تدريجيًا نتيجة امتثاله للأحكام عند التزامه بالدين الإسلامي الأصلي. ويتأتّى له ذلك حين يثابر على عبادات خاصّة يوميا وفقا لقدر معيّن يحدّده له مرشده، أما المقام العاشر فلا مجال للمريد لبلوغه بمفرده.

    قُسّم القرآن الكريم إلى آيات صريحة وواضحة (متشابهة) يمكن للجميع فهمها، وإلى استعارات مجازية (مشتبهة) يعلمها الشيخ الذي عرّفه الله معانيها المخفية، وهكذا تُنقل بين أجيال الجهرية.

    لا يمكن بلوغ المقام العاشر إلا بترقية آيات القرآن الكريم من معانيها الصريحة البيّنة:

    {ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (3) وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (5)}. (البقرة: الآية 3، 4، 5)

    إلى معانيها المجازية المستورة:

    « الذين يشهدون الغيب بأمّ أعينهم ويقيمون الصلاة……أولئك على هدى من ربّهم وأولئك هم المفلحون ».

    المعنى الظاهري للقرآن هو ما يجب على عامّة الناس ومريدي الصوفية الأدنى مقاما اتّباعه والامتثال له. ظاهر القرآن هو روحه، أما عمقه فَمخفي في معناه المجازي، وهو جوهر القرآن.

    لذا فإن أردتَ فهم معاني القرآن الكريم وجب عليك معرفة جوهره وروحه وليس فقط معناه الظاهري، بل وسبب النزول والفئة التي اُستُهدِفت بذلك، والمسائل الإشكالية التي نزل لحلّها، إضافة إلى معرفة ما إذا كانت دلالاته عامّة أم خاصّة. بعد تمكّنك من فهم كل هذه الركائز، ستصبح قادرا على تمييز المعنى الضمني للقرآن انطلاقا من معناه الظاهري.

    وهذا التوحيد الاستدلالي المبني على كلّ من السبب، النتيجة، النسبية، الأسلوب والنبوة سيرتقي إلى حالة التوحيد الحقيقية، السرّية الموثوقة وذات البراهين الواضحة.

    اِتّباع نص القرآن الصريح هو العمل بمقتضى روحه، واتّباع معناه المجازي هو العمل بمقتضى جوهره. لذلك، أثناء تعلّمك للقرآن، تعرَّف بالموازاة مع ذلك على سبب النزول الحقيقي لكل آية من آياته والمعنى الصحيح لكلّ منها، وكذا الغاية من نزولها والمستهدَف منها حتى يتمكّن لك الاستناد على ما وضّحه وعالجه من إشكاليات إن هي صادفتك مستقبلا في الحياة.

    وينطبق الشيء نفسه على الأحاديث. ما دام الحديث موافقا لأحكام القرآن ولمبادئ السنّة النبوية الشريفة، ويفيد الإسلام، أبدا لا تستسهل الحكم عليه بأنه حديث موضوع أو غير موثوق أو ضعيف أو أي شيء آخر من هذا القبيل، بل اعتبره حديثا صحيحا واقْتَد به.

    لا يتحقّق إسلام المرء إلّا عند تصديقه التام لكل ما جاء به رسول الله ﷺ. لذا احذر، فمن الممكن أن تفقد هويّتك الإسلامية بمجرّد أن تنظر لحديث صحيح واحد فقط بعين التكذيب أو الشك. خُذ كلّ ما أظهره الرسول ﷺ من معجزات وكل ما أظهره أولياء الله من حدس وكرامات وخوارق للعادة كدليل على الوجود الإلهي وعلى نبوّة سيدنا محمد ﷺ وعلى إمكانية ارتقاء المؤمن في رحلة سيره إلى الله.

    هناك إشارات وبراهين تَنتقل بين كلّ جيلين متتاليين، تكون قد اختُبرت وعُرفت بين الناس بناءًا على دلائل واضحة من ميراث المرشد السالف، تُعَدّ هي نفسها إثباتا بيّنا يدلّ على صاحب الإرشاد والسلطة الجديد.

    تَوارُث الكرامة هي قاعدة ورثتها الجهرية عن النقشبندية، تتمثّل من جهة في حفاظ الجيل الجديد على الأسس والركائز والملامح نفسها التي شكّلت هويّة الجيل السابق، وتُفيد من جهة أخرى ضرورة تطابق آخر كرامة أظهرها المرشد السابق مع أول كرامة سيظهرها المرشد الجديد، حيث أنها الدليل الجليّ والقاطع على صحّة الولاية.

    هناك قول مأثور عند الجهرية:

    « لا تُورِث الابن بل الرجل الصحيح، ما عدا إن تَصادف أن كان الابن هو الرجل الصحيح ».

    خلال الميراث النقشبندي، قامت الجهرية باكتساب مجموعة من الصفات الخاصّة بها والمعزِّزة لهويّتها.

    إضفاء تعديلات مزاجية على الاختيار الربّاني وتأكيدات واهية فيما يتعلّق بهويّة المرشد الجديد استنادا على عامل القرابة والنَّسب بينه وبين المرشد الراحل فقط من أجل نيل بعض المقاصد الدنيوية الدنيئة لا غير، هي أمور خارجة عن الميراث النقشبندي ولا تبثّ له بأيّ صلة على الإطلاق.

    « هَمُّ الصوفي حُسن العبادة ودوام التوبة لا تقَصّي وتَتبُّع الكرامات »،

    هي كلمات لا ينبغ التلفّظ بها، صدرت عن أناس غلبتهم أنانيتهم واستَعبدتهم مصالحهم الشخصية، فخرجوا بذلك من حيث نواح عديدة عن نطاق عباداتٍ وتقاليد صوفية كثيرة، ولم تَعُد تمثِّل لهم الكرامات وخوارق العادات أي دلائل ظاهرة أو تجلّيات قيّمة.

    في مثل هذه الحالات، غالبًا ما تُنكَر حقيقة وجود الكرامات من طرف الأشخاص الذين لم يُعطَوْوا قدرة القيام بها.

    عندما يعيش المريد دنياه في حالة فناءٍ عن نفسه وشهواتها، مأخوذا منها إلى الله، عابدا له على الدوام بحالِ تَوَسُّلِ محتضرٍ يفارق الحياة، حينها سيصل إلى حالة من الوقار ينكشف له معها صريح دلائل وعلاماتِ بلوغ المقام العاشر.

    بعد أن توالت أوّلا -في ظلّ هذا الميراث- سبعة أجيال في بلاد اليمن، لحِقتْها ثمانية أجيال بعد ذلك في الصين، تحوّلت الجهرية إلى مدرسة فكرية ذات وجود، قائمة بذاتها وتتمتّع بنسق إيديولوجي خاصّ.

    المرشد من اختَبر النعيم الحقيقي في العالم اللّامتناهي (عالم الغيبيات، عالم الروح)، وأبان على ذكاء استثنائي وبصيرة نفسية ثاقبة.

    هو الّذي يفهم حقًّا علم النفس الإسلامي والحُكم الإسلامي، ويدرك المعنى العميق للزمان والمكان، وكلًّا من الأَفْضِية ثلاثية ورباعية ومتعدّدة الأبعاد، ومعان أخرى جمّة أكثر عمقًا. فقط من حَصَّل هذه الأحوال وأبدى معرفته وتقواه أَدرَك إشاراتِ دلالةٍ تُفيد وُلوجه المقام العاشر.

    بالنسبة للميراث الجهري، حين يتأتّى للمرء أن يشرح معاني القرآن العميقة ويستثير دوما الرغبة لدى الناس لتحرّي المصدر الأصلي للإيمان، ويكون في الوقت ذاته منسجما ولا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع القرآن والسُّنّة، يتسنّى له عندها إحياء أفئدة المريدين، ويكون ذلك بمثابة علامة وبشرى يَستدلّ بها على بلوغه المقام العاشر.

    بالنسبة له، كلّ ما في الدنيا ما هو إلّا اختبار إلهي. وهذا ما مكّنه -بِغَضّ النظر عن ظروف بيئته- من التمسّك بعقيدته ومختلَف طاعاته، حتّى لو بلغت هذه الظروف أعظم درجات القسوة والصعوبة. أما في أوقات الترف والظروف المواتية حين يسُود الرخاء، فلن ينسى جذوره أبدا.

    عندما يَحُول الفقير إلى غنيّ، والجاهل إلى متعلِّم، والوضيع إلى نبيل، يظلّ هو دومًا في حال من خشية الله، وقورا، متواضعًا، محافظا على استقامته ومُمتثلا للطريق الصحيح.

    بموجب هذا الميراث، حظي المرشد باحترام جميع ضُروب الناس، وبلغ المقام العاشر فكان مرشدا روحيا، يُعِين مريديه على تنقية أرواحهم ووَصْل قلوبهم بقلبه.

    ولربّما لعبت هذه الظروف التكوينية الدور الأهم في نجاة الجهرية من الاندثار واستمرارها في الحياة والازدهار رغم مرورها بحوادث عظمى على مرّ التاريخ، كما كان لثروتها الروحية من جهة أخرى تأثير فعّال في هذا البقاء.

    5. تذكير من ميراث النسبة: كن متواضعا، لطيفا، نبيلا ومهذّبا مع الآخرين.

    تكبّر على المتكبّر، قال رسول الله ﷺ: « التكبّر على المتكبّر صدقة ».  كن متواضعا ومهذّبا مع المتواضعين المهذّبين اللّطفاء.

    ما يشوب عقل المريد يعكّر صفاء قلبه، بينما تنقّي روح الخدمة الإنسانية عقله وتطهّر قلبه.

    لذا، وجب علينا الحفاظ على هذه الروح، جوهر الباعث على حبّنا للّه ونيل محبّته ورضاه والارتقاء في مقامات القرب منه عزّ وجلّ.

    هناك سبل عديدة تمكّن المرء من بلوغ الطريقة، و « باب خدمة الفقراء » هو أوسع مدخل للتصوّف في النقشبندية، لأجل ذلك أَبقِ قلبك دائما مع الفقراء ومن يعانون.

    طبيعة المريد أنّه يتأثّر ممّا يجري من حوله، فإن رأى حيوانا صغيرا يُؤذى، أشفق عليه وتعاطف معه، وإن رأى حصانا يتعرّض للجلد، شعر بذات النزيف يجري في جسده أيضا.

    عندما تسُود مثل هذه الرحمة والروح التعاطفية وتترسّخ عادة انسجامية كهذه، ستتشكّل تبعا لذلك الثروة الروحانية الخاصّة بالتماسك الداخلي للجهرية.

    « ليس الغنى بالمال بل بالقناعة ». سرّ السعادة البشرية يكمن في الرضا.

    « أنعم عليّ ربّي بالقناعة. أنعم عليّ بالرضا « .

    وكما قيل في المثل: « من يرضى يسعد دومًا ».

    طالما يشعر المرء بالرضا، يستطيع -مهما اشتدّت ظروفه- أن يُبقي عقله في حالة سلام. لن يُثبّط شيءٌ عزيمتَه على الإطلاق ما إذا عاش راضيا ومُفعما بالأمل. سيفيض قلبه دوما لا محالة بطِيب الآمال وجميل التوقّعات.

    يربّي مرشد النقشبندية مريده على الحفاظ على عقل راض، لأنّه بذلك سيتمكّن من تحصيل حالة ذهنية لا تعرف الخوف على فراش الموت، وسيعيش على الدوام سعيدا، شجاعا ومتحرّرا من القلق.

    تَحرُّر الإنسان من قلقه وخوفه نعمة من نعم الجنّة، حيث لا قلق ولا خوف هناك. لذا على المريد الجهري الحقيقي أن يحرص على الاستمتاع مقدّمًا بها في دنياه قبل آخرته.

    خامسا: كيف تعرّفت الجهرية على الميراث النقشبندي

    1. إن تسامي الصفات الأخلاقية وارتقاء المقامات يكمن في قبول التنوير الروحي من المرشد الحقيقي. وهذا يعني أن عليك أن تُنكِر تمامًا جميع وجهات النظر والمفاهيم والأحكام التي بُنيت على تصوّرات مسبقة ومعطيات متأصّلة في وقت ما من حياتك، وأن تُعيد تفسير وتصحيح كلّ ما تمّ تكوينه بدايةً وفقًا للمفاهيم الصوفية والمعايير الإسلامية، وإعادة فهمه بناءًا على ماهية روح التصوف وارتكازًا على أصل الفكر الجوهري اللامادي للحقيقة.

    فيُطرح السؤال الجدلي: « هل تستمرّ الروح في الحياة بعد فناء الجسد؟ »

    يُعتبر الموت في الميراث الصوفي مجرّد مرحلة من مراحل حياة الإنسان. فبَعد موت الجسد، تستمرّ روح الإنسان في التواجد وتُواصل حياتُه ارتقاءها.

    لم يكن النمو المعرفي والروحاني للإنسانية أبدا إنجازا فرديا اُختُصّ به شخص بعينه، إنما كان دائما نتاجَ موروث تراكمي تَنقله أجيال سابقة إلى أجيال تليها.

    يستجيب الماء والحجر لسلوكيات الإنسان ومعلوماته، والمعلومة في حد ذاتها لا تعرف نهاية في المكان والزمان. فبمجرّد نشأة الرسالة، لن يكون بالإمكان اختفاؤها أو محوها، وستَشغَل من حينها حيّزا في الوجود لا يندثر.

    أجرى عالم ياباني دراسة اكتشف من خلالها أن الماء يتأثر بمشاعر الإنسان ويتغيّر شكل تبلوره وفقا لذلك الأساس.

    أساس الانضباط الروحي للتصوف عدم الغفلة عن الله عزّ وجلّ ولو لِيَسيرٍ من الزمن. ففي الصلاة تُقطع جميع الروابط الاجتماعية والأفكار اللاربّانية، وما تبقّى من أوقات فهي محلّ دعاء وتأمّل وعبادة قلبية. فمرِّن قلبك وأَدِمْهُ على الدعاء والتدبّر والعبادة وفي  ذات الوقت تأكًد من اتّصاله بما يدور من حوله وعدم انقطاعه عن مجريات دنياه.

    أبق قلبك في حضور دائم مع الله بالانشغال بذكره والتقرّب إليه سبحانه، بادئا من فؤادك واصلا إلى كلّ خلية يحتويها جسدك.

    تقترن حياة القلب باستمرارية ذكر الله عزّ وجلّ. لذا فأصحاب المقامات العليا من الأتقياء والصالحين يذكرون الله مع كلّ نفَس، وتُعتبر إثما غفلتُهم عن الله ولو لطرفة عين، أضف إلى ذلك عبادة الصوم واستمرارية التوبة.

    لا بدّ أن يتأثر قلبك بما يجترّه عقلك من أفكار، فإن كانت تصبّ في حرام أو مكروه صعُب عليك استجماع تركيزك لذكر الله، فانتبه لخواطرك واثبُت على ذكره سبحانه كي تصفو وتترقّى في مقامات الأخيار.

    ثمّة حديث نبوي نُقل عبر الميراث النقشبندي يقول: « موتوا قبل أن تموتوا، ومن مات فقد قامت قيامته ».

    لذا، اعتبر نفسك ميّتًا وإن كنت ما تزال على قيد الحياة حتى يتسنّى

    لقلبك التخلّص من كلّ جشعه إزاء زخرف الدنيا، وأسرع في إتمام ما وُكّلتَ القيام به في هذا العالم مُحسِنا العمل وساعيا للارتقاء في جميع جوانب حياتك.

    2. يقول المثل الصيني: « العظيم يعيش في المدينة، والضعيف ينأى بنفسه إلى الجبال ».

    في الميراث، لا تدعو الجهرية إلى الرهبنة أبدا، فيبرّ المريد والديه ويُحسن معاملة زوجته ويربّي أبناءه وينشغل بتفاصيل حياتهم ويَصِل رحمه وفقا لما تسوقه إليه فطرته الإنسانية، وفي الوقت ذاته يكون آخذا في طريق التقرّب إلى الله، داخلا عليه سبحانه من باب إكرام الأهل والإحسان إليهم. بهذا الشكل سيتأتّى له الجمع بين ما تُمليه عليه طبيعته البشرية وما يستدعيه السبيل إلى الجنّة.

    إذا توغّل الإنسان في الجبال، فسيستحيل عليه البرّ بوالديه أو إحسان عشرة زوجته أو تربية أطفاله، كما سيَخفُت اندفاعه الطبيعي لعيش الحياة، وسيفقد وفقًا لذلك سمات طبيعته الإنسانية. لذا ترتكز الجهرية على مبدأ: « العظيم يعيش في المدينة » وتتنكّر لفكرة الرهبنة، وهذا ما هو عليه المنهج الحقيقي للتصوّف.

    تَشكَّل مفهوم الرهبانية الإسلامية بادئ الأمر عند الصوفية، حين اُضطُهد أهل التصوّف في فترة من الزمن، تركوا خلالها منازلهم وانزاحوا نحو الشواطئ والجبال ليمارسوا بأريحية متطلّبات عباداتهم الإسلامية.

    في البدء، كان الدافع وراء تركهم بيوتَهم رغبتَهم في الهروب من اضطهاد المجتمع، ولأنّهم مُنعوا حينها منعا شديدا من حرّية الاعتقاد واتّباع دين الإسلام، فقد كان رحيلهم إجبارا أكثر منه اختيارا، وعانوا بعد ذلك خسارة طبيعتهم الإنسانية. وعلى هذا الغرار ترهبن جزء كبير من المتصوّفة.

    من جهة أخرى، معلوم في ميراث الجهرية أنّنا لا نرتبط بأعداء التصوّف خوفا من أن يُشتِّت ذلك تركيز الناس أو يُعكِّر فهمهم الصحيح للصوفية، بينما يمكننا التعامل معهم في حدود مقنّنة لغَرَض نُصْحِهم والرأفة بهم والدعاء لهم بحسن الخاتمة. غير أنّه لا بدّ لهذا التعامل من أن يخضع لشرط عدم التعارض مع مبادئ عباداتنا أو تشتيت تركيزنا على معتقداتنا.

    3. يجب أن يتجلّى الجمال الداخلي للصوفي على مظهره، لأنّ الاتّساق بين باطن الإنسان وخارجه شرط من شروط التصوّف، لذا ينبغي على المتصوّف أن يهتمّ بنظافة وأناقة وجمال مظهره.

    التأنّق، لبس العمامة، تمشيط اللحية وحسن الهندام عند القيام بالعبادات كلّها سلوكيات نبوية يجب عليك التخلّق بها تشبّها به ﷺ واتّباعا لسنّته.

    تدعو الصوفية للاحتراس من المواضع القذرة لأنّها محلّ استتار الشياطين. من أجل ذلك يلزَم الصوفي أكثر من أي شخص آخر أن ينتبه لدوام نظافته وحسن هندامه وبهاء مظهره.

    معروف عند أهل الجهرية في مناسباتهم الدينية كالأعياد وحلقات الذكر والأمداح أن يحرسوا على تنظيف وترتيب محيط تواجدهم. وهو حال كل الملتزمين بالشريعة الإسلامية، إذ عادة ما يعيش هؤلاء في منازل نظيفة، مرتّبة ويسودها جوّ صحّي.

    كانت هذه أحكام تقوم عليها الجهرية توارثتها من خلال النسبة.

    4. بمجرد اختيارك مرشدا روحيا حقيقيا، يُلزِمك ميراث النقشبندية بتوليَته كامل ثقتك، فقدْر ضئيل من الشكّ سيعيق لا محالة نموّ شخصيتك وروحانياتك ويمنع ترقّيك.

    هناك أناس لن يصلوا إلى أيّ مكان، سيفشلون في بلوغ الشطّ، سيَضيعون ولربّما يرتطمون بالجُروف لغياب المعلِّم الروحي في حياتهم.

      قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. (المائدة، الآية 3)

    فظنّ الّذين ليس لهم شيخ أو مرشد أن القرآن وحده كاف لهدايتهم، فاستغرقوا فيه مؤمنين باستغنائهم عن دور المرشد. نتيجة لذلك، ظهر بعض الزُّهَّد الذين انغمسوا منفردين في ممارساتهم الصوفية، فقاموا بِـ « الأعمال » بمفردهم وتعبّدوا بطرقهم الخاصّة.

    لا تقبل الجهرية مثل هذا التقليد، لأنّ وجهة النظر هذه تتعارض بشكل مباشر مع القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.  (السجدة، الآية 13)

    لذا، فإن الجهرية تدعو لاتّباع المرشد، إذ أنّ من الجليّ أن عاقبة الخروف الوحيد ستكون مختلفة عن عاقبة القطيع.

    مجازا، كان لراعٍ قطيعُ غنمٍ تشعر بأنها مسلوبة الحرّية، إذ أنّها كلّما كانت تجد مكانا مُعشوشبا وبه ماء تريد أن ترعى فيه أزاحها صاحبها عنه.

    كانت أماكن رعيها محدّدة لا يُسمح لها بتجاوزها وكانت أوقات استراحتها راجعة لقرار الراعي حيث لا يمكنها فعل ذلك وقتما شاءت.

    وقتها، كان هناك خروف لا راعيَ له يشاهد ما يحدث لتلك الأغنام، وكانت سعادته لا توصف لأنّه لا ينتمي لقطيعهم.

     الخروف: « لحسن الحظّ أنا وحيد ولا راعيَ يتحكّم في تحرّكاتي، أرعى أينما شئت وأنام حيثما رغبت وأستمتع بكامل حرّيتي خلاف أولئك المساكين ».

    عندها أتى عليهم الذئب، فأسرع الراعي بضرب الذئب بعصاه، ثمّ حمل بين ذراعيه خروفا عاجزا عن المشي، وأنقذ بكل شجاعة خروفا كان قد سقط في حفرة شديدة العمق ولم يبالِ قَطّ لخطورة الإقدام على ذلك. في نهاية المطاف، وصل الجميع آمنين إلى بيوتهم (رمزا لجنّة الفردوس)، بينما طارد الذئب الخروف المنفرد إلى أن قبض عليه وافترسه، فبئس الخاتمة خاتمة الخروف الوحيد.

    تُلقِّن هذه الحكاية درسا عظيما للناس حيث وجوب ممارسة الدين جماعيا والانضمام إلى مدينة الإسلام المحميًة حيث يتواجد المرشد. لذا أضحت الرهبانية نادرة جدّا ومن الصعب إيجادها عند الجهرية لأن جميع الممارسات الدينية الجهرية تُقام في مجموعات، أمّا من انفصلوا عن الجماعة ومارسوا الجهرية بمفردهم فاختفوا تقريبا.

    في تاريخ الجهرية، تم انفصال بعض الناس عن الجماعة، فخلال زمن وقاية الله (رضي الله عنه)، الذي كان ينتمي للجيل الرابع والأربعين من نسب رسول الله ﷺ، كان هناك عالِم شاب ذو علم واسع لكنّه مغرور، سمع أن وقاية الله (رضي الله عنه) قد استخلف الإمام العالم (رضي الله عنه) في أمور الدين، فلم يقتنع بذلك القرار وذهب إلى وقاية الله (رضي الله عنه) يسأله من الخليفة، فكان جواب هذا الأخير: « الخليفة مُؤذِّن من مدينة بينغ ليانغ ».

    عندئذ قاد العالِم الشاب جماعة من الناس، وذهب ليلقي نظرة على الإمام العالم. فلمّا لقيه قال في قرارة نفسه مزدريا إيّاه: « لا هو أطول منّي ولا أصغر منّي سنّا، إن هو إلّا مجرّد مُؤذِّن ».

    فرجع يسأل وقاية الله (رضي الله عنه) مرة ثانية: « من هو خليفتك في الأرض؟ »

    فأجابه: « لا أحد، كلّ من لم يرض باختيار الله للمُؤذِّن في الخلافة، فليكن خليفة ».

    فانفصل عن الجهرية إثر ذلك أولئك الذين أرادوا حيازة الخلافة، ووُثِّقت هذه القصّة في كتب تاريخ نسبة الجهرية.

    كذلك تَمّ في عهد الشيخ الإمام العالم (رضي الله عنه) انفصال بعض الناس عن الجماعة، ففي إحدى حلقات الذكر، وضع الشيخ الإمام العالم ثلاث عيدان بخور، أشعل منهم اثنين وترك الأوسط، ففهِم بعض الحاضرين بأن هناك شيئا غير متوقّع سيحدث.

    بعد انتهاء حلقة الذكر تلك، قال الشيخ الإمام العالم (رضي الله عنه) للحضور: « اتّبِعوا طريقة الشيخ وقاية الله (رضي الله عنه)، وليتّبع الجيل القادم طريقة الشيخ قطب العالم (رضي الله عنه) » .

    فانقسم الناس حينها إلى ثلاث فِرَق:

    فرقة طبّقت كل ما أمرها به الشيخ الإمام العالم.

    بينما قالت فرقة أخرى: لماذا علينا اتّباع طريقة قطب العالم؟ نتفهّم أمر اتّباع طريقة الشيخ وقاية الله حيث كان المتولّي لأمور ديننا، لكن يُستصعَب علينا فهم سبب تولية أمور ديننا لنسب قطب العالم.

    وقالت فرقة أخرى: « لن نتّبع أحدا غير الشيخ الإمام العالم ».

    فظهرت مجموعة من الناس مارست الدين بشكل فردي، لكن في نهاية المطاف اندثرت آثارهم جميعا.

    5. حَوْلَ عُرف الزواج

    لا امتناع عن الزواج في تقاليد الجهرية الموروثة عن النقشبندية، وفيه يقول رسول الله ﷺ: « النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي »، وأضاف بما مفاده: « لِدوا كثيرا وربّوا كثيرا وأنشئوا ذريّاتكم على هدى الله » (نصّ الشطر الثاني من الحديث مترجم فقط وغير منقول حرفيا).

    يجوز للمسلم الإعراض عن الزواج إذا لم تتحقّق فيه شروط الزواج، كأن يعاني من عجز جنسي أو عدم قدرةٍ على الولادة أو أيّة أسباب موضوعية أخرى تحُول دون زواجه.

    من جهة أخرى، إن كان زواج شخص ما سيؤثّر سلبا على ممارسته

     لدينه أو سيوجّه كليّة تفكيره إلى ما يتعلّق بمتع الزواج لا غير، فالحكم فيه أن الزواج لا يناسبه. بينما يكون الزواج صحيحا وضروريا إن لم يكن مصدر تشويش لعقل المسلم، أو سببا يعيق امتثاله لدينه وتركيزه عليه، فمقدرة الإنسان هي التي تَحكُم بوجوب زواجه أو بعدمه.

    بالتالي، لا راهب في الجهرية، والزواج منصوح وموصّى به بشدة في عرفها.

    تستنكر الجهرية مسألة الطلاق لما جاء في الحديث الشريف:

    « ذات يوم، سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله ﷺ:

    أيّهم تكره من الناس أكثر يا رسول الله؟ فأجاب ﷺ: العَجِل بالطلاق، ومن بعد يا رسول الله؟  قال: المخالِف لوالديه، ومن بعد يا رسول الله؟  قال: المرتدّ عن دينه ». 

    (نصّ الحديث مترجم فقط وغير منقول حرفيا).

    وهنا تنبيه على أنّ الطلاق بدون سبب أو باعث شرعي يُعَدّ أعظم من مخالفة الوالدين وحتى الارتداد عن الدين. لذا فإن الجهرية لا تؤيّد فكرة الطلاق، إلّا إذا كانت دواعيه تتناسق مع شروط مأذونية الطلاق في الدين.

    يُروى في النقشبندية أنّه: « في حالة الحضور الحقيقي مع الله، يُعَدّ كل نفَس ينبع من القلب أجدى من الإتيان باثنين وسبعين ألف ابن »، ويستند البعض على هذا القول داعين الناس إلى الانقطاع عن الزواج.

    من الضروري على كلّ شخص أن يعلم بأن هناك ثلاث مراحل للاتّحاد: أوّلها المعيّة وثانيها الفناء وآخرها البقاء، وقلّة من الناس فقط تستطيع بلوغ المقام الأخير.

    يقولون في حالة الفناء الحقيقية: « نفَس واحد نابع من القلب أجدى من اثنين وسبعين ألف ابن »، وجليّ أن هذه المقولة ليست دليلاً على مشروعية الإقلاع عن الزواج، فلا هي حديث شريف ولا هي نصّ قرآني.

    لمّا تأمّل العُزّاب في قصر الحياة الدنيا وعجلتها، اعتقدوا أنّ استمرارهم على العزوبة سيعينهم على عبادة الله بشكل أفضل وممارسة دينهم بورع أكبر. و لمّا كان مبتغاهم ذاك شخصيا بحتا نابعا عن حسن نية، تبنّت الجهرية موقفا متسامحا ومتّسما بالاحترام تجاههم، حيث أنّها لا تُصدر أيّة أحكام تعسّفية عن الممتنعين عن الزواج المُنتمين لبعض طرق التصوّف الأخرى.

    6. ماذا يتوجّب حقّا على النقشبندي فعله أثناء عيشه في هذه الدنيا؟

    تنقسم العبادة القلبية عند الجهرية إلى شطرين، شطر سطحي وشطر جوهري. أمّا السطحي فهو التفكّر والتأمّل من غير ممارسة أو تطبيق. وأما الجوهري فهو العطاء، وتكريس النفس لخدمة الدين، وبذل جهود دؤوبة للتحرّر من سطوةِ مادّية الحياة الدنيا وشهوات النفس والأنانية والأنا، لأجل تسخير كلّ سلوكيات الفرد الحياتية لخدمة المبتغى الأسمى « خدمة الخَلق »، وذلك بإرشادهم إلى الحقيقة وتوجيههم للاعتقاد الصحيح.

    عندما يتمّ دمج الروح الحقيقية للتصوّف مع كلّ سلوكيات المرء الحياتية، يصير بكلّ فعل هو فاعله طالبا رضا ربّه ولقاءه والوجهة الأخيرة لا غير. حينئذ، يتأتّى له ولوج السبيل المقرِّب إلى الله ونيل مقام القرب منه سبحانه والإبقاء على ثبات روحي وتركيز يدوم طوال الحياة.

    عندما تُنقش روح التصوّف الحقّة في قلب المريد، والتي تتمثّل في خدمة كل الخَلق، تسهُل عليه كل أمور الدنيا. فحينما يتمكّن المريد من تجاوز مخاطبة العقول شفهيا إلى لمس الأرواح وهداية القلوب يكون عندئذ سائرا على خطى الهدي النبوي، وهي منزلة عشرات آلاف الأنبياء. وبالتالي إذا استطاع المرء أن يجذب الناس بلسانه ويغيّر أسلوب حياتهم بقوّة روحه، فإنّ مفاهيمه وأحكامه تكون قد حقّقت فهم الحقيقة المطلقة.

    سادسا. عوامل الخطر التي تشكّلت في صفوف الجهرية والنقشبندية ترتُّبا عن الميراث

    1. صنّف أهل السنّة والجماعة (المقصود هنا: النقشبندية) كلّ البلدان تحت ثلاث فئات:

    أ. دولة مسلمة، رئيسها أو قائدها مسلم، وتمتثل كلّيا للقرآن والشريعة. تُعدّ حمايتها فرض عين.

    ب. بلد ودّي، قادته ليسوا مسلمين، لكنّهم يهتمّون بأمر المسلمين ويسمحون لهم بحريّة العقيدة. فتكون حماية هذا البلد واجبة وتكاد تكون إلزامية.

    ج. دولة معادية، زعيمها مسلم أو غير مسلم، لكنّه ظالم ومستبدّ، لا يسمح بحريّة الاعتقاد، ويضطهد المسلمين ويذلّهم، ويطردهم ظلما وعدوانا. الواجب هنا مقاومة هذا الاستبداد الظالم.

    بسبب هذا الميراث، قام البعض من ذوي الدوافع الخفيّة بتضخيم النقطة الثالثة والتركيز عليها بشكل متطرّف لتحريض الناس ودفعهم لمحاربة الحكومة.

    تذكير: يجب أن نلتزم بقواعد أهل السّنّة والجماعة بشأن هذه القضية، وهي أن قومية « هوي » التي تنتمي لأهل السنّة والجماعة الصينية التقليدية دائما ما تسعى من أجل تحقيق حقّها في الاعتقاد الديني حيث كان ذلك دوما وما يزال همّها الأوّل والأخير. هي لا تهتمّ أو تهدف بأي شكل من الأشكال لشغل مناصب قيادية حكومية، طالما تتمتّع بحريّة الاعتقاد.

    طبيعة الإسلام لا تتغيّر. الإسلام هو الاعتقاد والإيمان وطريق الرجوع إلى الله. كل الخلق أَتَوْا من عند الله، غير أنّ منهم من لن يستطيع الرجوع إليه سبحانه نتيجة كفره وخطاياه، فإن هو وجد طريق الإسلام وجد طريق العودة إلى الله.

    إذا حصّل المرء أرباحا من خلال الإسلام، فكأنّما استخدم إيمانه كأداة لكسب المال، فيُحوِّل دين الإسلام إلى مؤسّسة ربحية تتاجر بإيمان الخَلق، وينقلب بذلك من مؤمن إلى مرتدّ.

    إذا اُستخدِم الإسلام للإطاحة بحكومة البلاد، لا يُعَدّ حينها دينا بل يغدو أداة لإسقاط سلطة الدولة، عندها يتحوّل من عقيدة صحيحة إلى حزب سياسي لا أكثر، فينقلب التديّن إلى رِدّة.

    روح الإسلام الصينية ركيزة راسخة ومتينة تحمي الثابت عليها من احتمالية الوقوع في الخطر الأول.

    2. تشكّلت نقاط الإسلام الحسّاسة على ضوء الفكر المستنبط من الميراث

    إن صادفت القضايا التي تخدم الإنسانية عوائق ومقاومات رأى بعض الناس المخرج في حلّين: استمرار العمل الخيّر في خفاء حتى لا يعلم به أحد وبالتالي تحقيق حماية النفس من الأذى أو خوض معركة التغلّب على الشر إلى آخر نفس.

    لذلك، تم تشكُّل عدّة نقاط حسّاسة:

    الإسلام في حدّ ذاته نقطة حسّاسة، القرآن نقطة حسّاسة، علماء الإسلام المرموقون نقاط حسّاسة، وكذا المساجد هي الأخرى نقاط حسّاسة.

    غالبًا ما يكون لهذه النقاط الحسّاسة بعض التأثيرات السلبية، حيث تُستغَلّ من طرف ذوي الدوافع الخفيّة لتحقيق أهدافهم السرّية.

    يقول البارئ عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (التوبة، الآية 111).

    هنا مثلا، استغلّ بعض الأشخاص هذا الحكم القرآني لحثّ الناس على مقايضة حياتهم وممتلكاتهم مقابل الجنّة حتّى وإن عارض ذلك مبادئ الإسلام. في حين أنّ معنى الآية الحقيقي هو بدل الحياة والأموال في أعمال الخير، وفي تمهيد الطريق للناس للسعي من أجل الحقيقة المطلَقة، وليس بدلها من أجل إسقاط الحكومة أو تحويل الإسلام إلى أداة لجلب غايات سياسية. وتعتبر هاتين الغايتين نقطتي خطورة وجب تجنّبهما تماما في ميراث الجهرية.

    « لا تخلٍّ عن الدين ولو بالروح، فما ضَرْبُ الأعناق عندنا بشيء إلّا كقبّعات تُطايرها الريح »: شعار أشعل فتيل روح التضحية وشكّل نقطة حسّاسة في الجهرية.

    إن السبيل الوحيد لحلّ أيّ صراعات أو نزاعات يكمُن في حفر السّدّ عوض منع جريان مياهه، فعلينا تحديدا تبنّي منهج « كينغ يو » في حفر السّدّ وصرف المياه حتّى نتمكّن من ضبط الفيض بنجاح، أما منهجية ‘ياو’ و ‘شون’ المبنية على إعاقة انسياب مياه السّدّ فلا بدّ من تجنّبها والابتعاد عنها بشكل تامّ. (كادت هذه المنهجية حينها أن تنجح في منع تدفّق المياه، غير أن ارتفاع منسوب هذه الأخيرة دمّر السد وأدّى إلى خسائر عظيمة).

    بالتمعّن في تاريخ الجهرية وتاريخ الإسلام في عهد سلالة تشينغ الصينية، وجدنا أن معظم العواقب السيّئة التي طرأت حينذاك تولّدت عن نقاط حسّاسة وانحرافٍ في الأساليب.

    تتلخّص تجربة كلّ ما مضى من سنين، في أنّ الطرق الصوفية الصينية (المتمثّلة في الجهرية وثلاث طرق أخرى) انبثقت جميعها عن سنّة نبينا ﷺ وتنتمي لأهل السنّة والجماعة.

    يوافق هذا الإرث ما قاله نبيّ الله ﷺ: « يحبّ المسلم وطنه حبّ الطائر عشّه »

    (نصّ الحديث مترجم فقط وغير منقول حرفيا).

    لا بدّ من تحقيق بيئة متناغمة إن كان المبتغى حريّة حقيقية في الاعتقاد. تتساقط القنابل على منازل فلسطين متهدّمة فوق رؤوس أصحابها وهم يتعبّدون، وتنفجر عبوات ناسفة في مساجدها أثناء صلاة الجماعة. كيف لحريّة العقيدة أن تُنال وكيف للعبادات الإسلامية أن تُمارس في ظلّ هذه الظروف؟ فلنتأمّل مليًّا في هذه المسألة.

    يمكن لنقطة حسّاسة واحدة أن تتسبّب في تأثير مضاعَف ومتفاقِم، فإن هي صادفت وجود مرشد، حكَمها وسيطر عليها وحجَمها عن التسبّب في معضلات مستقبلية.

    « نفضِّل أن يدين لنا الناس في الدنيا على أن ندين لهم في الآخرة »: عبارة قالها الشيخ عبد الجامع (ما دْجِن وُو) رضي الله عنه المنتمي للجيل الثامن والأربعين من نسب رسول الله ﷺ أدّت إلى نزع فتيل التوتّر بين المريدين وإجهاض بوادر الصراع مع غيرهم من المعتدين.

    لم تكن رؤية الشيخ عبد الجامع رضي الله عنه وهو يتعرّض للنقد والاتّهام والإهانة مرّات عديدة خلال الثورة الثقافية في تلك الفترة متقبّلة من طرف بعض المريدين، فطلبوا منه أن يأذَن لهم بسلك سبيل الشهادة، لكنّ الشيخ ابتسم وقال: « نُفضِّل أن يدين لنا الناس في الدنيا على أن ندين لهم في الآخرة ».

    بفضل هذه المقولة ظلّت الجهرية آمنة في تلك الفترة، فلم تتورّط في مخاطر كبيرة ولم تعان من مصائب عظمى.

    لم يفهم الناس حينها كيف أمكن لطائفة « الأعناق الدامية »، وهي طائفةٌ لسان حالها: « ما ضرْبُ الأعناق عندنا بشيء إلّا كقبّعات تُطايرها الريح » أن تعيش بسلام وأمان بينما كانت تواجه تحدّيات شديدة كتلك.

    في واقع الأمر، كان الفضل في كلّ ذلك يعود للرجل الذي بكلمته بثّ السكينة والطمأنينة في قلوب الناس. ونحن ما زلنا حتّى اليوم نهتدي بقوله المأثور كجزء من ميراث الجهرية.

    من الممكن العيش في سلام وتناغم، وإنقاذ أمور عديدة من الخطر، وحلّ الكثير من الحيثيات والمشاكل الخفية بِيُسر مُطلق، إذا ما زاد التواصل والتفاهم بين المرشد ومريديه بصفة خاصّة وبين أهل الجهرية وبقيّة الناس بصفة عامّة، فنُحصِّل مستقبلا أكثر جمالا وانسجاما.

  • ملحمة الݣرݣرات.. قواعد إشتباك جديدة تُحَصِّنُ الإستقرار الإقليمي

    ملحمة الݣرݣرات.. قواعد إشتباك جديدة تُحَصِّنُ الإستقرار الإقليمي

    بقلم : شادي عبد السلام البراق 

    القَدَرُ التاريخي الإمبراطوري للمغرب – كدولة أمة – يثير الكثير من التساؤلات و يخلق العديد من المخاوف لدى أغلب مراكز الأبحاث و الإستشراف و معاهد الدراسات المستقبلية و كذا الدوائر المغلقة في مختلف العواصم الدولية المحيطة بالرباط العاصمة، المتتبع لتاريخ الأمة المغربية منذ فجر التاريخ إلى اليوم يدرك جيدا طبيعة هذا الشعب المنتصر بشكل دائم و المحافظ على خصوصياته الثقافية و الدينية و المجتمعية و طبيعة نظامه السياسي العريق القائد لإنتصارات حضارية شكلت منعطفات كبرى للشعوب في منطقة غرب المتوسط و شمال و غرب إفريقيا.

    إلتفاف الشعب المغربي عبر التاريخ حول المؤسسة الملكية – بإعتبارها القيادة التاريخية و الشرعية – لنضال المغاربة من أجل التحرر و الحفاظ على إستقلالية و سيادة القرار الوطني يجعلها مستهدفة بشكل دائم بحملات إعلامية مشبوهة تمولها جهات و دوائر معروفة بعداءها المستمر للمغرب و الشعب المغربي سواء بإستخدام أدواتها من تجار الأزمات وطريطورات الإحتجاج و الإعلام المشبوه المتخاذل و مرتزقة المواقف و الطابور الخامس من العناصر الإنفصالية، أو بالمواجهة المباشرة عن طريق إتخاذ مواقف سياسة تضر بالأمن القومي و سيادة و المصالح العليا للشعب المغربي.

    هذه الدوائر و الجهات تدرك جيدا أن الخط الأول و الأخير للدفاع عن وحدة و إستقرار و أمن و أمان هذا الوطن و حرية هذا الشعب هو النظام الملكي و العرش العلوي المجيد بشرعيته التاريخية و الدينية و الدستورية، و بالتالي فالهجمات البئيسة المستهدفة لصورة الملك و محاولة الإساءة إليه و إلى رمزيته في المخيال الشعبي المغربي ستظل هدفا دائما للمتربصين بالمغرب و إستقلاله و إستقراره و وحدته.

    الطبيب و المؤرخ الإستعماري الفرنسي لويس آرنو إنتبه إلى الدور المحوري للمؤسسة الملكية في كتابه “زمن “لمحلات” السلطانية – الجيش المغربي وأحداث قبائل المغرب ما بين 1860 و 1912 ” حيث أورد تعريفا للدولة المغربية على لسان الصدر الأعظم للدولة العلوية باحماد في خيمة السلطان مولاي الحسن الاول بعيد وفاته أمام كبار رجال الدولة متسائلا و مجيبا :  » – ماهو المخزن ( الدولة ) ؟ – إنها خيمة كبيرة شبيهة بهاته، فمن أجل بنائها وتدعيمها ضد العواصف والرياح فلا بد لها من دعامات. وإن العمود المحوري وصارية الخيمة التي ترفعها هو السلطان. « انتهى الإقتباس 

    ” المسألة المغربية ” ظلت طوال قرون ملفا مطروحا أمام الدوائر الإستعمارية و الإمبريالية من أجل إخضاع المارد المغربي وتركيعه، لإدراكهم بأن هذه الأمة قدرها أن تتمدد في كل إتجاه ممكن طالما تحقق الإستقرار في ظل قيادة كاريزماتية قوية هي ” المخزن الشريف“.

    هذه الحقيقة التاريخية عاشها المغاربة مع باكوس في عهد الممالك المورية العريقة عندما إستطاع أن يحافظ على إستقلال مملكته في مواجهة المد الروماني و جنب الشعب الموري المغربي العريق الإذلال و الإحتلال، أيضا عايشها المغاربة عندما أسسوا نموذجهم الخاص في الحكم بإختيارهم إمامة مولاي إدريس الأول في مواجهة الخلافة العباسية و خليفتها الأسطوري هارون الرشيد مرة أخرى عايش المغاربة هذه القدر الإمبراطوري مع يوسف بن تاشفين و تذوقوا حلاوة النصر في معركة الزلاقة ضد الزحف الصليبي الإيبيري في الأندلس، ثم عايشوه في معركة الأرك في عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور عندما أسس المغاربة إمبراطورية كبرى تمتلك أسطولا بحريا حول البحر المتوسط لبحيرة مغربية خالصة في زمن الحملات الصليبية.

    أيضا عايشها للمغاربة في عهد المرينيين و معركة الدوندونية عندما كانت القوات المغربية مرابطة في نواحي غرناطة لحمايتها من الإحتلال القشتالي لأكثر من قرن في مايسمى كتيبة شيخ الغزاة، ثم مع الإنتصار التاريخي بمعركة وادي المخازن في عهد الدولة السعدية عندما أعاد المغاربة ترتيب المشهد العالمي و إلغاء الإمبراطورية البرتغالية من الوجود لأكثر من سبعين سنة.

    ثم عاش المغاربة قرونا من المجد و العزة في عهد الدولة العلوية المجيدة مع ملاحم تحرير الثغور و بناء الدولة القوية في عهد السلطان مولاي إسماعيل و سيدي محمد بن عبد الله و إحياء مؤسسة ” المخزن الشريف ” في عهد السلطان مولاي الحسن الأول و ثورة الملك و الشعب في عهد بطل التحرير محمد الخامس و عبقرية الكفاح السلمي و ملاحم الحرب المقدسة في الصحراء المغربية في عهد الراحل الحسن الثاني ثم مسيرة التنمية و البناء في عهد جلالة الملك محمد السادس عندما غير المغرب تفاهمات المواقف الجيوسياسية الإقليمية بفرض قواعد إشتباك جديدة رسخها إنتصار الكركرات حيث إنتزع المغرب بذكاء الحجرة التي حاول النظام العسكرتاري الجزائري خدمة لأجندات إستعمارية أن يضعها في الحذاء المغربي!

    القوى الإمبريالية مستندة إلى مخرجات مؤتمر برلين الإستعماري 1884 و في سياق سياسة “التدافع نحو إفريقيا ” و الإتفاقات السرية بين مختلف القوى الأوروبية لحل ” المسألة المغربية ” أبرزها الإتفاق الودي البريطاني الفرنسي 1904وذلك على حساب ألمانيا، حيث تنازلت من خلاله فرنسا على حقوقها في مصر لصالح بريطانيا مقابل إعتراف هذه الأخيرة بحق فرنسا في فرض الحماية على المغرب ثم مخرجات مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 و نتائج أزمة أكادير 1911 بين ألمانيا و فرنسا و بريطانيا، هذه القوى الإستعمارية قامت بتقسيم الدولة العلوية المجيدة إلى مناطق نفوذ إستعمارية متعددة من نهر السينغال جنوبا إلى البحر المتوسط شمالا مرورا بالصحراء الشرقية المغربية حيث قامت بإقتطاع ملايين الكيلومترات المربعة تدخل في نطاق الحدود التاريخية للإمبراطورية المغربية و ألحقتها بمستعمراتها الإفريقية.

    الصحراء المغربية في إطار عملية التطويق الإستراتيجي الذي قامت به مدريد للمغرب في نهاية القرن التاسع عشر كانت من نصيب مملكة إسبانيا لتلحقها فيما بعد إلى المنطقة الخليفية شمال المغرب حيث كانت السلطة الإسمية في تطوان تدار بإسم السلطان العلوي من خلال خليفته السلطاني على شمال المغرب و الساقية الحمراء و ووادي الذهب.

    تطويق المغرب من الجنوب ظل هدفا دائما لكل الإمبراطوريات الإستعمارية التي حاولت تركيع المغرب أو فرض السيطرة عليه، كما أن العقل الإستراتيجي المغربي ظل دائما يدرك أهمية الأقاليم الجنوبية في خلق التوازن الجيوسياسي مع المحيط الإقليمي ، في عهد السلطان المنصور الذهبي تم إتخاذ قرار جيوسياسي تاريخي بالزحف نحو السودان الغربي حيث سيطر المغرب على أغلب دول و أقاليم غرب إفريقيا و تتأسس باشوية تمبوكتو كولاية مغربية ظلت تابعة للمخزن الشريف إبتداءا من 1591 إلى غاية 1887 مع دخول الإستعمار الفرنسي.

    السلاطين العلويين كالسلطان مولاي إسماعيل و سيدي محمد بن عبد الله و مولاي الحسن قامو بمحلات سلطانية و حركات عسكرية لتثبيت الحكم المغربي على الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية سواء في توات، أوغادين و تيرس أو بلاد شنقيط حتى حدود نهر السينغال.

    إخضاع المغرب للحماية إبتدأ أولا بإقتطاع بلاد شنقيط و تأسيس مستعمرة فرنسية بها حيث كانت و لازالت بلاد شنقيط أو موريطانيا تشكل العمق الإفريقي للمغرب، المؤرخ المغربي شهاب الدين أحمد بن خالد السلاوي يتحدث عن حركة السلطان مولاي إسماعيل التي وصل فيها إلى بلاد شنقيط، ويصف لنا مدى الحفاوة التي استقبل بها الشناقطة سلطان المغرب فيقول:( غزا السُّلطان الْمولى إِسماعيل صحراء السوس فبلغ آقا وطاطا و تيشيت وشنكيط وتخوم السودان فقدمت عليه وفود الْعرب هنالك من أهل السَّاحل والقبلة ومن دليم و بربوش والمغافرة وودي ومطاع وجرار وغيرهم من قبائل معقل وأدوا طاعتهم وكان في ذلك الوَفد الشَّيْخ بكار المغفري والد الْحرَّة خناثة أم السُّلْطان الْمولى عبد الله بن إِسْماعيل فأهدى الشَّيْخ الْمذْكُور إِلى السُّلْطان ابنته خناثة المذكورة وكانت ذات جمال وفقه وأدب فتزوجها السُّلْطان رحمه الله وبنى بها وجلب في هذه الغزوة من تلك الأقاليم أَلفين من الحراطين بأولادهم فكساهم بمراكش وسلحهم) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (58/ 7).

    المؤرخ الفرنسي دولا شابيل، يذكر أن حَرْكَات السلاطين العلويين لم تتوقف من أجل الدفاع عن الأقاليم الجنوبية للمغرب حتى نهر السينغال خاصة منطقة وادان عام 1665 و أدرار عام 1678 و تاكانت عام 1730 عن طريق ماسة وواد نون والساقية الحمراء وترشيت عام 1689.

    كما أرسل السلطان مولاي إسماعيل وحدات عسكرية من الجيش المغربي لدعم أمير الترارزة حوالي عام 1672، وحصل هذا الأمير على ظهير سلطاني بحكم منطقة الترارزة،ومنذ عهد السعديين وتعيين شيوخ الطوارق مندرج في اختصاصات باشوات المغرب في تنبوكتو وقد تجددت هذه التوليات في عهد سيدي محمد بن عبد الله وفي عهد مولاي الحسن الأول الذين صاهرو القبائل الصحراوية و هذا ما أكده جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في حوار صحفي لإذاعة فرانس أنتير في 28 أبريل 1975 قائلا: ” فهذه الصحراء هي التي أعطتنا دولة المرابطين الصحراويين وجدتي خناتة زوجة المولى إسماعيل صحراوية، وأم سيدي محمد الله صحراوية، وثلاثة من أجدادي صحراويون من قبائل جنوب الصحراء عن طريق السلالة النسوية، فليست الصحراء مغربية بالأمس فقط، ولا المغرب صحراوي بالأمس، وفي الحقيقة هل نحن الذين سنرجع إلى الصحراء أم أن الصحراء هي التي سترجع إلى المغرب”؟ – إنتهى الإقتباس .

    إعترف المغرب سنة 1969 بإستقلال موريتانيا حيث ظلت المملكة المغربية الشريفة حريصة على أمن و سيادة موريتانيا خاصة في مرحلة الحرب ضد ميليشيا البوليساريو عندما كان 6000 آلاف جندي يقومون بحماية مختلف المدن الموريتانية في إطار إتفاق التعاون المشترك في مجال الدفاع بنواكشوط يوم 12 ماي 1977 بين موريتانيا و المغرب.

    الأطماع الإستعمارية لإقتطاع الأقاليم الجنوبية للمغرب و بتر صحراءه لم و لن تتوقف أبدا كما ان مجهودات المغرب لم تتساهل أبدا في الدفاع عن الوحدة الترابية، لذا فهذا الهدف البغيض يتناقل بين الأعداء و المتربصين بمختلف أشكالهم و أطماعهم و بالتالي إنتقلت هذه الفكرة بشكل تلقائي إلى الأنظمة الوظيفية التي خلفها الإستعمار لخدمة أجنداته الخفية فتطويق المغرب جيوسياسيا من الجنوب و قطع شريانه الإفريقي ظل هدفا مستداما للعقل البومديني في قصر المرادية المتشبع بالفكر التوسعي ونظرية القوة الإقليمية الضاربة المهيمنة على محيطها الجغرافي.

    صديقي القارئ كان لابد من هذا المدخل التاريخي قبل التطرق لعملية تأمين المعبر الدولي الكركرات قبل ثلاث سنوات و محاولة إستقراء إنعكاسات عملية التأمين على الأمن الإقليمي و الكشف عن الأهداف الخبيثة لميليشيا البوليساريو و مشغليها لخلق نزاع مفتعل مع المغرب في منطقة تشكل شريانا تجاريا مهما بين الأسواق الأوروبية و أسواق إفريقيا الغربية.

    كيف غير المغرب المعادلة الجيوسياسية في 14 غشت 2016 بتطهير المنطقة صفر (قندهار) بين الكركرات و بولنوار في موريتانيا و تجنب سيناريو معبر إسلام قلعة الحدودي بين أفغانستان و إيران عندما قامت الجماعات المتشددة بالسيطرة عليه في يوليوز 2021 و حولته لمنطقة أمنية فاشلة ؟ و كيف كرس المغرب سيادته الكاملة على معبر الكركرات و المنطقة العازلة إبتداءا 13 نونبر 2020.

    كيف إستطاع المغرب بفضل التدبير الإستراتيجي و الهدوء الإنفعالي و التخطيط الرصين حل عقدة أزمة مفتعلة كان هدفها جر القوات المسلحة المغربية للدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع مرتزقة الميليشيا في المسافة صفر و كيف كان التحرك المغربي في التوقيت المناسب بالمكان المناسب في عملية خاطفة و بإستخدام ذكي لكل المعطيات على الأرض على شكل رد إستراتيجي مفاجئ أفقد العدو توازنه على جميع المستويات مجنبا المنطقة خطر حرب إقليمية واسعة؟

    كيف قامت الديبلوماسية المغربية بالتغطية السياسية والديبلوماسية لعملية أمنية تستهدف تطهير و تأمين معبر حدودي دولي من ميليشيات إرهابية عبر حشد الدعم الدولي في وقت قياسي لإجهاض كل التحركات المشبوهة في الأروقة الخلفية للمنتظم الدولي؟

    كيف كانت الجزائر عبر إعلامها المشبوه تسوق لطريق تندوف – زويرات و معبر العقيد مصطفى بولعيد كبديل محتمل لمعبر الكركرات؟

    ما علاقة طريق تزنيت – الداخلة كجسر لوجسيتكي عابر للقارات بين أوروبا و إفريقيا بالصراع الجيوسياسي في غرب إفريقيا و كيف ترد الجزائر عليه بإستثمار مليار دولار في صحراء شمال موريتانيا لبناء المحور الطرقي العابر للصحراء تندوف – زويرات؟

    كيف وضع المغرب جمهورية موريتانيا الإسلامية أمام مسؤوليتها السيادية وحرر قرارها السياسي من وصاية ميليشيا تيندوف بأفضلية الإنتقال بين المحاور الإقليمية بكل سلاسة ؟ كيف قام المغرب بحماية الأمن القومي لموريتانيا و جنب البلاد أزمة تموين غذائية؟

    ما علاقة إيران بمحاولة زعزعة الإستقرار الإقليمي و كيف يحاول الحرس الثوري بتواطئ مع الجزائر إستخدام الميليشيات الإنفصالية لخلق بؤرة صراع إقليمية لتحجيم دور إمارة المؤمنين في غرب إفريقيا و ما علاقة مسجد الكركرات بالموضوع؟

    كيف إستطاعت المُسَيَّرَات المغربية قلب المعادلة الأمنية و العسكرية في المنطقة العازلة بتحويلها لمنطقة محرمة على عناصر ميليشيا البوليساريو التي كانت تعيث فيها فسادا و و تهريبا و إرهابا ؟ و أسقطت أسطورة الأرض المحررة ليتحول معبر الكركرات إلى عنوان للإستقرار الإقليمي؟

    كيف تحولت السياسة المغربية في تعاطيها مع ملف الأمن الإقليمي من حماية السيادة الترابية إلى نشر القوة كإستراتيجية تندرج في سياق تحولات جيوسياسية دولية و قارية و ليست خطوة تكتيكية عابرة؟

    كلها أسئلة سنحاول البحث على إجابتها في هذا المقال

    طوال سنوات حرب الصحراء بين القوات المسلحة الملكية المغربية و مرتزقة البوليساريو بإسناد لوجيستكي و مالي من الجزائر و ليبيا و كوبا و سوريا و إيران و مجموعة دول المعسكر الشرقي كانت الإستراتيجية العسكرية المغربية تسير في إتجاهين متوازين: صد هجمات العدو و بناء و تعمير و تنمية مختلف مدن الصحراء المغربية.

    لذا إعتمد المغرب على إستراتيجية خطوط الدفاع المتقدمة في الميدان مع ترك مساحات كبيرة من الصحراء الشاسعة للإشتباك مع العدو بشكل يجعل المدن و المداشر و المصالح الإقتصادية آمنة بشكل كامل، فالمنطقة المحرمة شرق الجدار الأمني العازل كانت إختيارا إستراتيجيا عسكريا هدفه تأمين الوحدات العسكرية و المدنيين و خطوط الإسناد بشكل فعال و ليس تكتيكا حربيا ظرفيا أو نتيجة نهائية للحرب مع ميليشيا البوليساريو.

    العقل الإستراتيجي المغربي ترك مناطق للإشتباك مع ميليشيا البوليساريو الإرهابية التي كانت تعتمد على حرب العصابات مستغلة شساعة الأراضي الصحراوية و وعورة التضاريس للقيام بهجمات خاطفة و مباغتة من أجل إلحاق خسائر في وحدات القوات المسلحة الملكية المغربية، هذا التاكتيك واجهه الجيش المغربي بعمليات عسكرية نوعية نفذتها قوات النخبة خلف خطوط العدو مما كبدها خسائر فادحة في الارواح و العتاد.

    إعتمدت الإستراتيجية العسكرية المغربية إبان حرب الصحراء 1976- 1991 رغم تميزها و تكامل عناصرها بإعتمادها روحا هجومية على إكتساب عمق إستراتيجي داخل مناطق تحرك العدو واعتناق مبدأ الحدود الآمنة مما وفر للمملكة المغربية عمقاً إستراتيجيا آمنا و بذلك أصبحت أي مواجهة قادمة مع ميليشيا البوليساريو ستكون شرق الجدار العازل حتى الحدود المغربية الموريتانية وداخل المناطق العازلة التي شكلها الجدار الأمني العازل في مراحل تشييده المختلفة مع الإعتماد بشكل متزايد على القوات الملكية الجوية لتتحول إلى “الذراع الطويلة” للمغرب بتوفيرها الإسناد و الدعم و التغطية للوحدات العسكرية المرابطة على الأرض مما أعطى للجيش الملكي المغربي الفرصة لتطوير و تنفيذ إستراتيجية هجومية آمنة تهدف إلى إمتصاص الهجومات الخاطفة التي تنفذها البوليساريو بإعتماد نهج حرب العصابات.

    بكل وضوح المنطقة العازلة أو المنطقة المحرمة أو المناطق شرق الجدار الأمني هي قرار إستراتيجي عسكري مغربي له أهداف واضحة و مركزة و ليس نتيجة من نتائج الحرب، نقول هذا الكلام كرد على أكاذيب و ترهات ميليشيا البوليساريو التي تروج أسطورة الأرض المحررة و قصص وهمية عن مدن و مناطق و تشكيلات عسكرية لا توجد إلى في مخيلة قادتها من تجار البشر و مجرمي الحروب و محترفي التهريب تروجها آلات البروباكندا داخل مخيمات الذل و المهانة لتأجيل إنتفاضة المحتجزين و ليلة الهروب الكبير..

    العبقرية العسكرية المغربية قامت بإنشاء جدار رملي عابر للصحراء المغربية عبارة عن ساتر رملي يلعب دور حائط للصد الإستراتيجي ضد هجمات عصابات البوليساريو حيث تم تزويد هذا الجدار الأمني بمعدات تكنولوجية متطورة و أسلحة نوعية و حقل ألغام متقدم و تغطية جوية على مدار الساعة لرصد تحركات العدو على مسافات آمنة و التعامل معها للحيلولة دون وصوله إلى القوات المرابطة داخله التي تقوم بحماية التراب الوطني و السيادة المغربية.

    هذا الجدار الأمني هو دليل على صمود الشعب المغربي و إصراره على النصر و الإنتصار و حماية الأرض و العرض ضد كل معتدي خائن عميل حيث قامت هذه للمنشأة العسكرية بتجنيب المدن الآمنة و المدنيين العزل إرهاب ميليشيات البوليساريو و فرض قواعد إشتباك جديدة أدت بالميليشيا إلى قبولها صاغرة لإتفاقية وقف إطلاق النار تحت رعاية الأمم المتحدة و التي من أهم شروطها إعتبار المناطق شرق الجدار و جنوبه حتى الحدود الموريتانية مناطق محرمة دخولها على الآليات العسكرية و عناصر الميليشيا المسلحة و إلا أعتبرت إنتهاكا صريحا للإتفاق.

    في نفس الوقت كانت وحدات من الجيش المغربي تقوم بعمليات تمشيط روتينية لمطاردة عصابات البوليساريو حيث سطرت هذه الوحدات ملاحم كبرى يحفظها التاريخ العسكري بمداد من الذهب تخلد شجاعة الجندي المغربي و تضحياته الجسام من أجل الذوذ عن المقدسات الوطنية بشعاره الخالد الله – الوطن – الملك.

    و هو مأكده الأمر اليومي الذي وجهه جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله إلى أبناءه في القوات المسلحة الملكية المغربية يوم 14 ماي 1980 قائلا : ” بصفتكم وارثين لتقاليد عريقة في المجد ساهمتم بعزم وحزم في جميع الأحداث الكبرى التي طبعت مسيرات المملكة لتحقيق تطلعاتها المشروعة وبلوغ أهدافها السامية، وهكذا فإن مشاركتكم في استكمال الترابية بعودة اقليم وادي الذهب إلى حظيرة الوطن لتسطر لكم بمداد الفخر ملحمة بطولية جديدة على صفحات وحدة المملكة التاريخ. 

    إن الانضباط والتفاني والعزم الوطيد وما لكم من شعور بحتميات الواجب والشرف كل هذا ما فتئتم تبرهنون عنه في كل المناسبات وتسيرون على نوره قياما بالعمل اليومي بدون كلل ولا ملل لاحباط النيات الخسيسة الغادرة وافشال مؤامرات الذين تسيرهم اياد خفية، وتجهزهم بعتاد متطور كثيف، والذين يحاولون تقويض وحدة الصف بخلق البلبلة واشاعة الأباطيل ، إن انحدار قوات الشر في بئر انزران واسمارة والمسيد وبوكراع وبوجدور ليجسد ما لكم من عزيمة على الوقوف سداً منيعاً دون المتآمرين يقي البلاد مغبة المحاولات الدنيئة، وما عمليات التطهير الأخيرة بوركزيز ومنطقة الزاك الا دليل آخر على صلابة تصميمكم ووقوفكم في وجه جميع التحديات”.. إنتهى خطاب الملك.

    Description : ▪️الكركرات جزء من تاريخ الأمة المغربية : 

    حسب الباحث في الشأن الأمازيغي الدكتور عبد الله بوشطارت فإن: أگرگر هو اسم مكان أمازيغي يطلق على المرتفع الصخري، الذي يوجد جنوب مدينة الداخلة، وهي المنطقة الشاسعة المطلة على الأطلسي، وتعج بأسماء أماكن أمازيغية، مما يدل على أنها كانت مواطن استقرار صنهاجة الصحراء، إيزناگن، مثلا أمليلي وهي منطقة يوجد بها ميناء تقليدي، وكذلك بير أگندوز، تم اضافة كلمة بير للاسم الاصلي، ثم منطقة أمهيريز، وكلها توجد ما بين الداخلة والگرگرات، بما فيها أوسرد، ومنطقة الكديلية / أكدال بضواحي مدينة الداخلة.

    من خلال هذه الإشارة المقتضبة و في غياب بحث أكاديمي رصين تظهر من خلال طوبونوميا الأسماء الامازيغية أن منطقة الكركرات جزء لا يتجزء من التاريخ المغربي العريق بإمتداداته الأمازيغية العريقة و بالتالي فالمنطقة منذ عشرات الآلاف السنين و هي تلعب دورها المحوري في ربط المغرب مع عمقه الإفريقي و في مراحل معينة ربط شمال الإمبراطورية المغربية مع أراضيها في الجنوب.

    معبر الكركرات الحدودي أعاد إكتساب أهميته الإقتصادية مع سنوات الإستقرار الطويلة التي فرضها الإرادة المغربية على الأقاليم الجنوبية وتزايد الجهد التنموي بها و زيادة الفرص التنموية بموريتانيا و إفريقيا الغربية و كذا إغلاق الحدود المغربية / الجزائرية و تصاعد المجهودات المغربية لمكافحة التهريب و تجارة المخدرات بإستخدام دروب ومسالك الصحراء الشاسعة.

    في غشت 2016 قام السلطات المغربية بعملية تمشيط واسعة لمنطقة ” قندهار ” المحاذية لمعبر الكركرات و التي كانت مرتعا لتجار التهريب و تجار المخدرات.

    إزدادت أهمية معبر الكركرات مع إنطلاق السياسة الإفريقية للمغرب بزيارات ملكية سامية لمختلف أقاليم القارة الإفريقية و دولها و خاصة دول غرب إفريقيا مع ضخ إستثمارات ضخمة و توقيع إتفاقيات هامة للتبادل التجاري.

    هذه الإستراتيجية الإقتصادية المغربية في إفريقيا أزعجت مختلف الدوائر الإقليمية و الدولية و في محاولة لتحجيمها تم تحريك الانظمة الوظيفية التي تخدم القوى الإستعمارية عن طريق أدواتها من ميليشيا البوليساريو الإرهابية لتعطيل معبر الكركرات الحدودي و إعاقة إنسيابية البضائع و حركة تنقل الأشخاص بين المغرب و عمقه الإفريقي مما كبد الإقتصاد الوطني خسائر مادية كبيرة.

    بعد أحداث إكديم إزيك و تفكيك خلية أمغالا الإرهابية و طبيعة الأسلحة النوعية التي حجزتها قوات إنفاذ القانون المغربية من راجمات صواريخ و مضادات للدروع و أسلحة كلاشينكوف و في إطار إستراتيجية المملكة المغربية لضبط الحدود و تأمينها و محاربة التهريب و المخدرات و مكافحة الإرهاب و الجماعات المسلحة قامت السلطات المغربية إبتداءا من غشت 2016 بعمليات تطهير واسعة لمنطقة قندهار الواقعة بين معبر الكركرات الحدودي و المعبر 55 الموريتاني ببولنوار إنتهت بطرد المهربين و تجار المخدرات و هدم أعشاشهم و السواتر الترابية التي أنشئت لعرقلة السير في المحور الطرقي بين المغرب و موريتانيا.

    في الـ 26 من فبراير 2017 قرر المغرب الانسحاب بشكل أحادي من منطقة الكركرات على خلفية دعوة الأمم المتحدة البوليساريو إلى تجنب تصعيد التوتر في المنطقة داعيا الأمين العام للأمم المتحدة إلى العمل على العودة إلى الوضعية السابقة للمنطقة المعنية، والحفاظ على وضعها، وضمان مرونة حركة النقل البري الاعتيادية، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتعزيز الإستقرار الإقليمي.

    في يونيو 2018 عرف المعبر مرة أخرى عملية عرقلة عندما أقدمت عناصر من قطاع الطرق منتمية لميليشيا البوليساريو بقطع الطريق و إعتراض سبيل الشاحنات المغربية و الدولية مما تسبب شلل في حركة السير و تعطيل مصالح عدد من التجار المغاربة و الأفارقة.

    في بيان لوزارة الخارجية والتعاون المغربي أكد “أن البوليساريو ومليشياتها التي تسللت إلى منطقة الكركرات منذ 21 أكتوبر 2021، و قامت بأعمال عصابات هناك وبعرقلة حركة تنقل الأشخاص والبضائع على هذا المحور الطرقي، كما تقوم بالتضييق باستمرار على المراقبين العسكريين للمينورسو”.

    هذه العمليات الإستفزازية قابلها المغرب بأقصى درجات ضبط النفس متسلحا بالهدوء الإستراتيجي حيث كانت إستفزازات اخرى تقوم بها عناصر تابعة للميليشيا في ضد العسكريين المغاربة في الجدار العازل.

    بعد ضبط المعطيات وفهم دقيق للوضع و تهيئ كل الشروط الذاتية و الموضوعية قامت القوات المسلحة الملكية المغربية بأوامر من القائد الأعلى رئيس اركان الحرب العامة جلالة الملك محمد السادس لتقوم يوم 13 نونبر 2020 بعملية عسكرية دقيقة ببعد أمني صرف ترمي إلى تأمين المحور الطرقي بين المغرب و موريتانيا و طرد عصابات البوليساريو لتسطر ملحمة أخرى من ملاحم الجيش المغربي المنتصر و تنضاف إلى إنتصارات الشعب المغربي المتعددة.

    Description : ▪️ تأمين الكركرات ملحمة من ملاحم الشعب المغربي المنتصر: 

    في يوم 21 أكتوبر 2020 ظهرت شرذمة من قطاع الطرق التابعين لميليشيا البوليساريو الإرهابية في المنطقة العازلة بين الكركرات و بولنوار يقومون بإستفزازات ضد سائقي شاحنات النقل الدولي مشهرين أسلحة بيضاء في حالة عدم إمتثالهم، ثم القيام بإغلاق المحور الطرقي و إنشاء مايشبه المعتصم المفتوح ثم لتظهر قيادات الميليشيا ممثلة في مجرم الحرب إبراهيم غالي و بطانته في المناطق الساحلية القريبة لأخذ صور إستعراضية لترويجها في المخيمات و ليقدموا دليلا ملموسا لقيادات النظام العسكرتاري بإتمام المهمة الدنيئة.

    بعد أكثر من ثلاث أسابيع من وصول أفراد عصابات ميليشيا البوليساريو إلى منطقة الكركرات و عرقلتهم لسير تنقل الأشخاص و البضائع في محور طرقي له من الأهمية بمكان حيث انه يربط بين قارتين و يؤمن الإحتياجات الإقتصادية لجزء كبير من سكانهما بالإضافة أنه أصبح ممرا أساسيا و شريانيا مهما بين المغرب و عمقه الإفريقي فمنه تمر الإمدادات الغذائية المغربية لمختلف الأسواق الإفريقية و من بينها موريتانيا التي تضرر أمنها الغذائي بشكل كبير حيث تضاعفت فيها أثمنة المواد الغذائية لأرقام مهولة عجلت بعقد مجلس وزاري في موريتانيا لبحث هذه الإشكالات و إنتهت بتصريح لوزيرة التجارة والصناعة والسياحة الموريتانية، الناها بنت حمدي ولد مكناس التي أوعزت هذه الزيادات إلى ظروف خارجية.

    صبيحة يوم 13 نونبر 2020 كانت ساعة الصفر المنتظرة و كان بيان القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية المغربية يفند كل الشائعات و الأكاذيب التي بدأت تروجها الصفحات الفاشلة للطرف الآخر حيث أكد البيان على أنه “وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، تم تنفيذ عملية بتاريخ 13 نوفمبر 2020، وفق قواعد اشتباك واضحة تقضي بتجنب أي اتصال للقوات المسلحة الملكية مع الأشخاص المدنيين”، حيث نفذت القوات المسلحة الملكية المغربية عملية دقيقة تهدف إلى طرد ميليشيات البوليساريو و تطهير معبر الكركرات الحدودي من دنسهم بطريقة إحترافية غاية في المهنية و الإنظباط تؤكد على الخبرة التي راكمتها طوال عقود من العمل الميداني المباشر في ميدان الحرب عنوانه الحزم و الرد السريع الإستراتيجي حيث أورد البلاغ أنه “أطلقت ميليشيا “البوليساريو” المسلحة النار على القوات المسلحة الملكية التي ردت من جانبها وأجبرت عناصر الميليشيا على الفرار دون تسجيل أي أضرار بشرية”، لتنتهي العملية الخاطفة حسب البيان: “بتأمين ممر الكركرات بين المغرب وموريتانيا بشكل كامل، من خلال إقامة حزام أمني من قبل القوات المسلحة الملكية، بناء على تعليمات الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية”.

    على مستوى آخر كان الجهاز الديبلوماسي المغربي يقوم بعمل نوعي بإجراء إتصالات عاجلة مع كل القوى الفاعلة و الأصدقاء و الأشقاء لتوضيح الصورة و رفع اللبس و تبيان حقيقة الموقف بعيدا عن التضليل و الترهات و نشر الأخبار الزائفة و بالفعل كان التجاوب العالمي الكبير لموقف المغرب الشرعي و حقه القانوني في حماية سيادته و تطهير أرضه من شرذمة من المرتزقة الخونة قاطعي الطرق.

    توالت بلاغات الدعم و المساندة و المؤازة من مختلف المنظمات الدولية و القوى العظمى و الدول الشقيقة و الصديقة حيث صرح الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل على “ضرورة الحفاظ على انسيابية حرية التنقل والمبادلات عبر الحدود في منطقة الكركرات لطابعها الاستراتيجي للمنطقة المغاربية والساحل”، كما أعلنت كل من منظمة التعاون الإسلامي، و الإتحاد البرلماني العربي و مجلس التعاون الخليجي و منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو عن تأييدها للإجراءات المتخذة من قبل المغرب لتأمين حرية العبور في منطقة الكركرات، كما صرحت وزارة الخارجية الإسبانية في بيانها الرسمي على «أهمية الاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية، باعتبارها محورا رئيسيا بين إفريقيا وأوروبا»، جمهورية مصر العربية طالبت “بالامتناع عن أي عمل استفزازي وأي أعمال قد تضر بالمصالح الاقتصادية والتجارية في المنطقة” وأكدت «بأن مصر تتابع عن كثب تطورات الموقف في منطقة معبر الكركرات الحدودي في المغرب»، دولة البرازيل شددت “أن يتم ضمان تدفق حركة المرور والتجارة في ممر الكركرات دون عوائق”، كما أعربت الخارجية الفرنسية بتتبعها للأحداث الجارية في معبر الكركرات، معربة عن قلقها إزاء إغلاق نقطة العبور مؤكدة على أهمية حرية حركة البضائع والأشخاص في المنطقة، كما أضافت أنها على علم بالتدابير التي اتخذها المغرب مرحبة بالتزامه بوقف إطلاق النار، كولومبيا تدعو في بيان إلى السماح بحرية التنقل الحر للأشخاص والبضائع عبر معبر الكركرات الحدودي بالمغرب، رحبت وزارة الخارجية النمساوية عبر تغريدة لها على حسابها الرسمي على تويتر بموقف المغرب الملتزم بوقف إطلاق النار ، وزير الشؤون الخارجية الهولندي ستيف بلوك أكد أن «تدخلات الجيش المغربي يوم 13 نوفمبر هي رد فعل على إغلاق معبر الكركرات الحدودي»، وأكد على ضرورة إحترام وقف إطلاق النار، والحفاظ على حرية الحركة والتجارة عبر الحدود في منطقة الكركرات، صرحت وزارة الشؤون الخارجية البرتغالية أنها أبلغت بالتطورات المتبعة من قبل المملكة للحفاظ على حركة المرور في الكركرات، وثمنت وزارة الخارجية والشرق الأوسط البرتغالية ضبط النفس والتزام المغرب بوقف إطلاق النار والسعي لإيجاد حل سياسي، أصدرت الخارجية السعودية بيانًا جاء فيه: «المملكة تؤيد الإجراءات التي اتخذتها المملكة المغربية لإرساء حرية التنقل المدني والتجاري في المنطقة العازلة للكركرات في الصحراء المغربية»، كما أعربت عن «استنكارها لأي ممارسات تهدد حركة المرور في هذا المعبر الحيوي الرابط بين المغرب وموريتانيا، عبّرت قطر في بيان رسمي «عن قلقها العميق من عرقلة حركة التنقل المدنية والتجارية بمعبر الكركرات الحدودي» كما عبّرت «عن تأييدها للخطوة التي قامت بها المملكة المغربية الشقيقة بالتحرك لوضع حد لوضعية الانسداد الناجمة عن عرقلة الحركة في المعبر»، أكدت الإمارات العربية المتحدة على تضامنها مع المغرب في حماية أراضيه، كما دعمت القرار «بوضع حد للتوغل غير القانوني بالمنطقة العازلة للكركرات التي تربط المغرب بموريتانيا بهدف تأمين الانسياب الطبيعي للبضائع والأشخاص بين البلدين الجارين»، أعربت مملكة البحرين عن تضامنها مع المملكة المغربية «في الدفاع عن سيادتها وحقوقها وسلامة وأمن أراضيها ومواطنيها في منطقة معبر الكركرات المغربية في إطار السيادة المغربية، ووحدة التراب المغربي، ووفقًا للشرعية الدولية» كما أعربت «استنكارها الشديد للأعمال العدائية التي تقوم بها ميليشيات “البوليساريو“، أيّدت الكويت «الإجراءات المغربية لضمان انسياب البضائع والأفراد بشكل طبيعي» بين المغرب وموريتانيا، كما جددت الموقف الكويتي الداعم لسيادة المغرب ووحدة ترابه واستفزازاتها الخطيرة و مواقف داعمة من الأردن و اليمن و تركيا و سلطنة عمان و فلسطين و إفريقيا الوسطى و الغابون و جيبوتي، زامبيا، غامبيا، والصومال، غينيا الإستوائية، غينيا بيساو، تشاد، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ساحل العاجل، بوركينافاسو، السينغال، الشيلي.

    هذا الدعم الديبلوماسي المنقطع النظير و إلتفاف العالم حول الرباط في مساعيها المشروعة لإنهاء الوضع الشاذ في معبر الكركرات هو دليل على الثقة الكبرى الذي تضعها دول العالم في نوايا المغرب الدائمة من أجل السلام و الحفاظ عليه من خلال ديبلوماسية ملكية رائدة داعمة لكل فرص السلام و السلم في العالم ثم تأكيد على ثبات الموقف المغربي و أحقيته البالغة في حماية سيادته الترابية ضد ميليشيا البوليساريو الإرهابية و يؤكد على الدور الهام الذي تلعبه المؤسسات السيادية و الأجهزة الديبلوماسية في الحفاظ على المصالح العليا للشعب المغربي و الأمن القومي للمغرب بدعم من الجبهة الداخلية الموحدة الصامدة القوية و الإلتزام الوطني الصادق من الجميع.

    حالة الصدمة و الذهول التي عاشها العدو بعد العملية العسكرية بنتائجها الميدانية و السياسية الصاعقة أفقدته توازنه الميداني و النفسي ليتخذ مجرم الحرب إبراهيم غالي في محاولة لبعثرة الأوراق الإقليمية قرارا عبثيا بهلوانيا بإعلان حرب زائفة ضد المغرب عن طريق “أقصاف” وهمية ببلاغات كاذبة لذر الرماد على أعين الجوعى و المحتجزين في مخيمات تندوف و ترويج الوهم بإنتصارات هلامية و دفع المتمردين على قراراته إلى المنطقة المحرمة في عمليات عبثية حيث تنتظرهم المسيرة المغربية.

    حاولت ميليشيا البوليساريو أكثر من مرة إختراق المنطقة العازلة للقيام بعمليات معزولة تستهدف القوات المغربية المرابطة على الجدار لكن كان الرد الحازم من المدفعية الملكية و المسيرات الجوية التي حولت المنطقة العازلة إلى منطقة محرمة بالنسبة لعربات و أفراد المخيمات و تحركاتهم المريبة.

    و هو ما عبر عنه جلالة الملك محمد السادس في خطابه يوم 6 نونبر 2020 قائلا: أن المغرب سيظل «ثابتا في مواقفه، ولن تؤثر عليه الاستفزازات العقيمة، والمناورات اليائسة، التي تقوم بها الأطراف الأخرى، والتي تعد مجرد هروب إلى الأمام، بعد سقوط أطروحاتها المتجاوزة»…

    Description : ▪️ الكركرات و مابعد الكركرات:

    لا يمكن فصل أحداث الكركرات عن مايقع في المحيط الجيوسياسي للمملكة المغربية، فقد جاءت بعد سنة من جائحة كورونا و نجاح المغرب في الحجر الصحي و إلتزام الشعب المغربي بـ “أوامر” الدولة المغربية و قدرة الإقتصاد الوطني على تجاوز حالة الصدمة و خروجه بأقل الخسائر، في جانب آخر الموقف الجيوسياسي المرتبط بملف ترسيم الحدود البحرية في الأقاليم الجنوبية، فشل الجزائر في تمرير مقررات معادية للوحدة الترابية في الإتحاد الإفريقي كلها عوامل جعلت بعض الدوائر الدولية و الانظمة الوظيفية التابعة لها تنظر بإنزعاج لما يحققه المغرب وحيدا في مواجهة تحديات خارجية و داخلية، لذا كان المخطط بإشعال جبهاته الجنوبية بحرب إقليمية لتعطيل مساره التنموي، الكركرات كانت هي ساعة الصفر لإغراق المغرب في أذيال التبعية و الجمود، لكن العبقرية الإستراتيجية المغربية و الفهم الدقيق للوضع الجيوسياسي العالمي و فن إمتلاك المعلومة و ٱستخدامها في الزمكان المناسب حول “الكركرات” إلى عامل قوة في المسار التاريخي للمغرب الذي أعاد ترتيب المشهد الإقليمي بما يناسب توجهاته الداخلية بحزم و قوة.

    تطهير معبر الكركرات، إعلان ميليشيا تندوف الحرب الوهمية، إغلاق موريتانيا الحدود الشمالية، إعلان الجزائر عن طائريتين عسكريتين محملتين بأطنان من المساعدات إلى مخيمات الذل و العار في إشارة أنها مستعدة لدعم لامحدود للميليشيا و تصاعد الدعم الإيراني لميليشيا البوليساريو عن طريق وكلاءها في حزب الله كلها إشارات إلى إستعداد محور الشر الإقليمي لإشعال المنطقة بحرب هدفها الأساس هو المغرب و وحدته الترابية و إستقراره.

    إستفزازات و مؤامرات واجهها المغرب بالكثير من الثبات الإنفعالي و لتنجح الديبلوماسية الملكية المغربية في تحقيق نصر سياسي بعثر أوراق المتربصين و المتآمرين تمثل في الإعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية بنص واضح صريح غير قابل للتأويل، ليبدأ فصل جديد من فصول هذا النزاع المفتعل حيث تتعدد الإختيارات و التقديرات و يبقى الهدوء الإستراتجي و الثبات الإنفعالي سيد الميدان.

    إرادة الإعمار و البناء تمثلت في تعليمات أمير المؤمنين بعد أسبوع من إنتهاء العملية العسكرية ببناء مسجد جامع كبير في منطقة الكركرات كدلالة على السيادة الروحية للمملكة المغربية على كامل التراب الوطني و كرسالة إلى كل من يهمه الأمر بأن إمارة المؤمنين كمؤسسة تحمي الأمن الروحي للمملكة تسير بثبات إلى جانب الحزم المغربي في حماية التراب الوطني ضد كل المؤامرات و الإختراقات المتطرفة لمخيمات تندوف حيث تنشط الجماعات الإرهابية التكفيرية و الميليشيات الشيعية بفكرها الصفوي التوسعي.

    إنتصار المغرب في معركة الكركرات عسكريا و سياسيا يمكننا إعتباره هدية مجانية قدمها المغرب في طبق من ذهب لنظام الجنرال محمد ولد الغزواني، هذا الإنتصار حرر موريتانيا من تهديد البوليساريو للأمن الإقتصادي الموريتاني، كما أنه أعطى لموريتانيا حرية أكثر في الإنتقال بين المحاور الجيوسياسية في المنطقة لأن تأمين المغرب لمعبر الكركرات الدولي بعملية عسكرية هو تحرير لموريطانيا من وصاية ميليشيا البوليساريو الإرهابية.

    و جاء كتذكير للجميع بأن المغرب كقوة سياسية و عسكرية له الكلمة العليا في الأقاليم الجنوبية شرق الجدار و غربه و لايمكن للجبهة الإنفصالية تهديد الأمن القومي للمغرب سواء في حدوده الأمنية أو حدوده التاريخية.

    كلنا نتذكر التصريحات الإستعلائية من داخل موريتانيا لمجرم الحرب إبراهيم غالي عندما هدد الشعب الموريتاني بأنه سيدفع الثمن غاليا و أنه المتضرر الأول في حالة عودة البوليساريو لحمل السلاح و إندلاع حرب في المنطقة.

    اليوم المغرب بعد أكثر من سنتين على تأمين المعبر الدولي الكركرات و إعلان البوليساريو العودة الوهمية للسلاح إقتنع العالم بأن المغرب يسيطر بشكل تام على حدوده الأمنية.

    كما أن تحمل الجيش الموريتاني مسؤوليته بعدم السماح للعناصر الإرهابية الإقتراب من المعبر إنطلاقا من شمال موريتانيا تظهر لنا ملامح موقف موريتاني جديد يتشكل بهدوء و بروية قد ينتهي بمواقف أكثر براغماتية و أكثر واقعية.

    هذه التطورات الميدانية و السياسية أصابت ميليشيا البوليساريو و مشغليها بالإحباط و السعار مما إستدعى التهديد و التلويح بإستخدام أسلحة نوعية متمثلة في أسلحة إيرانية و هو ما رد عليه المغرب بحزم من خلال تصريح السيد عمر هلال الممثل الدائم للمملكة المغربية بالأمم المتحدة بأن المغرب سوف سيفرض سيطرته على المنطقة العازلة بالكامل في حال إذا تم تسجيل إستخدام الطائرات المسيرة لمرة واحدة​ فقط و أكد أن ان عواقب وخيمة ستقع بالمنطقة مضيفا بان المغرب سيتصرف بقوة إذا تم استخدام الطائرات المسيرة من طرف البوليساريو.

    المملكة المغربية حاليا تقوم بالعديد من المبادرات الرامية لربط الكركرات بالنسيج الوطني حيث تم ربطها بالشبكة الوطنية للكهرباء بالإضافة لقرار وزير التجهيز بربط الكركرات و الداخلة بطريق سريع كلها مؤشرات تدل على رغبة المغرب في تحويل المنطقة إلى مجمع لوجيستيكي عملاق للنقل البري بين قارتين و سوقين عالميين قد يتجاوز عدد سكانهما مليار و نصف نسمة.

    عملية الكركرات حددت ملامح إستراتيجية مغربية واضحة الملامح في مايخص رؤية المغرب كدولة – أمة للنزاع في الأقاليم الجنوبية حيث إعتبرها الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى 65 لثورة الملك و الشعب في 20 غشت 2022:  » أوجه رسالة واضحة للجميع : إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات. » انتهى الإقتباس .

    هي رسالة مسؤولة واضحة من المملكة المغربية بأن قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية بالنسبة للمغرب في علاقاته المستقبلية و الحالية مع باقي دول العالم يحب أن تكون عابرة للمواقف و لا تتأثر بالظروف الإقليمية، ولا بالتطورات السياسية الداخلية أو التغيرات الجيوسياسية والإنتخابية للدول الشريكة و الصديقة أو تلك التي تريد الإنخراط في شراكات مستقبلية للمغرب .

    الموقف من الوحدة الترابية للمملكة المغربية اليوم أصبح محوريا في السياسة الخارجية و عاملا أساسيا لطبيعة العلاقات الديبلوماسية بمختلف أشكالها للمغرب مع باقي دول العالم و « بشكل خاص من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل. » نص الخطاب الملكي .

    المملكة المغربية كقوة إقليمية في منطقة غرب المتوسط و شمال غرب إفريقيا و الساحل وكشريك أساسي في الحفاظ على الأمن الإقليمي بتعدد المخاطر و التحديات تفرض رؤيتها الخاصة المرتبطة بسيادتها الكاملة و بأمنها القومي و الأمن الإقليمي ، و لن تسمح لأي جهة بالعبث معها أو التلاعب بموقفها من الصحراء المغربية لإبتزاز المغرب و فرض أجندتها الخاصة عليه .

    مجموعة من الدول مطالبة اليوم بتقديم موقف واضح صريح و مسؤول بشكل جدي و بدون مواربة و غير قابل للتأويل حول الوحدة الترابية للمملكة المغربية لأنها أصبحت تشكل منعطفا أساسيا في ترسيخ المسار الديبلوماسي مع أي دولة في العالم ، المنطقة الرمادية أصبحت متجاوزة و المواقف المرتعشة غير مقبولة من طرف العاصمة الرباط ، اليوم هناك واقع جيوسياسي جديد تكرسه الوقائع على الارض تتمثل في نجاعة مسار  » دبلوماسية القنصليات  » التي أصبحت ورقة أساسية في ترافع المملكة المغربية من أجل الدفاع عن وحدتها الترابية. 

    جلالة الملك أكد على ضرورة تقوية الجبهة الداخلية من أجل الدفاع عن وحدتنا الترابية و لن يتأتى لنا ذلك إلا بالإنخراط الجدي و المسؤول للقوى الحية في المجتمع المغربي، من أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني، من أجل التعبئة الشاملة للتصدي لكل مناورات خصوم الوحدة الترابية.

    ساعة الحسم السياسي مع ميليشيا البوليساريو الإرهابية أصبحت قريبة جدا ..و حقيقتها كجماعة إرهابية أصبح من الصعب إخفاؤها بالشعارات الرنانة و الأكاذيب و التضليل و الحروب الإعلامية الفاشلة ..

    اليوم المملكة المغربية تقدم في الأقاليم الجنوبية نموذج تنموي رائد إنتقل بحواضر الصحراء المغربية من مداشر صغيرة و خيام في الصحراء إلى مدن عصرية ببنية تحتية متكاملة و مستدامة و موانئ و مطارات دولية تضع الإنسان كأولوية أساسية في التنمية حيث إستطاعت المملكة المغربية بعد ثلاث سنوات من عملية الكركرات الحفاظ على قواعد الإشتباك الإقليمية التي فرضتها بقوة الجدار المغربي المحافظ على الأمن القومي و المصالح العليا للشعب المغربي حيث يخطط المغرب إلى تحويل الصحراء المغربية إلى معبر لوجيستكي أطلسي عملاق عابر للقارات مما سيجعلها أحد الوجهات الإستثمارية الجذابة عالميا مستفيدا من إستقرار الأقاليم الجنوبية في ظل محيط إقليمي متقلب و هو ماعبر عنه جلالة الملك محمد السادس في في خطاب الذكرى 48 للمسيرة الخضراء 6 نونبر 2023 قائلا :  » غايتنا أن نحول الواجهة الأطلسية، إلى فضاء للتواصل الإنساني، والتكامل الاقتصادي، والإشعاع القاري والدولي. » إنتهى الإقتباس 

    أخيرا ملحمة الكركرات لم تكن فقط عملية عسكرية ببعد أمني و عملية تطهير و تأمين للمعبر الدولي الحدودي من شرذمة من المرتزقة من عناصر الميليشيا الإنفصالية، بل كانت معركة بين الخير و الشر ، بين إرادة الأمن الشامل و البناء و التنمية و دعوات الخراب و الدمار و الإرهاب، ملحمة الكركرات هي جزء من صيرورة نضالية خاضها الشعب المغربي بقيادة المؤسسة الملكية منذ آلاف السنين لتحصين وحدته و نشر قيمه و بناء حضارة مغربية متفردة بكل مكوناتها.

  • السنغال / اعتقال داعية شهير بتهمة انتهاك حرمة طائفة دينية.

    السنغال / اعتقال داعية شهير بتهمة انتهاك حرمة طائفة دينية.

    تم اعتقال الداعية الشهير الأستاذ عمر سال أمس من قبل قسم الأمن السيبراني الخاص بالشرطة الوطنية بسبب تصريحاته المهينة على الطائفة التجانية بالسنغال.

    و بحسب صحيفة « ليبراتيون اليومية  » ، نفى الأستاذ عمر صال البالغ من العمر 51 عاما أمام المحققين التهمة العالقة عليه ، موضحا أن تصريحاته ليست موجهة على أية طائفة في السنغال.

    وللتذكير، رفعت  فئة من أتباع الطريقة التجانية بالسنغال شكوى إلى المدعي العام ضد الأستاذ عمر صال بسبب تصريحاته التي اعتبرتها مهينة واستفزازا على طريقة اللوازم بالأوراد والذكر في المساجد

    وبعد استجوابه من طرف قسم الأمن السيبرالي الخاص بالشرطة الوطنية تم وضع الأستاذ عمر سال في الحراسة النظرية  أمس،  قبل إحالته إلى النيابة العامة.

    وبحسب المعلومات الأخيرة،  قررت النيابة العامة تمديد الحراسة النظرية للداعية المعتقل إلى الغد الجمعة .
    #دكارنيوز

  • الدور التاريخي والريادي لجمهورية مصر العربية 

    الدور التاريخي والريادي لجمهورية مصر العربية 

    بقلم / الدكتور محمد حسني عمران عبدالله

    رئيس البعثة الأزهرية في السنغال.

    لا يخفى على أحد شدة الأزمات والأحداث المتلاحقة والتحديات الكبيرة-في الوقت الراهن – التي تواجه العالم بوجه عام والوطن العربي والإسلامي بوجه خاص حيث تم تفكيك الكثير من الدول وتدميرها بصورة تحمل الكثير من الأسى والحزن على انهيار هذه الدول ، وفقدان الأمن للشعوب، وارتفاع الأزمات الاقتصادية، وسوء الحالة التعليمية والصحية والمجتمعية كتبعات فرضتها الحالة القائمة لتلك الدول بالإضافة إلى حالة الضعف العام التي تخضعها لحالة من السيطرة الخارجية والتحكم في إدارة البلاد، وتغذية الجماعات المسلحة زيادة في إضعاف الجو العام.

    ومع هذا لازالت – وستزال إن شاء الله- جمهورية مصر العربية متماسكة تواجه هذه الصعاب والتحديات الكبيرة مع العمل على التنمية المستدامة رغم ما تمر به من ظروف اقتصادية صعبة. 

    وستظل مصر -قبلة وأملا- للعالم العربي بوجه خاص والإسلامي بوجه عام؛ لما عرف عنها من الموقع الجغرافي المتميز، والمكانة التاريخية العريقة،والثقافة الدينية الرصينة المنضبطة حيث تحتضن أكبر المدارس العلمية الدينية في العالم (الأزهر الشريف)، كما تمتلك المنزلة الحضارية العالية فلقد جمعت بين عدة حضارات على أرضها، وتمسكها بالقيم الإنسانية النبيلة حيث ترسخ فيها التعايش السلمي بين المختلفين دينيا، وما تقوم به من أدوار عديدة تجاه العديد الدول وقضايا العالمين العربي والإسلامي والمواقف الإيجابية تجاه قضايا الأمة.

    ومع كثرة الأعداء والمتربصين وأصحاب المصالح الشخصية والحزبية وأصحاب الأجندات الخاصة الذين لا يعرفون إعلاء لمصلحة الوطن، ولا مراعاة للظرف الراهن، ينبغي على كل مخلص أن يقطع الطريق على هؤلاء المتربصين الذين يعملون على طمس التاريخ، وتشويه الحقائق، وبث الشائعات، وترويج الأكاذيب، وتوهين قيمة الوطن في نفوس أبنائه.

    وقد وصف أمثال هؤلاء الإمام ابن حزم – رحمه الله – بأنهم  أصحاب نوايا خبيثة رأيت أكثر الناس إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً من نيات خبيثة يضبون عليها، من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له، وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه، أو يوجب كونه. وإنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولا قتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه. انتهى كلامه رحمه الله.

    فيجب العمل على الوعي بأمر هؤلاء، وأمثالهم، وعدم الانزلاق معهم، أو التأثر بهم، ومواجهتهم بالفكر الصحيح، والعلم النافع، والعمل لما فيه خير البلاد، وما يرضي رب العباد تحقيقًا لعمارة الأرض التي أمر بها.

    نحن نرى أناسا بلا تاريخ ولا حضارة يصنعون تاريخًا مزيفًا يتغنون بأمجاده، فكيف من حباهم الله بمثل هذا التاريخ الكبير وأجرى ذكره في كتابه وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- ومأثور كلام الصحابة والتابعين والعلماء والمصلحين.

    إن مصر تحتاج إلى وعي حقيقي بقدرها ومكانتها التي منحها الله إياها، ثم إلى بنَّائين لا هدامين.

    أَنْجدوا مصر إذا ما فَزعت …وأهابت بالكُماة الباسِلين 

    احفظوها إن مصراً إن تَضِعْ… ضاع في الدنيا تراث المسلمين.

    فعلى جميع أبناء مصر (قادة وشعبا) أن يعملوا على رفعتها وازدهارها واستقرارها وقوة اقتصادها وأمنها وأن يتكاتف الجميع ويتحملوا المسئولية المجتمعية التي تحقق العيش في كرامة والعدالة بين أبناء المجتمع الواحد، وخلق بيئة ترفع أسلوب الحوار الهادف، والنقد البناء، والنصح الخالص وهذا يثمر اختلاف التنوع الذي يعمل على الثراء والتكامل، لا اختلاف التضاد الذي يدعو للتطاحن والتحارب.

    وينبغي أن يراعي العقلاء مآلات الأمور وعواقبها (فليس للأمور بصاحب من لا ينظر في العواقب) والقاعدة الفقهية تقول: (يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام) لأن الضرر الخاص لا يكون مثل الضرر العام الشامل.

    وكذلك يقدم دفع المفاسد على جلب المصالح.

    وأي مصلحة تعود على الإنسان حتى يكون أداة لهدم الوطن، وبث روح اليأس، وزيادة الاحتقان في نفوس الناس، واستغلال ظروفهم، بدلا من التخفيف عنهم.  

    لا شك أن الهدم والفوضى بيئة خصبة لظهور مرضى النفوس، وأصحاب المآرب، والعابثين والفاسدين وخروج الخفافيش التي تعشق الظلام ولا تعمل إلا فيه.

    كما أن غياب الأمن وزوال الدولة فرصة -أيضًا- لضياع الحقوق وحصول الاضطراب والقتل والسلب والنهب وسفك الدماء، والسرقة والزنا والاغتصابوانتهاك الأعراض، إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة.

    هذا.. وإن حب الخير للوطن فطرة سليمة -مهما ألم به من ظروف، أو أصابه من نائبات الزمان- فكما قيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توَّاقة.

    وقال آخر: احفظ بلدًا رشَّحك غذاؤه، وَارْعَ حمًى أكنَّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.

    وقال آخر: إذا كان الطائر يَحِن إلى أوكاره فالإنسان أحق بالحنين إلى أوطانه. وقال الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة.

    وقال آخر: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه.

    وفي التراث العربي شعرًا ونثرًا ما يجعل حب الوطن أمرًا مجمع عليه ولا خلاف فيه، وأن العاقل يرجو له السلامة، ويأمل له وجودًا سعيدً، وعيشًا رغيدًا، ويعمل على إشراقه وازدهاره وقوته وتماسكه.  

    حفظ الله مصر شعبا وجيشًا من كيد الكائدين وتربص المتربصينوجعلها الله أمنًا أمانًا سلمًا سلامًا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.

  • نقل عثمان سونكو إلى سجن “كاب مانويل ” أمس الإثنين

    نقل عثمان سونكو إلى سجن “كاب مانويل ” أمس الإثنين

    أعيد عمدة زيغينشور إلى السجن ، وبحسب النائب البرلماني “شيخ تيورو امباكي “، فقد تم نقل عثمان سونكو مساء الاثنين إلى سجن “كاب مانويل. ” القريب من المستشفى المركزي حيث كان يتعالج ، وذلك دون إبلاغ طبيبه الشخصي”، كما أشار إلى ذلك في صفحته على الفيسبوك.

    علماً أن زعيم حزب باستيف السابق طلب قبل أيام العودة إلى السجن رغم تدهور حالته الصحية جراء الإضراب عن الطعام حسب محاميه الأستاذ قريش باه.
    ويتواجد عثمان سونكو مع زميله الأمين العام لحزب باستيف بشير جوماي فاي المعتقل في سجن كاب مانويل منذ أكثر من ستة أشهر بتهمة هتك حرمة القضاة في مقال نشره عبر حسابه بفيسبوك.

    وعلمنا أن مديرية إدارة السجون رأت أيضاً أنه من الأفضل نقله إلى مكان قريب في سجن “كاب مانويل” حتى يتمكن من تلقي علاجه عند الحاجة “.

    المصدر : سنويب
    نقلا عن موقع رفي دكار
    دكارنيوز

  • مالي: غويتا يعلن سيطرة الجيش على مدينة كيدال

    مالي: غويتا يعلن سيطرة الجيش على مدينة كيدال

    أعلن الرئيس الانتقالي المالي العقيد أسيمي غويتا، سيطرة الجيش على مدينة كيدال شمالي البلاد، مضيفا أن المهمة المتمثلة في « استعادة وتأمين كامل الوحدة الترابية دون استثناء، وفقا للقرارات الأممية، لم تكتمل بعد.

    وأوضح غويتا في تغريدة على منصة « إكس » وبثها التلفزيون الرسمي المالي في موجز خاص، أنه و »تطبيقا للقرار الأممي 2690 (2023) » تم « بفضل الله وشجاعة وإصرار قواتنا المسلحة، تنفيذ غارة قبل أيام على كيدال، خلفت خسائر فادحة » في صفوف المسلحين الأزواديين.

    وأشاد غويتا الذي يعد كذلك القائد الأعلى للقوات المسلحة المالية، في تغريدته ب »الضحايا المدنيين والعسكريين الذين سقطوا في ميدان الشرف »، كما وجه تحية « للشعب المالي على صموده ».

    وقد اعتبر قصر « كولوبا » في موقعه على الأنترنت إعلان غويتا سيطرة الجيش على كيدال، بأنه « يمثل نقطة تحول تاريخية في الحرب ضد الإرهاب في مالي ».

    وكانت معارك وصفت بالعنيفة، قد اندلعت قبل أيام على مشارف كيدال بين الجيش المالي والقوات الأزوادية، من أجل السيطرة على المدينة بعد انسحاب القوات الأممية منها دون تسليمها لأي من الطرفين.

    نقلا عن #الإفريقية