من المنبر إلى قلب إسبانيا … قصة إمام مسجد غاض غمار الهجرة غير الشرعية بحثا عن حياة أفضل تثير ضجة في السنغال …

كان يقف على المنبر كل يوم جمعة، يخاطب المصلين بصوت يملؤه الإيمان، ويذكّرهم بأن الدنيا دار ابتلاء، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن حسن التعامل مع الناس من شيم المؤمنين، وأن حسن الجوار وصون الحقوق والإحسان إلى الآخرين ليست مجرد وصايا تُقال، بل قيم ينبغي أن تُترجم إلى سلوك يومي.

كان يعظهم عن الرضا بما قسم الله، وعن التوكل عليه، وعن خطورة اليأس، وعن ضرورة التمسك بالأمل مهما اشتدت المحن. وربما حدّثهم يومًا عن حرمة النفس، وعن مخاطر الطرق المجهولة، وعن أن الرزق بيد الله، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعرّض حياته للهلاك في سبيل البحث عن حياة أفضل.

لكن الأيام دارت، ووجد الإمام نفسه أمام واقع لم تعد المواعظ وحدها كافية لتغييره، أو لعلّ الظروف التي تحيط به ضاقت حتى لم يعد يرى أمامه من سبيل سوى الرحيل.

وفي يوم من الأيام، وبعد أن فرغ من صلاة الجمعة، ونزل من المنبر الذي اعتاد الوقوف عليه واعظًا ومرشدًا، اتجه نحو الشاطئ. هناك، بعيدًا عن أعين المصلين الذين اعتادوا رؤيته في محرابه، ركب قاربًا متجهًا إلى إسبانيا، تاركًا وراءه مسجدًا ومنبرًا ووجوهًا ألفت صوته، ومستقبلًا بحرًا لا يعرف ما يخفيه من مخاطر.

لم يكن البحر طريقًا مفروشًا بالأمل وحده، بل كان رحلة من الخوف والتعب والمعاناة، تتنازعها مشاعر الرجاء والقلق، وتحيط بها احتمالات لا يمكن التنبؤ بها. وبعد أيام من المشقة، وصل الإمام إلى قلب إسبانيا، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفها الناس عنه في بلده.

وهناك، بدأت الصور تحكي فصلًا آخر من الحكاية. ظهر الإمام في صور مختلفة، تارة يرتدي معطفًا يقيه البرد، وتارة أخرى يلبس ملابس ثقيلة تحميه من قسوة الطقس. ثم ظهرت له صور بملابس شبابية مختلفة، وكأن الرجل الذي اعتاد الناس رؤيته بوقاره وهيبته على المنبر بدأ يتكيف مع واقع جديد، ويعيد تشكيل صورته بما يتناسب مع حياة المهاجرين في أوروبا.

فهل تغيّر الإمام، أم أن الحياة الجديدة فرضت عليه أن يتغيّر؟ وهل تخلى عن هويته، أم أنه يحاول التأقلم مع مجتمع مختلف، والاندماج في واقع لا يشبه ما تركه خلفه؟

إن المسألة أعمق من مجرد ملابس تغيّرت أو مظهر تبدّل. إنها حكاية إنسان انتقل من موقع الواعظ الذي يذكّر الآخرين بالصبر إلى موقع المهاجر الذي يختبر الصبر بنفسه؛ ومن رجل اعتاد أن يقدّم للناس دروسًا في الحياة إلى إنسان يجد نفسه مضطرًا إلى خوض دروسها القاسية.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن الإمام الذي كان يعظ الناس عن الصبر وحسن التوكل، أصبح اليوم في حاجة إلى من يواسيه ويذكّره بما كان يقوله لغيره. فالمهاجر، مهما كان علمه أو مكانته أو مهنته، يظل إنسانًا تحاصره الأسئلة ذاتها: كيف سيعيش؟ وأين سيجد عملًا؟ وكيف سيحمي كرامته؟ وهل سيتمكن من بناء حياة جديدة بعيدًا عن أهله وموطنه؟

ومع مرور الوقت، قد يتحول في أعين الآخرين من إمام كان يقف على المنبر إلى مهاجر سنغالي آخر يسعى وراء لقمة العيش في شوارع أوروبا. لكن هل يعني ذلك أنه فقد هويته؟ ليس بالضرورة؛ فالهوية أعمق من المظهر، والانتماء لا تمحوه الملابس، والمكانة التي صنعها الإنسان بالعلم والعمل لا تختفي لمجرد أنه غادر وطنه.

ومع ذلك، تظل الحكاية محمّلة بأسئلة موجعة عن واقع الهجرة في السنغال: ما الذي يدفع رجلًا يتولى مسؤولية دينية واجتماعية، ويقف أمام الناس واعظًا ومرشدًا، إلى ركوب البحر بحثًا عن مستقبل آخر؟ هل هي الحاجة الاقتصادية؟ أم ضيق الفرص؟ أم الرغبة في تحسين مستوى المعيشة؟ أم مزيج من كل ذلك؟

ربما لا نعرف الإجابة الكاملة، ولا ينبغي أن نحكم على الرجل من صوره وحدها، أو أن نجعل من اختياراته الشخصية دليلًا قاطعًا على تبدّل قناعاته. لكن قصته، إن صحت تفاصيلها، تستحق أن تُروى بوصفها صورة من صور التحولات التي يعيشها الإنسان حين تضطره الظروف إلى مغادرة المكان الذي عرف فيه نفسه وعرفه الآخرون.

من المنبر إلى البحر، ومن محراب المسجد إلى شوارع إسبانيا، تتغير الأمكنة والملابس والأدوار، لكن الأسئلة تبقى: هل يهاجر الإنسان بحثًا عن حياة جديدة، أم أنه يحاول الهروب من حياة لم تعد تمنحه ما يكفي من الأمل؟

وربما يكون السؤال الأهم: ماذا لو وجد هذا الإمام في وطنه ما يكفيه ليعيش بكرامة، ويواصل رسالته، ويظل على منبره الذي عرفه الناس عليه؟ هل كان سيختار البحر طريقًا إلى المجهول؟

إنها ليست حكاية إمام فحسب، بل حكاية وطن وأحلام مؤجلة، وأجيال ترى في الضفة الأخرى فرصة للخلاص، حتى لو كان الطريق إليها محفوفًا بالمخاطر. وبين منبر الأمس وشوارع اليوم، يبقى الإنسان أكبر من صورته، وتبقى الهجرة سؤالًا مفتوحًا عن الكرامة والفرص والمستقبل.

Leave a Reply